الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تاريخ روسيا – 07 شجار عائلي بين الأمراء

محمد زكريا توفيق

2022 / 6 / 9
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


الفصل الثامن.

مشاجرات عائلية بين الأمراء.

كثرة الكنائس والأديرة، في كييف في زمن ياروسلاف، تظهر مدى سرعة تغير روسيا من الوثنية إلى المسيحية. لكن كون دينها قد جاء من القسطنطينية، وليس من روما، كان له تأثير عظيم على تاريخها.

الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، الراسخة وراء سلطتها المدنية والدينية، والمفروشة ببركات السماء والأرض، والمسلحة بصاعقة التكفير، وأعداد الملوك والأباطرة أتباعها المتواضعين، استطاعت مساعدة الإسبان في صراعهم مع المغاربة، وقامت بقيادة الحروب الصليبية ضد الأتراك الفاسقين. بعكس روسيا، التي تُركت للتعامل وحدها مع الجحافل البربرية في آسيا.

أمراء العقيدة الرومانية الكاثوليكية، كانوا يعتمدون على البابا في تتويجهم. الطبقات العليا من المجتمع الأوروبي، تميزت بشكل حاد عن الطبقات الأدنى، بمعرفتهم بلغة الكنيسة الكاثوليكية، وهي اللغة اللاتينية. لكن في روسيا، كانت الكنيسة مستقلة عن السلطة المدنية، وكانت خدماتها تتم بلغة معروفة أيضا للفلاح ولكبير الأمراء.

أعطت المسيحية الأرثوذكسية، الأمراء الروس فكرة عن السلطة الملكية، التي وصلت أخيرا إلى تطورها الكامل في قياصرة موسكو. لم يكن أمراء كييف، بأي حال من الأحوال، ملوكا بالمعنى الحديث للكلمة، ولكن كانوا رؤساء قبائل قوية، يمكنهم في أي وقت، ترك رعاياهم والخدمة في أي مكان آخر.

لكن جاء كهنة القسطنطينية بنظام رئاسي جديد، الإمبراطور. "وريث أغسطس وقسطنطين الأكبر، ونائب الله على الأرض. الحاكم النموذجي. الذي كانت تراقبه، عيون البرابرة اليقظة في بلاد الغال، وبلاد سكيثيا شمال فارس."

منصبه، ليس ميراثا يمكن تقسيمه بين الأبناء. ولكنن يسلم بالكامل من الإمبراطور، إلى خليفته. سلطته ليست مستمدة من الشعب فحسب، بل من الله نفسه. وكانت ملابسه وزخارفه وزينته، مثل شخصه، ذات طابع مقدس.

إن جاء الملوك البربريون إلى القسطنطينية وتوسلوا للحصول على أحد تيجانه المرصعة بالجواهر، أو ردائه الأرجواني، أو صولجانه، أو ملابسه المطرزة بالذهب، كان جوابهم أنه عندما أعطى الله الإمبراطورية لقسطنطين، أرسل هذه الأثواب تحملها الملائكة.

إنها ليست من عمل الإنسان، وهي توضع على المذبح، ويرتديها الإمبراطور نفسه فقط في المناسبات الرسمية، وإن "ليو"، من الخزر، قد أصيب بقرحة المعدة، لأنه تجرأ ولبس التاج دون إذن من البطريرك"

إن كانت الأخلاق والحضارة المسيحية قد جلبت الكثير من المزايا، إلا أنها لم تجلب السلام والاستقرار. فلمدة 170 عام، منذ وفاة ياروسلاف إلى وقت غزو التتار، كانت هناك سلسلة لا تنتهي من الحروب المحلية والأجنبية.

خلال هذا الوقت، قامت وسقطت 64 ولاية أو مدينة في روسيا. 293 أميرا، قد تنازعوا على حكم كييف. وقامت 83 حرب أهلية، دمرت البلاد، وعدد لا يحصى من الحملات ضد البرابرة.

كما أن خراب إمبراطورية الخزر المتحضرة، كسر الحواجز ضد قبائل البيتشينيج. إلا أن هزيمتهم على يد ياروسلاف، قد فتحت الطريق أمام الكومان، الذين غزوا روسيا وحدهم، 46 مرة خلال هذه السنوات العصيبة.

