الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


أي ثقافة نريد بعد ثورة 14 جانفي 2011؟

إبراهيم العثماني

2022 / 6 / 11
المجتمع المدني


مقــــــــدّمة:

هو سؤال بديهي يُطرح بعد أن عاشت تونس حدثا مفصليّا في تاريخها الحديث باعتبار أهمّية الثّقافة ودورها في تحديد ملامح المجتمع الجديد إن سلبا وإن إيجابا. فالثّقافة هي المحرار الّذي به نقيس مدى تغيّر المجتمع أو مدى محافظته على بناه الفكريّة المرتبطة بالماضي وسيطرة عناصر الثّبات على مفاصل الحياة اليومية. وكان من المفروض أن يكون الجواب عن هذا التّساؤل واضحا أي ننطلق من واقع الثّقافة السّائدة لتقديم بديل يتباين مع ذلك. لكن ما يلاحظ هو أنّ الواقع أصبح أكثر تعقيدا بعد هروب رأس السّلطة وظهور تيّارات سيّاسيّة متغلّفة بالدّين تطرح بدائل ثقافيّة غريبة عن الواقع المعيش. ومن ثمّ أضحت مهمّة المثقّفين التّقدّميين والحداثيين مضاعفة. فهم مطالبون بمقاومة ثقافة العهد البائد والتّصدّي، في آن، للإفرازات الجديدة المعبّرة عن الماضويّة و التّخلّف والجمود والموت وتقديم البديل منها.

1- ثقافة الحياة:

ليست الحياة، في آخر المطاف، إلاّ جملة من الثّنائيّات قِوامها الأفراح والأتراح، والسّعادة والشّقاء، والجمال والقبح،والحبّ والكره،والخير والشّرّ والأمل واليأس. وليس هدف الإنسان، من سعيه في هذه الدّنيا، إلاّ إسعاد نفسه وأسرته وذويه وأبناء وطنه والإنسانيّة، وتحقيق الرّفاه والخير العميم للجميع. وكلّ دعوة معاكسة لذلك تكون مخالفة لمنطق الأشياء وسنن الحياة وتعكس انقلابا في المفاهيم ورؤية معكوسة للواقع.
وفي الحقيقة، تكرّس التيّارات الدّينيّة مثل هذه الدّعوات الغريبة أينما حلّت. فرموز التّشدّد الدّيني القائمون على شؤون رياض الأطفال والكتاتيب والمدارس القرآنيّة يفرضون على البنيّات الحجاب أو النّقاب وعلى الصّبية اللّباس الأفغاني، ويفصلون بين الجنسين ويرسّخون في أذهان النّاشئة عذاب القبر ونار جهنّم فيعقّدوهم ويدفعوهم إلى الانكماش والانزواء والزّهد في الحياة الدّنيا على صغر سنّهم.
وأكثر من ذلك فقد وجدنا التيارات الدّينيّة تحثّ النّاس على مقاطعة المهرجانات والأعراس والبهرج والزّينة لأنّها تثير الغرائز والشّهوات فيقع المحظور. لذا تحوّلت أفراحهم إلى ما يشبه الجنائز وخلت منها مظاهر الزّينة والاحتفاء بمباهج الحياة. وأصبحت المنتسبات إلى هذه التيّارات متميّزات بلباسهن المتّشح بالسّواد والمعبّر عن الحزن والكآبة، وبدت وجوههنّ مصفرّة مكفهرّة خائفة من عذاب القبر وملامحهنّ متجهّمة، وسيطر عليهنّ التّبرّم بالحياة والتّأفّف منها. فهذه التيّارات تزرع الموت بين الأحياء، وتغتصب البراءة من النّاشئة وتزهّد النّاس في الحياة، وتدفعهم إلى الموت البطيء.
تلك هي رؤية هذه التيارات للحياة، وهي رؤية وجبت مقاومتها بالإقبال على نعم الدّنيا والاهتداء بقول الشّاعر إيليا أبي ماضي:" كن جميلا تر الوجود جميلا"،أو التّرنّم لنكون مثالا يحتذى حسب دعوة نفس الشّاعر:" فلعلّ غيرك إن رآك مرنّما طرح الكآبة جانبا وترنّما."
إنّ ثقافة القبور والمغاور والكهوف والخرافة والشّعوذة ثقافة معادية للحياة محرّضة على الموت. وهي ثقافة عصور الانحطاط والتّخلّف والماضويّة المقيتة والوجه المظلم من التّراث. لذا من الضّروري التّصدّي لها لأنّ زمنها ولّى ولم تعد صالحة لا للحاضر ولا للمستقبل.

