الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تاريخ روسيا – 05 فلاديمير، شمس كييف الجميلة

محمد زكريا توفيق

2022 / 6 / 3
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


الفصل السادس.

فلاديمير، شمس كييف الجميلة.

"المضيف الناري"، ابن سفياتوسلاف الأول، غادر كييف، لكي يهاجم شقيقه أوليج، أمير "شعب الغابة"، ويقتله. ففر أخوه غير الشقيق، فلاديمير، أمير نوفجورود، إلى ما وراء البحر.

ثم غزا "المضيف الناري" قبائل البيتشينيج، وأصبح سيدا لكل روسيا. لكن أخيه الأصغر، فلاديمير، جاء من النرويج، ومع فرقة من المحاربين، مسلحة جيدا، وأرسل إليه كلمة:

"فلاديمير قادم إليك. استعد للدفاع عن نفسك". ثم قام باسترداد نوفجورود.

كان "المضيف الناري" متزوجا من روجندا، الابنة الجميلة ل روجفولود، أمير بولوتسك. سمع فلاديمير عن جمالها، وأراد بالفوز بيدها.

أرسل لها كلمة:

" أنا أرغب في الزواج منك. لكن الأميرة، التي كانت تعلم أن والدة فلاديمير كانت جارية، أجابت:

"لن أتزوج أبدا من ابن جارية".

غضب فلاديمير من هذه الإهانة البالغة. فجمع جيشا عظيما. وهاجم بولوتسك، وقتل أميرها وابنيه، وأجبر الأميرة المتعالية والفخورة بنفسها على الزواج منه.

وبدون إضاعة للوقت، سار متوجها إلى كييف. استمع شقيقه إلى نصائح الخائن بلود، وهرب بجلده. بعد فترة وجيزة تم إعدامه من قبل فلاديمير.

بذلك، أصبح النورمان يحكمون بدورهم على كل روسيا. وقد رافقت هذه الحروب الأهلية الدموية، علامات غضب من الشمس والقمر والنجوم والعواصف الرعدية والأعاصير، خربت الحقول والبيوت.

فلاديمير، بدون منافسين، خرج ضد البولنديين والعديد من القبائل الشرسة الأخرى، وأجبرهم على دفع الجزية. وعندما عاد إلى كييف، قدم الضحايا للآلهة على تلة الإله بيرون. وعندما جاء الدور على ابن نورمان مسيحي لكي يكون الضحية، قال الأب موجها كلامه إلى فلاديمير:

" آلهتك ليست آلهة، ولكن فقط عصي خشب، سرعان ما يهلكون. لأنهم لا يستطيعون أن يأكلوا أو يشربوا أو يتكلموا. لكنهم مخلوقون بيد الإنسان. لا يوجد سوى إله واحد وهو الذي يعشقه البيزنطيون،
هو الذي صنع الكون والإنسان. ولكن ما الذي فعلته آلهتك؟ لن أعطي ابني للشيطان".

غضب رجال كييف من هذا الخطاب، وقاموا بتدمير منزل المسيحي وقتلوه هو وابنه. هؤلاء كانوا أول شهداء مسيحيين في روسيا، و
تم بناء كنيسة "والدة الإله المقدسة"، بعد ذلك في مكان موقع منزلهما المدمر.

بعد ذلك بوقت قصير، غزا فلاديمير البلغار، وعقد معهم معاهدة سلام دائم. ثم أرسل البلغار مبشريهم إليه، لكنه لم يستجب لدعوتهم، لأنه كان غير راغب في التخلي عن لحم الخنزير والنبيذ.

ثم جاء المبشرون الكاثوليك من ألمانيا، لكنه أعادهم قائلا: " آباؤنا لم يؤمنوا بهذا الدين". كما حاول اليهود أيضا تحويله، لكن الأمير قال لهم:

" ماذا؟ ترغبون في هداية الآخرين، أنتم يا من عاقبكم وفرقكم إلهكم بسبب خطاياكم؟ إذا كان صحيح أن الله أحبكم وأحب أرضكم، لما سمح لكم بالتشتت في بقاع الأرض. فهل تريدوننا أن نكابد نفس المصير"

أخيرا أرسل الإغريق فيلسوفا، علم الأمير تاريخ العالم منذ بدء الخليقة، وأخبره عن العالم في المستقبل. تحير فلاديمير، ولم يكن يعرف ماذا يفعل. بناء على نصيحة من شيوخه، أرسل مجموعة من الحكماء للبحث عن أفضل دين بين الثلاثة، وعادوا بتقريرهم:

"زرنا البلغار ومعابدهم لأول مرة، ورأينا عباداتهم وكيف يتصرفون مثل المجانين. لذلك، دينهم ليس جيدا. ثم ذهبنا إلى الألمان ورأينا
كنائسهم وطريقة صلاتهم. لكننا لم نجد زخرفة ولا جمال. وأخيرا ذهبنا للقسطنطينية وديانها المسيحية الأرثوذكسية، ورأينا معابدهم وكيف يصلون، وبدا كما لو كنا في الجنة. على هذه الأرض، من الصعب العثور على مثل هذه الروعة"

أخبروا الأمير بمجد القديسة صوفيا، والشموع الكثيرة، وغيوم البخور، والترانيم المقدسة، والكهنة الذين يرتدون ملابس زاهية رائعة، وكيف رأوا شابات جميلات بأجنحة، ينزلون في أردية لامعة، يغنون: "قدوس، قدوس، قدوس". ثم قال الشيوخ:

"إذا لم تكن الديانة المسيحية الأرثوذكسية، التي فضلتها جدتك أولغا، الأكثر حكمة في البشر، هي الأفضل، لما اتخذتها دينا لها"

حينئذ، قرر فلاديمير أو يتحول إلى الأرثوذكسية، لكنه لم يستجدي المعمودية. لأنه سيغزوها بقوة السلاح. في العام التالي، دخل كورسون، آخر مدينة جنوب روسيا، والتي كانت خاضعة للبيزنطيين.

دخلها منتصرا، ثم أرسل رسالة فخر إلى الأباطرة، باسيل وقسطنطين، يطلب يد أختهم آنا، وإلا يصبح مصير القسطنطينية، يشبه مصير كورسون.

مدفوعين باليأس بسبب الثورات الداخلية، وافق البيزنطيون على مضض، بشرط أن يعتنق الأمير المسيحية. الأميرة، بالرغم من دموعها واحتجاجاتها، تم إرسالها بالسفينة إلى البربري الماكر، الذي كان لديه بالفعل العديد من الزوجات، مثل الملك سليمان.

بمجرد أن تم تعميد فلاديمير، شفي بأعجوبة من التهاب العينين، وكان متزوجا من آنا، وريثة أباطرة بيزنطة. عندما عاد إلى كييف، مع الكهنة الأسرى، وزخارفهم وآثارهم المقدسة، أعلن عبر الشوارع:

" كل من كان غنيا أو فقيرا، عاملا أو متسولا، لا يأتي إلى ضفاف النهر، يعامل كمتمرد"

قال سكان المدينة فيما بينهم:

"لو لم تكن المسيحية شيئا جيدا، لما أيدها أميرنا وشيوخنا"

لذلك جاءوا جميعا إلى دنيبر، وقام فلاديمير بتحطيم أصنام آلهتهم أمامهم. الإله بيرون، ذو اللحية الذهبية، ربط تمثاله بذيل حصان، وقام بجلده عشرات الرجال.

عندما ألقوا التمثال في النهر، دفعه التيار إلى الشاطئ. فهرع الناس جميعا لعبادة إلههم القديم. لكن جنود الأمير ألقوا به مرة أخرى في الماء.

وإذا بجميع الناس في كييف، رجال ونساء، سادة وعبيد، كبار وصغار، يلقون بأنفسهم في الماء ويسبحون حول تمثال إلههم القديم. بينما كان الكهنة المسيحيون، يقفون على الشاطئ مع فلاديمير والأميرة، يتلون الترانيم الكنسية.

أرسل فلاديمير إلى كل مدينة وكل قرية في جميع أنحاء بلاده، من يعلمهم الدين الجديد ويجبرهم على الدخول فيه. إلا أن هذا لم يحدث دون معارضة.

في نوفجورود، سبح تمثال الإله بيرون ضد التيار، وسمع صوته يحث الناس على التمسك بالدين الحق، دين أجدادهم. كما أن أعمال الشغب، اندلعت في كل أنحاء البلاد. أما الديانة المسيحية الأرثوذكسية، فقد كانت تمارس في الكنائس الجديدة.

إلا أن الديانة القديمة، كانت تمارس سرا في أعماق الغابات، ولا تزال ترتفع أعمدة الدخان، عند تقديم القرابين والتضحية بالبشر إلى الإلهين، بيرون وفولوس.