كان يبدو أن نهاية العالم على وشك الحدوث. فكانت الكوارث الرهيبة في كل مكان. الحرائق والزلازل والكسوف والمذنبات والمجاعات،
والجراد. وكما تقول الوثائق:

" كانت المدن مهجورة. ترى القرى في كل البلاد مشتعلة فيها النار. الكنائس، المنازل، الأكواخ، كلها قد تحولت إلى أكوام رماد، المواطنون البائسون، إما كانوا يموتون جوعا، أو بسبب جلدهم بسياط أعدائهم، أو ينتظرون الموت برعب شديد. المساجين، كانوا عراة حفاة، يتم جرهم والسلاسل في أرجلهم، إلى أراضي المتوحشين البعيدة. وكانوا يقولون لبعضهم وهم يبكون عندما يلتقون:

"أنا من هذه القرية الروسية، أو أنا من هذه المدينة. على أراضينا وسهولنا، لم نعد نرى الماشية أو الخيول. الحقول باتت مليئة بالأعشاب الضارة. الوحوش البرية، سكنت في الأماكن التي كان يسكنها الناس الطيبون".

اليونان وسويسرا، بسبب جبالهما ووديانهما، أمكن تقسيمهما إلى ممالك وإمارات صغيرة. لكن روسيا، تتكون من سهل شاسع واحد. به تلال، لا يزيد ارتفاعها عن 360 متر، فوق مستوى سطح البحر. تعبرها
الأنهار العظيمة، كطرق مواصلات تجعل الاتصال بين أجزائها سهل. كل هذا، جعلها مؤهلة، لكي تكون إمبراطورية واحدة موحدة.

السبب في أن هذه الإمبراطورية لم تتكون في بادئ الأمر، هو عادة الأمراء الحكام تقسيم بلادهم بين جميع أبنائهم. خلال قرنين من المشاجرات العائلية، التي تلت وفاة ياروسلاف، كانت كييف، أم المدن الروسية، لا تزال هدفا لطموح جميع أحفاد "روريك".

كان أمير كييف، هو الأمير الأكبر، أو كبير الأمراء. ووفقا للثقافة الشرقية والأبوية، أكبر أفراد الأسرة، سواء كان العم أو الأخ أو الابن، يختار كييف مقرا له. ففيها، حكمت أولجا بمجد. وحكم فلاديمير وأسس محكمته. وبنى ياروسلاف العديد من الكنائس بقبابها الذهبية.

لذلك قام الابن الأكبر ل ياروسلاف، "إيزياسلاف"، باعتلاء عرش كييف. لكن، كما تقول الوثائق، "زرع الشيطان الفتنة بين إخوته"، فحملوا السلاح ضده، وأجبروه على البحث عن ملجأ بين البولنديين، الذين سرقوا فراءه وكؤوسه الفضية والذهبية غدرا، ورفضوا مساعدته.

هنري الرابع، ملك ألمانيا، أعطاه حق اللجوء، وأرسل سفارة إلى كييف، مطالبا بإعادة العرش إلى الأمير الشرعي. تم استقبال المبعوثين بحفاوة بالغة. لكنهم انبهروا بثروات المدينة، لدرجة أنهم نسوا مهمتهم الأصلية.

كبير الأمراء، سيء الحظ، إيزياسلاف، لم يعد إليه ميراثه إلا بعد أن توفى منافسه. لكن، بعد سنتين من حكمه، قتل في معركة مع ابن أخيه. لقد كان مثاليا بالنسبة لأمراء كييف. فهو طويل القامة، حسن الخلق، رقيق القلب. شجاعا في الحرب، ورحيما في السلم.

كان يكره الأكاذيب والخداع ، وكان يبشر بالحسنى. يحب الجندي المؤمن، ويحتقر الذهب. هو رفيق نعمة، يحب المرح والاعياد.
لم يخلفه ابنه ميخائيل، الملقب ب "المضيف المقدس"، ولكن أخيه، الأكبر سنا في العائلة، "فسيفولود". هو الذي تربع على عرش كييف، وحكم لمدة خمسة عشر سنة. وهو بدوره لم يخلفه ابنه، فلاديمير، الملقب ب "مونوماك". ولكن، ابن أخيه، مايكل، "المضيف المقدس".

كان فلاديمير عادلا وكريما. تنحى عن مقعد السلطة التي كان قد شاركها مع والده، وترك العرش لابن عمه ، قائلا:

" كان والده أكبر مني سنا وحكم أولا في كييف".

أحد أبناء عمومته ، غضب لفقدانه بعض الأراضي الغنية، فجلب جيشا رهيبا من الكومان، وبدأ في إلقاء النفايات في المناطق المحيطة بمدينة كييف.

دعا فلاديمير لانعقاد مؤتمر لأبناء أخيه وأبناء عمومته لمناقشة الشرور المشتركة التي تحيط ببلده. أقسموا، وهم جلوس على نفس السجادة، على التوقف عن الحروب الأهلية بينهم، والتوحد ضد البرابرة. ثم قبّلوا الصليب وهم يقولون:

" إذا خالف أحدنا هذا القسم، وسلّح نفسه ضد أخيه، فليصبح هذا الصليب المقدس، ولنصبح جميعا، وروسيا كلها، أعداء له"

ولكن، عندما ذهب كل منهم إلى إمارته المخصصة له حديثا،
نشأت مشكلة جديدة. الأمير ديفيد من جاليتش، في روسيا، ذهب إلى الأمير الكبير، وأقنعه بأن ابن أخيه، فاسيلكو، يتآمر ضد حياته.

