الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


القرآن محاولة لقراءة مغايرة 52

ضياء الشكرجي

2022 / 5 / 6
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


يا بَني إِسرائيلَ اذكُروا نِعمَتي عَلَيكُم وَأَنّي فَضَّلتُكُم عَلَى العالَمينَ (122) وَاتَّقوا يَومًا لّا تَجزي نَفسٌ عَن نَّفسٍ شَيئًا وَّلا يُقبَلُ مِنها عَدلٌ وَلا تَنفَعُ شَفاعَةٌ وَّلا هُم يُنصَرونَ (123)
يتكرر هنا كما في الكثير من الآيات تذكير بني إسرائيل (ذرية يعقوب) أو (اليهود) بنعمة الله عليهم بتفضيله إياهم على العالمين، كما يذكرهم بيوم القيامة. وهنا وبقطع النظر عن وجود أو عدم وجود يوم باسم يوم القيامة أو يوم الحساب أو يوم الدين (الدينونة حسب المصطلح المسيحي)، فما تذكره هذه الآية بخصوص الجزاء يمثل تعبيرا دقيقا عن العدل الإلهي في الجزاء الأخروي، إذ لا يمكن أن يُغني «يجزي» إنسان صالح ومحسن عن إنسان طالح ومسيء، حتى لو كان ابنه أو أباه أو أخاه أو زوجه، ولا يمكن لأحد أن يشتري نجاته من العقاب بثمن «عدل»، ولا يمكن لشفيع أن يشفع لمشفع له إن كان غير مستحق للمغفرة والرحمة، وليس من أحد يستطيع أن «ينصر» ويساعد وينقذ أحدا. ولو إن العقل الفلسفي لا يوجب العقاب، إذا كان المجرم أو الظالم مجبرا على فعله، لكن قد يكون عقابه منحصرا في عدم استحقاقه للثواب، فالعدل يتطلب تعويض ضحية الجريمة أو الظلامة اللتين مورستا ضده، ولا يجب أن يتطلب معاقبة المسيء، فما يتمناه الكثير من ضحايا الجرائم وممارسات الظلم في أن يروا مزاولي الجريمة أو الظلم ضدهم يعاقبون، يمكن جدا من الناحية العقلية ألن يكون لمثل هذا الشعور عند الضحية أي وجود في الحياة الأخرى، التي لا نعرف طبيعتها وتفصيلاتها، إلا أن العقل يقول بوجوب تحقق العدل المطلق فيها، ولكون طبيعة كل من الحياة والإدراك والشعور مختلفا بكل تأكيد عما هو عليه كل منها في هذه الحياة.
وَإِذِ ابتَلى إِبراهيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ قالَ إِنّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمامًا قالَ وَمِن ذُرِّيَّتي قالَ لا يَنالُ عَهدِي الظّالِمينَ (124)
تروي لنا هذه الآية قصة امتحان أو اختبار أو ابتلاء الله لإبراهيم، الذي يسمى بأبي الأنبياء، وخليل الله، وتحدثنا الآية عن ثمة كلمات امتحن الله بها إبراهيم، ما هذه الكلمات لم يخبرنا القرآن، وعلى من يعود ضمير الفاعل المستتر لفعل «أَتَمَّهُنَّ»، مع وضوح إن ضمير المفعول المتصل «هُنَّ» واضح أن المعني به هي تلك الكلمات، ولا ندري هل الله الذي «أَتَمَّهُنَّ» أم هو إبراهيم، والاحتمال الأول هو الأرجح. هذا الامتحان (الابتلاء) بهذه الكلمات المجهولات، ونجاح إبراهيم في الامتحان، كان مقدمة لاستحقاقه أن يجعله الله «لِلنّاسِ إِمامًا». ولم يبتعد عن الفهم الصحيح الذي تعنيه الآية لموقع الإمامة أولئك المفسرون الذين ذهبوا إلى أن الإمامة تمثل منزلة أعلى من منزلة الرسالة، كما إن الرسالة تمثل منزلة أعلى من النبوة، فعندما نجح إبراهيم في هذا الابتلاء والتمحيص الإلهي ليستحق أن ينال الوسام الإلهي أن يكون «لِلنّاسِ إِمامًا»، كان نبيا، ولم يكن مجرد نبي، بل كان نبيا رسولا، إذ كل رسول هو نبي، ولكن ليس كل نبي رسولا، على الأقل وفق فهم الإسلام، ثم لم يكن أي رسول من الرسل، بل كان من الخمسة أولي العزم من الرسل (نوح، إبراهيم، موسى، عيسى، محمد). ولكن يمكن أن يفهم ذلك إن ليس كل إمام هو أعلى منزلة من الرسل والأنبياء، كما يذهب بعض وليس كل الشيعة، إذ يمكن أن نفهم أن النبي أفضل من الإمام غير النبي، والرسول أفضل من النبي غير الرسول، لكن الرسول الإمام - وليس كل إمام - أفضل من الرسول غير الإمام. وهكذا جعل القرآن في الكثير من عمومياته ومتشابهاته المفسرين والفقهاء والمذاهب يختلفون وينأون عن بعضهم البعض مسافات تشريقا بعيدا وتغريبا بعيدا، بل وتشميلا وتجنيبا. إبراهيم لم يكتف بتسلم استحقاقه لنجاحه في هذا الاختبار الإلهي؛ تسنمه منزلة الإمامة للناس، بل سأل ربه سؤال طلب والتماس وتمنٍّ، ما إذا يمكن أن يشمل هذا التشريف - ويقال التكليف - الإلهي ذريته أيضا، ويقصد بالذات أولاده وأحفاده من الذكور، إذ لا إمامة للنساء، فيجيبه الله، بما يعني أن ذريته ليسوا سواء، فمنهم الصالحون، ومنهم الظالمون، ولذا قال الله إن عهده هذا المتمثل بالإمامة لا يشمل الظالمين من ذريته. فورث هذا العهد كما يبدو، حسب الرؤية الإسلامية إسحاق ابن إبراهيم من سارة ومن ثم ابن إسحاق يعقوب، وكذلك إسماعيل ابن جارية سارة هاجر، وحفيده كما يعتقد المسلمون - محمد. لا أحد يعلم حتى اليوم مَن مِن هذه الشخصيات التوراتية والإنجيلية والقرآنية حقيقية، ومن منها أسطورية وهمية خيالية. وحتى مع فرض إن بعضها قد وجدت حقيقة، لا أحد يدري مدى صحة القصص التي حيكت حولهم، مع اختلاف تفاصيلها بين الأديان، بل بين التفسيرات المختلفة داخل الدين الواحد.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. حتة من الجنة شلالات ونوافير وورد اجمل كادرات تصوير في معرض


.. 180-Al-Baqarah




.. 183-Al-Baqarah


.. 184-Al-Baqarah




.. 186-Al-Baqarah