الفلاحون ما زالوا يحتفلون بزواجهم حول مكنسة الساحرة. في كل قرية، كانوا يلجؤون إليها، للتنبؤ بالمستقبل، وحتى لا يحدث فراق بين الزوجين. وكانوا يعتقدون بأن لديها القدرة على طرد الأرواح الشريرة والحمى. ولها القدرة على جلب الأمطار الغزيرة، أو الجفاف الرهيب، والقدرة على إثارة العواصف.

لم يعد فلاديمير، "شمس كييف الجميلة"، يهتم بالحرب، ولكن
شغل نفسه بإنشاء المدن، وبناء المدارس، لتعليم الأطفال القراءة والكتابة، وتزيين الكنائس. وأصبحا لطيفا جدا، لدرجة أن قطاع الطرق بدأوا في الاستفادة من هذه الأوضاع.

أخيرا، جاء إليه الأساقفة وقالوا له:

"اللصوص وقطاع الطرق، يزدادون بشكل مرعب. لماذا لا تقم بمعاقبتهم؟"، فكان رد الأمير: "أخشى أن أخطئ".

" الله وضعك هنا لكي تؤدب الأشرار، وتكافئ الأبرار"، قال الأساقفة،
وسرعان ما قام فلاديمير بتأديب اللصوص، وجعلهم عبرة لغيرهم.

ثم أرسل أمير البيتشينيج، تحديا ل فلاديمير قائلا: " إذا تغلب بطل من عندكم، على بطل من عندنا، يكون سلام بيننا لمدة ثلاث سنوات. لكن، إذا فاز بطلنا، فتكون حرب بيننا لا ترحم"

بحث فلاديمير بين رعاياه عن ديفيد، يصلح لقتال جالوت العدو. أخيرا جاء رجل عجوز، يعمل اسكافيا. قال إن لديه ابنا شاب في المنزل، لا يضاهيه أحد في رمي الشهاب"

تم استدعاء الشاب. ولكي يثبت مهارته، أحضروا له ثورا هائجا. فقام بقتله بسهامه. بعد ذلك، رتب الأمر لصراع البطلين. كان العملاق فظيع المنظر، لكن أمسك به ابن الاسكافي، وخنقه بيديه. ففر البيتشينيج، وهم في فزع، وكان فلاديمير ورجاله في أعقابهم.

بعد ذلك، بينما كان الأمير في نوفجورود، مع زهرة جيشه، حاصر البيتشينيج مدينته المفضلة، المدينة البيضاء، وساقوا السكان إلى حافة المجاعة.

وعندما وجد البيتشينيج أن الأرض المحاصرة تنتج لهم الوفرة من الطعام والشراب، علموا أن الحصار عديم الفائدة. لذلك، غادروا في سلام.

القصائد الملحمية الروسية، مليئة بمثل هذه الأعمال الرائعة عن فلاديمير، الذي يبدو أنه قد حل محل آلهتهم التي قام هو بتدميرها.
فرجاله الأقوياء، قد قاتلوا وقتلوا الوحش المجنح. وهناك العندليب، الذي يزن عشه أكثر من وزن سبع أشجار، وثعبان الجبل، والقرش العملاق، والأربعون حرامي، والعذارى بصقورهن.

أصبح أسطورة، مثل الملك آرثر وفرسان دائرته المستديرة. وعندما يشكو فرسانه من أنهم يأكلون في أوعية خشبية، يعطيهم كؤوسا من الفضة مزينة بالذهب، قائلا:

" لا أستطيع كل يوم الحصول الذهب والفضة، ولكن مع كسب الأصدقاء، يمكنني الفوز بكليهما، كما فعل والدي وجدي من قبلي"

كل أسبوع كان يقيم ولائم رائعة، يوزع فيها الهدايا ولحم الثيران والخبز والشراب على الفقراء، وأتباعه، مما يثبت بأنه كان فعلا، "شمس كيف الجميلة".

وللحديث بقية، فإلى اللقاء.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هل سيشارك العاهل المغربي في القمة العربية في الجزائر؟ | المس


.. ما هي التبعات البيئية لتسرب الغاز في بحر البلطيق؟


.. تصعيد جديد.. عملية عسكرية إسرائيلية في جنين، ما التفاصيل؟




.. بعد 13 عاما.. بدء محاكمة المتهمين في -أحداث 28 سبتمبر- في غي


.. دول غربية عدة تؤكد عدم اعترافها باستفتاءات ضمّ مناطق أوكراني