الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


إسرائيل والتعامل مع نتائج التحقيقات في اغتيال شيرين أبو عاقلة

عصمت منصور

2022 / 5 / 30
الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية


جاءت نتائج ثلاثة تحقيقات منفصلة وغير متزامنة، أجرتها كل من شبكة CNN الأميركية الذائعة الصيت، ووكالة الانباء الدولية أسوشيتد برس، بالإضافة الى التحقيق الذي أجرته النيابة العامة الفلسطينية وأعلن عنها في مؤتمر صحفي عقب تسليم نسخة من نتائجه، للرئيس الفلسطيني محمود عباس(ابو مازن) مساء الخميس 26 أيار / مايو 2022، لتؤكد أن مقتل الصحفية في قناة الجزيرة شيرين ابو عاقلة، تم بسبب رصاصة إسرائيلية أطلقها قناص من جيش الاحتلال الإسرائيلي "بشكل موجه ومقصود".
وكالة أسوشيتد برس قالت أن تحقيقها الذي أجرته خلص إلى "أن الرصاصة التي قتلت الصحفية شيرين أبو عاقلة خرجت من بندقية إسرائيلية"، مستندة بذلك الى "تأكيدات السلطة الفلسطينية وشهود العيان" وأن لديها معطيات تؤكد "مسؤولية قوات الاحتلال عن الجريمة"، كما ذكرت الوكالة عينها أن "مقابلاتها مع خمسة شهود عيان جاءت بنتائج تتوافق مع ما توصلت إليه مجموعة (Bellingcat)، وهي مجموعة للصحافة الاستقصائية مقرها هولندا، بشأن موقع القوات الإسرائيلية وقربها من شيرين أبو عاقلة، الأمر الذي يؤكد أن استهداف جنود الاحتلال لها هو الاحتمال المرجح".
النقطة الأخرى التي تعزز فرضية مقتل شيرين أبو عاقلة بواسطة النيران الإسرائيلية، هي تأكيد التحقيق على أن "الوجود الوحيد المؤكد لمسلحين فلسطينيين كان على الجانب الآخر من القوات الإسرائيلية، وعلى بعد نحو 300 متر، وتفصلهم عن شيرين مبانٍ وجدران".
بدورها خلصت شبكة CNN الأمريكية في تحقيقها الى أن شيرين ابو عاقلة "استهدفت من قبل قوات الجيش الإسرائيلي".
تعود الشبكة الأمريكية لتؤكد أن التحقيق الذي أجرته "يقدم أدلة جديدة، بما في ذلك مقطع فيديو لمسرح إطلاق النار، ويؤكد أنه لم يكن هناك أي مسلحين فلسطينيين قرب أبو عاقلة في اللحظات التي سبقت وفاتها، ولم يقع أي تبادل لإطلاق النار"، وهي قضية حاسمة في نفي الرواية الإسرائيلية التي وضعت احتمالين وإمكانيتين لتفسير سبب استشهاد ابو عاقلة، وهذا بعد مشاهدة "مقاطع الفيديو (مجموعها 11 مقطع فيديو) التي حصلت عليها الشبكة والمدعومة بشهادة ثمانية شهود عيان ومحلل صوتي وخبير أسلحة متفجرة.
أما التحقيقات التي أجرتها النيابة العامة الفلسطينية، وأعلن عن نتائجها النائب العام أكرم الخطيب في مؤتمره الصحفي فقد جزمت "أن أحد عناصر القوات الإسرائيلية أطلق عيارا ناريا أصاب شيرين، بشكل مباشر في الرأس، أثناء محاولتها الهرب، ما أدى إلى تهتك الدماغ جراء الإصابة بالمقذوف الناري، وهو مقذوف من عيار 5.56 ملم، وله علامة وخصائص تطابق سلاح "ميني فورتي روجر"، وهو سلاح نصف ناري قناص" موضحا "أن مصدر إطلاق النار بشكل مباشر هو من الناحية الجنوبية، مكان تمركز القوات الإسرائيلية وفي نقطة ثابتة، لافتا إلى أنه لم تكن هناك أية مواجهات مسلحة أو اشتباكات في مكان الحدث".
