الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الرواية والحكاية في -جبينة ... أكلها الغول، مأساة امرأة- خالد أبو عجمية

رائد الحواري

2022 / 5 / 13
الادب والفن


الرواية والحكاية في
"جبينة ... أكلها الغول، مأساة امرأة"
خالد أبو عجمية
من الجميل أن نرى حكاية شعبية بشكل روائي معاصر، فهذا يحتاج إلى قدرات استثنائية تجمع بين فنية الرواية والحفاظ على تقليدية الحكاية، ولسير بين هاذين الخطين يمثل السير على حافة الوادي، فيمكن لأي هفوة/خطوة أن توقع السائر في المنحدر، ولكي نبين ما جاء في "جبينة أكلها الغول" سنحاول التوقف قليلا عند بعض مفاصل الرواية.
العنوان يأخذنا إلى حكاية الفتاة جبينة التي تتعرض لظلم، وهذا يتوافق بين ما جاء في الحكاية والرواية، فكلتا "جبينة" تعرضتا للظلم من الأهل، والمجتمع، وانتهى الأمر بجبينة الرواية إلى القتل، فالسارد يقدم غالبية النساء على أنهن مضطهدات من أزواجهن وأهلهن ومجتمعهن، فالمجتمع الذكوري القاسي هو السيد، وما النساء إلا مجرد عبيد عليهن أن يخضعن للأسياد الذكور: "لقد تزوجت مريم كما أراد لها أهلها بعد طلاقها من جميل... تمنت الموت ألف مرة وهي تعيش مع هذا الزوج الذي جاء يبحث عن خادمة بعدما مل من علاقاته المتعددة مع الأجنبيات" ص12، ولم يقتصر الأمر على القبول بزوج مفروض عليها، بل طال أيضا ألمها كأم على ابنتها "جبينة" التي حرمت منها: "أبعدوني عن ابنتي بالغصب" ص13، ويضاف إلى كل هذا المعاملة الفضة التي تعرضت لها: "...زوجها الذي كان فظا غليظ القلب يقسو عليها بلا رحمة" ض13و14، هذا حال مريم أم جبينة.
أما هدى زوجة أبو حديد فرغم أنها تتميز بشيء من التمرد إلا أن حالها كمرأة في مجتمع ذكوري لم يختلف عن مريم وجبينة: "فطالما كان ليل هدى مليئا بالحزن والدموع، مع كل غرزة في ثوبها تتحسس ندبة في روحها التي شربت من الذل ما يكفي لكل الكون، يؤلمها اللطم، الذل، والضرب على جسدها، والكلام المهين الجارح، يجرحها عميقا جوعها" ص45، وهذا ا جعلها تتمرد بقولها: "لماذا تقبل النساء سطوة الرجال بذل واستسلام؟" ص46، لكن هذا الشعور والمعرفة بالظلم لم يكتمل لتتحرر من سطوة رجلها عليها.
أما بطلة الرواية "جبينة" والتي تعرضت لأكثر من اضطهاد وقمع، وانتهى بها الأمر لتقتل بطريقة عنيفة، على يد "أبي حديد"، من أشكال اضطهاد "جبينة" تهديدها بصورها وهي نصف عارية من قبل "خالد": "كانت تخشى من انتشار صورها" ص152، كما لاحقتها تهمة أمها بالزنا: "هذه الفتاة بنت حرام وزنى" ص158، وهذا ما جعلها تخضع وتقبل بالزواج من "محمد الأهبل" وتخض لأمه "أم حسن" التي تجبرت بها وعاملتها كجارية: "...وصارت عبدة بكل معنى الكلمة، تسير حياتها وفق أوامر أمحسن" ص163، ومن ثم تخضع لرغبات أبو حديد الذي حاول النيل منها، وعندما حاولت التمرد عليه قتلها: "..فطعنها بسكين كانت معه عشر طعنات" ص192.
المجتمع الذكوري
من هنا يمكننا القول أننا أمام رواية تتحدث عن اضطهاد النساء، وعن المجتمع الذكوري الذي يمارس ساديته على المرأة، حتى في ابسط الأشياء المتعلقة بها يرى نفسه سيدا عليها: "..الرجال الذين يرفضون بالمطلق (هدر كرامتهم ورجولتهم) !! في مساعدة الزوجة في شيء من الأعمال التي يرونها أعمال الزوجة" ص43، الذكور يرون المرأة كائن ضعيف/منحط، يحتاج إلى وصاية/قوة تحميه، "فجميل الرخو أبو جبينة" كان بنظر والده اقرب إلى النساء منه إلى الذكور: "...أنه سيجلب له العار، ويصفه بأنه بنت، ويريد أن يصبح رجلا، ويسميه جميلة، أراده أن يكون مثل بقية الأولاد، شرسا يخاصم الآخرين ويضربهم، ولا يعود إلى البيت مضروبا" ص56، هذه الصفات نجدها في سلوك كافية الذكور في الرواية، إذا ما استثنينا "فارس"، فكلها كانت شخصيات قاسية، متخلفة، تبطش بالمرأة وتعاملها بطريقة مذلة ومهينة.
الرواية والحكاية