دعا الأمير الكبير، ابن أخيه فاسيلكو إلى كييف، للاحتفال بمناسبة دينية. ثم قيدوه بالسلاسل، وأحضروه أمام الأمير والنبلاء، الذين قالوا له:

"أيها الأمير، لديك الحق في الدفاع عن ملكك وطلب سلامتك. لو أن الأمير ديفيد يقول الحقيقة، يعني هذا أن فاسيلكو خائن
ويستحق الموت. ولكن إذا كان يكذب، فلتقع عليه دينونة الرب وغضبه".

كان الأمير الكبير كله آذانا صاغية للوشاية، وسلم الأمير فاسيلكو إلى عمه ديفيد، الذي سجنه في غرفة في المدينة البيضاء، وأرسل رجاله لمعاقبته.

فقاموا بإلقاء الأمير الشاب البائس على الأرض، وقيدوه ورشقوا سكينا حادا في عينيه. غضب فلاديمير غاضبا شديدا من هذه الجريمة البشعة، واتحد مع أبناء عمومته، وأجبروا الأمير الكبير للانضمام إليهم، ثم ساروا ضد ديفيد وأخذوا إمارته.

بعد تسوية هذه القضية، قاد فلاديمير جيش الأمراء ضد الكومان. ووقعت معركة كبيرة. تقدم البرابرة في صفوف طولية، لكنهم فجأة امتلأوا بالخوف. ثم استداروا وفروا، يتبعهم الروس.

قتل عشرون من رؤسائهم، وأسر آخر، تمت فديته بالذهب والفضة والخيول، وأقسم بأغلظ الأيمان، ألا يعود إلى فعل ذلك مرة أخرى، أو حتى يفكر في حمل السلاح ضد روسيا.

لم يثق فلاديمير في قسمه. وأخذا بالأحوط، قتله وقطعه إربا، ثم استولى على ماشيته وأغنامه وجماله وخيوله المطهمة وأرديته المطرزة وعبيده وكل ثروته.

عندما توفي ميخائيل "المضيف المقدس"، أقسم رجال كييف ألا ينبغي لأي شخص آخر، سوى فلاديمير أن يكون الأمير الكبير لهم.
رفض فلاديمير المنصب في بادئ الأمر، ولم يوافق إلا بعد اندلاع أعمال شغب. تلتها مضايقات عامة من اليهود.

خاض فلاديمير العديد من المعارك الناجحة ضد البرابرة على شواطئ بحر البلطيق، وفي براري فنلندا، وفي الأراضي البلغارية حول نهر الفولجا.

تقول الأسطورة أنه أرسل جيشا ضد الإغريق، وغزا تراقيا. فارتاع الامبراطور، وأرسل أسقف إفيسوس محملا بالهدايا الثمينة، وكوبا من العقيق الأحمر، كان يوما في حوزة أغسطس قيصر، وسلسلة ذهبية، وقلادة جده قسطنطين، وصليب مصنوع من خشب الصليب الحقيقي، وتاج وعرش.

كما جعل فلاديمير قوته ملموسة في أجزاء كثيرة من روسيا. وعندما قام جليب، أمير مينسك، بغارة استكشافية، وحمل كعبيد مجموعة من الرجال والنساء والأطفال، ونقلهم إلى ضفاف دفينا. أرسل فلاديمير، على الفور ابنه ضده الأمير وخلعه، وسجنه في كييف إلى أن مات في السجن.

كما تدخل فلاديمير في شؤون نوفجورود، وأبقى المدينة المضطربة تحت السيطرة، من خلال طلب إرسال كبار رجالها كرهائن عنده.

ترك فلاديمير وصية لأولاده. في صورة سيرة ذاتية، يصف فيها حياته الطويلة المليئة بالأحداث، وأعماله، وشخصيته. وينصحهم بما يجب فعله والالتزام به:

"حملاتي العظيمة بلغت 83 حملة، والحملات الصغيرة بدون عدد. 19 مرة، صنعت السلام مع بولوفتسوي، عندما كان يعيش والدي، ثم بمفردي وحدي.

أسرت 100 من أمرائهم، ثم أطلقت سراحهم. 200 منهم قد قطعتهم إربا أو أغرقتم في النهر. وكنت أجد متعة في مطاردتهم. في صيف واحد، قمت باصطياد 100 ثور بري. في الغابات الكثيفة، أمسكت بيدي 10 أو 12 من الخيول البرية التي كانت تسير معا.