تطابق نتائج التحقيقات الثلاثة لا يدع مجالا للشك أن الشهيدة شيرين ابو عاقلة قتلت برصاصة إسرائيلية، وهو ما يستدعي اعترافا إسرائيليا بالجريمة، وإبداء الاستعداد للتعاون مع المنظومات القضائية المحلية والدولية من أجل الوصول إلى القاتل والجهات المسؤولة عنه، وفتح المجال واسعا وتذليل العقبات أمام العدالة لتأخذ مجراها في المحاسبة.
تضليل .. إنكار.. تشكيك
كشف الصحفي في جريدة هآرتس عاموس هرئيل في التاسع عشر من أيار 2022 أنه وعلى الرغم من كل الدعوات التي تطلقها اسرائيل لإجراء تحقيق مشترك، أو قيام السلطة الفلسطينية بتسليم الطلقة التي استقرت في رأس الصحفية شيرين ابو عاقلة وأدت إلى مقتلها، إلى اسرائيل للتأكد من مصدرها ومطابقتها مع نوع السلاح الذي اطلقت منه، أن الجيش الاسرائيلي لن يفتح تحقيقا داخليا في قضية استشهاد الصحفية أبو عاقلة، موضحا أن السبب وراء ذلك يكمن في "عدم وجود شبهة جنائية" تستدعي التحقيق، وأورد هرئيل سببا آخر هو الخشية من أن " يؤدي التحقيق مع الجنود الى إثارة انتقادات ونشوب خلافات داخل الجيش والمجتمع الاسرائيلي".
هذا الكشف في هآرتس جاء بعد أقل من عشرة أيام على مقتل شيرين، وقبل بضعة أيام من الكشف عن تحقيقات وكالة الأسوشيتد برس وشبكة CNN الأمريكية، وإعلان نتائج التحقيق التي أجراها النائب العام الفلسطيني، لتنهي مرحلة التضليل ومحاولات التعمية وكسب الوقت، التي انتهجتها اسرائيل من خلال الإصرار على الاشتراك في التحقيق واعتباره المدخل الوحيد لحسم مصدر إطلاق النار، والترويج لرواية مفادها أن اشتباكا وقع في مكان الجريمة.
ما بعد إعلان نتائج التحقيقات الثلاثة بدأت عمليات الإنكار والتشكيك، ومحاولات الطعن إما في الجهة التي أجرت التحقيق، أو في الوثائق والشهادات والأدوات التي استخدمتها للوصول الى ما وصلت اليه.
رد الفعل الاسرائيلي الأولي جاء على لسان رئيس الدولة الاسرائيلي يتسحاك هرتسوج الذي اعتبر في كلمته التي القاها في مؤتمر دافوس في 52-5-2022 "أنها نتائج كاذبة" داعيا الى عدم البناء على "حقائق كاذبة".
ما بدأ به رئيس الدولة، استكملته وسائل الاعلام الاسرائيلية المختلفة، وتبعه رئيس الأركان أفيف كوخافي ووزير الأمن بيني غانتس، والناطق باسم جيش الاحتلال في بيانات وتصريحات نشرت تباعا بعد تحقيق شبكة CNN ومؤتمر النائب العام الفلسطيني الصحفي، حيث اعتبر الناطق باسم الجيش في بيان له نقله موقع واي نت في 25 أيار أن التحقيق الذي أجرته شبكة CNN "لا أساس له من الصحة"، ودعا، أسوة برئيس الدولة "السلطة الفلسطينية الى تسليم الطلقة وإجراء تحقيق مشترك"، مدعيا أنه لا توجد إمكانية للوصول إلى نتائج حاسمة حول مصدر إطلاق النار من دون استكمال التحقيق" وبمشاركة الطرف الإسرائيلي.