العلاقة بين نص قصير، تقليدي، وبين نص عصري، حديث، يستخدم أكثر من شكل ولغة نجده من خلال تسمية الشخصيات، فالتسميات كان لها دلالة، "أبو حديد" القاسي على زوجته هدى، والخبيث تجاه "جبينة وأبو جميل الرخو" ونجد الضعف/التصغير/التقليل في اسم "جبينة"، والضعف في "جميل الرخو" وهذا ينسجم مع طبيعة الحكاية التي يأتي الاسم فيها مطابق لدوره في الحكاية، أما بقية الشخصيات "مريم، هدى، خالد، فارس، أم حسن، محمد، فيفان، أمل، ناجي صاحب الدكان" فهي جاءت ضمن سياق الرواية، وما اعطاء اسم "محمد" لشخصيتان في الرواية "محمد" ابن هدى ابن أبو حديد، و"محمد الأهبل" ابن أم حسن وزوج جبينة" ألا تأكيد على أن هناك خطين في الرواية، خط روائي عصري، وخط حكاية الشعبية.
ونجد نمط الحكاية في الرواية من خلال تهيئة المتلقي واشعاره بما سيكون حال الشخصية وبما سيأتي من أحداث، جاء في الرواية: " كان يقول عنها:
ـ بنت حرام، بنت زنى، الكلبة بتخلف كلبة.
ستدفع جبينة ثمن هذه الكلمات طول حياتها، في كل لحظة وكل دقيقة، في الحارة، في الشارع، في المدرسة، الوحيدة التي لم تحاسبها على ذلك هي أمل" ص99، إذا ما توقفنا عند هذا المقطع وما فيه من شكل واللغة وطريقة تقديم ومضمون لا يمكننا اعتماده ضمن النص الروائي، بل هو جزء سرد من حكاية، لما فيه من كشف وتبسيط شرح وكشف لما سيكون الحال في المستقبل.
ونجد كشف الأحداث اللاحقة في هذه الفقرة ايضا: "...وهذا كان من دواعي سرور جبينة التي ستدفع ثمنه لاحقا" ص 169، فتعمد السارد تكرار هذا الأمر في لرواية يأتي ضمن سياق المحافظة على الحكاية وليس على الرواية.
ونجد نمط الحكاية في تدخل السارد في حوار الشخصيات وتوضيح ما تريد قوله، الحوار الذي دار بين جميل وزجته أمل يبين نمط الحكاية:
"قالت: إذا بنتك ليش تقبل تزوجها لمحمد الهبيلة؟
كانت قاسية ومباشرة وضعته أمام نفسه بقوة
قال: نصيبها
قالت: النصيب سويته إنت وصاحبك. تقصد أبو حديد.
ـ البنت صغيرة، بدري على زواجها، بيجيها واحد غير محمد" ص162، نلاحظ أن هناك توضيح لطيعة القائل "قال، قالت" وأيضا تدخل السارد عندما قال تقصد أبو حديد" فمعروف للقارئ أنه المقصود بصابك، أبو حديد، لكن أراد السارد أن يبقي خط الحكاية ظاهر وواضح في الرواية، وهذا استدعى منه أن يأتي الحوار بهذه الشكل وهذا التوضيح المبسط.
اللغة المحكية والحكاية
يميل بعض البعض الروائيين لاستخدام اللغة المحكية في أعمالهم الروائية، حتى أن بعضهم جعلها تطغى على اللغة الفحصحى، كما هو الحال في رواية "النخلة والجيران" لغائب طعمة فورمان، ورواية "حنتش بنتش" لمحمود عيسى موسى، لكن في رواية "جبينة أكلها الغول" جاءت اللغة المحكية لتكون همزة الوصل بين الروائية والحكاية، بحيث لا يستطيع المتلقي تميز الجهة المعنية بها، هل هي الحكاية، أم الرواية، واعتقد أنه هذا ما مميز الرواية، فرغم وجود فواصل في شكل السرد تميز الحكاية عن الرواية إلا أن اللغة المحكة جمعت ما هو روائي مع ما هي حكاية.
"سمعت هدى بكاء ونهنهة في صوت ابنها الطفل، رمت جانبا قطعة الثوب التي تطرزها والتفت إليه... بسرعة خلعت عنه ملابسه وهدهدته في حضنها وهي تدور في أرجاء الغرفة مثل الرحى حول نفسها، لا تدري ماذا تفعل، قربته من ثديها لكنه لم يرضع شيئا، افتربت من الشباك وفتحته ليعبر إلى الطفل المحموم هواء الليل البارد، لكن الطفل بدا في نزعات الموت، جربت كل ما خبرته طوال ساعت، لكن لا فائدة، حدثت نفسها بصوت مرتفع" وينك هالحين؟ تعال شوف ابنك؟ يا ربي شو بدي أساوي" ص46، الجامع بين اللغة العالية في الفصحى وعاطفة الأم في المحكية/العامية هو الذي ربط ما هو روائي مع ما هو حكائي.
وهناك العديد من الشواهد الروائية على هذا الربط، لكن أفضل جامع كان في الفصل (15) والذي عنون ب"أبو الهريسة" وابتدأ ب: "هي يا أبو الهريسة وقف" ففي هذا الفصل اجتمعت لغة الرواية والحكاية بطريقة متقنعة ومتقنة، بحيث تم مزجهما بصورة محكمة وممتعة.
الرواية من منشرات دار الشروق للنشر والتوزيع، رام الله، المصون، الطبعة الأولى 2022.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. نبيلة عبيد وسمية الخشاب ونخبة من الفنانين والشخصيات العامة ف


.. أول لقاء مع عبد الله ضحية حادث الفنان مصطفى هريدى يكشف التفا


.. كلمة أخيرة --عندنا مشكلة في الوعي والثقافة-.. أميرة العادلي




.. ا?سعاد يونس وشريف منير ا?برز الحضور في عزاء الفنان الراحل سم


.. الفريق ا?حمد شفيق يو?دي واجب العزاء في الفنان سمير صبري