مرتين، رمتني الثيران البرية بقرونها من فوق سرجي. ونطحني غزال الرنة، وداستني أحد الأيائل تحت حوافرها، بينما كان رفيقها يهاجمني. وكسر خنزير بري سكيني المثبت في حزامي. ومزق دب البطانية تحت ركبتي. وقفز علي وحش شرس، وألقاني تحت حصاني. لكن الله سلم. مرتين أصبت في رأسي. فكم كان عدد مرات سقوطي في شبابي؟

كنت أؤذي يدي وساقي ورأسي. كنت أعمل في وقت الحرب وفي وقت السلم، ليلا ونهارا، في الحر والبرد، بدون راحة. لم أكن أنتظر أبدا المسؤولين، أو المبشرين. لكنني بنفسي أقوم بفعل الشيء المطلوب.
لم يسبق لأحد أن قام برحلات أسرع مني. إذا غادرت تشيرنيجوف في الصباح الباكر، أصل إلى كييف قبل غروب الشمس.

لكن، لا تظنوا يا أولادي أنني أعني التباهي. لكنني أحمد لله وحده، وأمجد نعمته، التي أنعم بها، هذه السنوات العديدة، على خاطئ مثلي، وحماني من كل العلل المميتة، ومنحني القدرة على فعل الخير.

هكذا، يمكنكم أنتم أيضا، يا أولادي، ألا تخافوا الموت. لا في الحرب ولا في السلم. ولكن، افعلوا كل ما هو مناسب ومفيد للإنسان، كما يرضي الرب، وكما يريدك أن تفعله.

إذا أراد الله لك الحياة، فلن تموت في المعركة، ولا بواسطة الوحوش البرية، ولا غرقا في الماء، ولا بالخيول الهائجة. لكن، إذا كان الموت مقدرا لك من الله، فلا الأب ولا الأخ سوف ينقذك. فلا تنس الرب أبدا في أي مكان.

دموع الندم والصدقات، ليست وصايا صعبة من الرب. بها سوف تكفر عن خطاياك، وتكسب ملكوت السماء. لكن أفضل الأشياء، هي ألا ننسى الفقراء، وننسى إطعامهم عندما نستطيع.

ومساعدة الأرامل والعطف على اليتامى، كي لا يقعوا في يد من لا يرحم. ولا تحكموا بالقتل على الأبرياء أو على المذنبين. ولا تأمروا بإعدام أحد، حتى لوكان يستحق ذلك.

لا تقضوا على نفس مسيحية واحدة. لا تقسموا باستخفاف، والتزموا بدقة بما أقسمتم عليه. أحبوا زوجاتكم، ولا تجعلوا لهن سلطان عليكم. لا تغتروا، فكلنا بشر. اليوم أحياء، وغدا في القبر.

لا شيء نملكه هو في الواقع لنا. كل ما نملك، هو هدية من الرب، وليوم واحد. لا تخفوا ثرواتكم تحت الأرض، فهذه خطيئة كبيرة. انظروا للرجل العجوز كوالد لكم، وعلى الشاب كأخ لكم.

لا تنسوا ما تعرفونه. وتعلموا ما لا تعرفونه. فقد تعلم والدي ، وهو في المنزل، خمس لغات أجنبية. بسبب معرفتنا، نعرف ونميز في الأراضي الأجنبية. لكن الكسول ينسى حتى ما يعرفه.

لا تجعلوا الشمس تجدكم في مخادعكم. هكذا فعل أبي. ففي الصباح الباكر، وقبل شروق الشمس، يمدح الرب ويجلس مع رجاله، أو يعطي المشورة في ديوانه، أو يذهب للصيد.

عند الظهر، يخذ قيلولة. منذ ذلك الحين وهو يقول: إن النوم وقت الظهيرة، منحة من الله. تنام فيها الطيور والوحوش والإنسان. "

هكذا كان الأمير الكبير، أو كبير الأمراء، في روسيا، في الوقت المبكر من القرن الثاني عشر. حينما كان لويس السادس ملك فرنسا، وهنري الثالث ملك إنجلترا، وباقي البارونات يتقاتلون.
وللحديث بقية، فإلى اللقاء.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هل سيشارك العاهل المغربي في القمة العربية في الجزائر؟ | المس


.. ما هي التبعات البيئية لتسرب الغاز في بحر البلطيق؟


.. تصعيد جديد.. عملية عسكرية إسرائيلية في جنين، ما التفاصيل؟




.. بعد 13 عاما.. بدء محاكمة المتهمين في -أحداث 28 سبتمبر- في غي


.. دول غربية عدة تؤكد عدم اعترافها باستفتاءات ضمّ مناطق أوكراني