موقع واي نت التابع لصحيفة يديعوت أحرونوت، نقل أيضا عن الناطق باسم الجيش، السياق الذي قتلت فيه الصحفية، وهو سياق تكرر لدى رئيس الأركان ووزير الامن ورئيس الدولة، وهو لا يهدف الى الاستعطاف، وتبرير اجتياح المخيم بشكل متكرر، بل يرمي فوق ذلك الى تعويم الجريمة وتعزيز الشكوك حول النتائج التي خلصت اليها الجهات التي أجرت تحقيقات منفصلة حولها.
واللافت أنه في كل الروايات والتقارير هناك إصرار على الحديث عن " مقتل 11 مواطنا إسرائيليا في سلسلة عمليات وقعت في الأسابيع الأخيرة، وكان مصدرها مسلحون فلسطينيون من منطقة جنين" وفق ما نشرته واي نت وعادت وكررته سائر المواقع الإسرائيلية.
هذا الإصرار على الربط بين مقتل الصحفية شيرين ابو عاقلة والعمليات التي وقعت قبلها بأسابيع، كما الحديث عن اشتباكات دارت في المكان ووجود مسلحين فلسطينيين، إنما يراد له أن يحول الجريمة الى حادث عرضي (في اسوأ الحالات) في حال اضطرت إسرائيل لسبب أو لآخر، إلى الإقرار أو التسليم أن القتل تم على يد أحد جنودها، وجعل عملية القتل، حدثا مأساويا يتوازى مع أحداث اخرى عاشتها اسرائيل، ولا ذنب لها فيها سوى انها (تضطر) للقتل لمنع عمليات مستقبلية.
موقع واي نت، وعلى الرغم من أنه لم ينفرد في نشر بيان الناطق باسم الجيش، إلا أنه ذهب أبعد من ذلك من خلال عدم الاكتفاء بالتشكيك بالمصادر التي استندت اليها التحقيقات، وخاصة شهادة الصحفية شذا حنايشة، زميلة شيرين أبو عاقلة ومرافقتها في المهمة والتي كانت إلى جوارها عندما تم استهدافها، من خلال تشديد "مصادر اسرائيلية" على أنها "تمارس دورا تحريضيا، وبشكل متكرر عبر حساباتها الشخصية" على وسائل التواصل الاجتماعي.
نشر الموقع لمنشور مترجم باللغتين الانجليزية والعربية للصحفية شذا وإرفاقه في تقريرها حول تحقيق شبكة CNN والتشديد على انها تسكن في مخيم جنين، يهدف الى الطعن في شهادتها ومصداقيتها واعتبارها مصدرا غير محايد ولا يمكن الوثوق فيه.
مسلسل التشكيك في التحقيقات لم يعتمد فقط على الطعن في الشهادات والمصادر، بل ألمح كما فعلت صحيفة معاريف في ذات التاريخ، إلى أن هناك جوانب لم يتم التحقق منها واعتراها النقص، من خلال الإشارة إلى وجود المسلحين ونشر صورة رئيسية لمسلح فلسطيني وهو يطلق النار.
معاريف لم تنشر تفاصيل الصورة ومكانها الدقيق، كما أن واي نت لم تشر إلى تاريخ منشور شذا "التحريضي" او مناسبة نشره.
المواقع الأكثر يمينية مثل صحيفة "اسرائيل هيوم" ومواقع أخرى لم تتطرق الى نتائج التحقيق في عنوانها الرئيسي، بل اكتفت بنفي الجيش كعنوان، واجترار الفرضية الاساسية بصيغ مختلفة وفحواها " أن الجيش لا ينفي إمكانية أن تكون شيرين أبو عاقلة قد قتلت برصاص أحد جنوده (بالخطأ)، ألا ان التأكُّد هذا من هذه الفرضية يحتاج إلى تعاون من الطرف الفلسطيني.

حماية الجنود ام السردية؟
يحيلنا تقرير هرئيل في هآرتس حول عدم نية الجيش في اسرائيل التحقيق في قضية مقتل الصحفية شيرين أبو عاقلة، إلى فرضيتين هما " الخشية من المجتمع والخلافات داخل الجيش" عند مشاهدة الجنود وهم يساقون الى التحقيق بسبب (أحداث تقع نتيجة أوامر إطلاق نار، ومهمات كلفهم بها قادتهم في ساحات قتال معقدة) وهو ما سيعيد الى الأذهان الجدل الكبير في الإعلام وبين السياسيين وقادة الجيش في اعقاب محاكمة الجندي اليؤور ازاريا، الذي وثقت كاميرات الفيديو قيامه بقتل بجريح فلسطيني ملقى أرضا وبدون حراك، بعد أن تم اعتقاله ولم يكن يشكل أي خطر (عز الدين الشريف) في مدينة الخليل، وهو ما بات يعرف "بقضية ازاريا" والتي بات الجنود يتذرعون بها ويعتبرونها سببا في تراجع روحهم القتالية وخشيتهم من المحاكمة، واتخذها قادة اليمين والمستوطنين أداة لمهاجمة الحكومة وعدم إطلاق يد الجنود، وهي قضية تعاد إثارتها كل مرة من جديد كما حدث عند مقتل القناص الاسرائيلي على الحدود مع غزة العام الماضي، حيث اتهمت عائلته الجيش وقادته بتكبيل يد الجنود في مواجهة المقاتلين الفلسطينيين .
تحليل هرئيل يغفل الشق الآخر من المعادلة، وهو تحول قضية اغتيال الصحفية شيرين ابو عاقلة إلى قضية دولية، حازت على اهتمام دولي غير مسبوق ونالت تغطية عالمية نادرة، وتجمعت فيها كل العناصر التي تجعل الرواية الحقيقية تتفوق وتظهر بشكل أقوى وأكثر مصداقية من رواية الجيش ودولة اسرائيل التي لا تستطيع ان تتهمها بالتطرف او ممارسة التحريض، بسبب عراقة تاريخها في العمل الصحفي وسمعتها الدولية ووسيلة الإعلام التي تعمل بها ومهنيتها، كما أن وجودها هناك يعد من صلب عملها ووظيفتها كصحفية تنقل الأحداث من مكان وقوعها، وكذلك اتخاذها التدابير السلامة والأمان المعروفة مثل ارتداء السترة الواقية المميزة للصحفيين بلونها الأزرق وعليها علامة الصحافة، والخوذة الواقية، وكذلك حملها للجنسية الامريكية وديانتها المسيحية وكونها من مدينة القدس وحتى مظهرها الخارجي، وهي عوامل ساعدت في انتشار قضية شيرين عالميا وسحب كل الذرائع التي كانت اسرائيل تبرر فيها جرائمها، وجعلت روايتها مهددة بالسقوط.
هذه العوامل إلى جانب مأساوية الجريمة والصور التي صدمت العالم، لمشهد الصحفية وهي منكفئة على وجهها بزيها الصحفي والكاميرا ملقاة على الأرض تحت زخات الرصاص، حول قضية مقتلها على مدخل مخيم غفير ومحاصر للاجئين، إلى رواية تعزز السردية والمظلومية الفلسطينية في مواجهة الرواية والسردية الاسرائيلية، التي ظهرت بشكل القوة الغاشمة التي لا تميز بين الصحفي والمقاتل، ولا تتورع عن قتل المدنيين.
تحول جريمة الاغتيال (وفق ما خلصت اليه التحقيقات المذكورة) الى رواية، وسردية، يصعب على دولة اسرائيل التسليم بها، ويزيد من الخشية بأن التسليم بها سيعني التسليم بانهيار مصداقيتهم أمام حلفائهم والرأي العام الدولي، وبالتالي انهيار روايتهم على المدى البعيد.
لعل ذلك هو ما يفسر كل هذا الإصرار على رفض نتائج التحقيقات التي أجريت بشفافية ومن جهات تتمتع بمصداقية عالمية وغير معروفة بتحيزها للفلسطينيين، وكذلك الإصرار على وضع كل القضية في سياق (الحرب على الإرهاب والدفاع عن النفس) والأهم من ذلك تكرار المطلب بالاشتراك في التحقيق على اعتبار أن هذه الجزئية هي وحدها القادرة على إخراج إسرائيل كدولة وجيشها كمنظومة من دائرة الاتهام وتقزيم القضية على أنها حدث عرضي قد يكون ناتجا عن خطأ بشري لجندي فرد، اقترفه في ظرف صعب وبدون قصد.
تجمعت عوامل كثيرة في هذه الجريمة كي تتحول إلى التحدي الأصعب أمام إسرائيل ومنظومتها الأمنية والقضائية، وهذا ربما يفسر حجم التخبط وتعدد الروايات في بداية القضية، وانعدام الصوت النقدي والدور الجدي للصحافة الاسرائيلية في التقصي والبحث عن أجوبة بعيدا عن الروايات الرسمية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. حزب العمال البريطاني يخسر 20% من الأصوات بسبب تأييده للحرب ا


.. العالم الليلة | انتصار غير متوقع لحزب العمال في الانتخابات ا




.. Mohamed Nabil Benabdallah, invité de -Le Debrief- | 4 mai 2


.. Human Rights - To Your Left: Palestine | عن حقوق الإنسان - ع




.. لمحات من نضالات الطبقة العاملة مع امين عام اتحاد نقابات العم