2 – ثقافة المساواة:

إنّ الدّعوة إلى المساواة بين المرأة والرّجل ليست بأمر جديد في تراثنا الفكري القديم (انظر موقف ابن رشد)، ولم تُطرح لأوّل مرّة في تراثنا الحديث منذ عصر النّهضة مشرقا ومغربا. ويكفي أن نشير، في تونس، إلى الطّاهر الحدّاد الّذي تجرّأ على المناداة بالمساواة بين المرأة والرّجل حتّى في الميراث في ثلاثينات القرن العشرين، وإلى دور الحركات النّسائيّة والتّيّارات الفكريّة المناصرة لقضيّة المرأة والكتابات النّوعيّة الّتي ظهرت في ثمانينات القرن العشرين(كتابات حمّة الهمّامي، شكري لطيف، أحمد المانسي، عزالدّين المعيوفي) ومساهمة مجلّة "نساء" في منتصف الثّمانينات وأعداد من مجلّة"أطروحات" في نفس الفترة.
وقد كان أمل الجميع كبيرا في تحقيق المرأة المزيد من المكاسب بعد ثورة 14 جانفي الّتي ساهمت فيها من مواقع متقدّمة، لكن كانت الخيبة أكبر ممّا نتصوّر إذ وجدنا أنفسنا أمام أطروحات فاجأت الجميع، فبالإضافة إلى سعي التيارات الدّينيّة الحثيث إلى مراجعة مكاسب عدّها الكثير مفخرة تونس مرّت إلى تكريس سلوكات غريبة:
أ‌- السّعي إلى فرض النّقاب في الدّرس: تعدّ الأحداث الّتي عاشتها كلية الآداب والإنسانيّات بمنّوبة أواخر سنة 2011 أكبر شاهد على ذلك( تحريض التيّار السّلفي طالبات على ارتداء النّقاب أثناء الدّرس والامتحان وتعطيل الدّروس والتّهجم على الأساتذة وتعنيف العميد وتنكيس العلم الوطني وتعويضه بعلم "أنصار الشّريعة"). والنّقاب هو، في حقيقة الأمر، لباس دخيل عن تراثنا قديما وحديثا، وهو إهانة للمرأة وتكريس لدونيّتها وضرب من ضروب التّشييء لها. فهو يُفقدها هويتها ويجرّدها من ذاتيّتها المميّزة لها ويحوّلها إلى مجرّد شبح أسود وكتلة مخيفة. وعندما تنشغل الطّالبة بمثل هذه السّفاسف فكيف ستوطّد صلتها بزملائها وزميلاتها وتتفاعل مع الدّرس وتتواصل مع الباث؟ وهل تنحصر مشاغل المرأة في لباسها في لحظة تطرح عليها تحدّيات جمّة؟ وما ضرّ الطّالبة لو أمّت الكليّة سافرة وجالست زميلها وناقشت رفيقها وخالفت صديقها؟ وأيّ جرم ترتكبه عندما تتحدّى عادات وتقاليد أفرزها واقع غير واقعها وجُعلت لزمن غير زمانها، وعبّرت عن مشاغل غير مشاغلها؟
ب‌- الزّواج العرفي: يرمز هذا الزّواج إلى التّناقض الفكري الّذي يميّز كلّ التيارات الدّينيّة. فهذه التيّارات تناهض، من ناحية، الاختلاط بين الشّباب المتحرّر وتعتبره مدعاة إلى الفساد والانحراف بل تعتبر هذا السّلوك ميزة شباب اليسار فتشنّع عليه إن حقّا وإن باطلا، وهي، من ناحية أخرى،تغضّ الطّرف عن انتشار هذه الظّاهرة بين الشّباب الطّالبي المتديّن والمتظاهر بالتّديّن أحيانا لتحقيق مآرب عاجلة متناسية أنّ هذا الزّواج مدمّر للرّوابط الأسريّة، مشجّع على شيوع نواميس غير مألوفة ستكون من نتائجها لقطاء وفتية مشرّدون وأمّهات عازبات ونساء منبوذات في مجتمع تسوسه منظومة قيم محافظة، ويسوده النّفاق وتحرّكه عقليّة ذكوريّة تحلّل لنفسها ما تحرّمه على المرأة.
ج- المرأة مكمّلة للرّجل: جوهر هذا الموقف هو أنّ منزلة المرأة منزلة دونيّة، فالرّجل هو الأصل وهي الفرع. وقد أرادت حركة النّهضة تكريس هذا الموقف في الدّستور لكنّها خسرت هذه المعركة مثلما خسرت معارك أخرى. ويعكس هذا الموقف حقيقة تفكير حركة النّهضة دون لبس وتقنّع.

3 - ثقافة الحداثة:

شنّت التيّارات الدّينيّة حملة شعواء على الحداثة واعتبرتها سبب البليّة والمسؤولة عمّا وصلنا إليه من انحطاط اجتماعي وتدهور أخلاقي وتخلّف حضاري. فالحداثة عندها ضرب للهويّة العربيّة الإسلاميّة، وشكل من أشكال التّغريب والانبتات، وهي امتداد للسّياسة الاستعماريّة بما أنّ النّخب الحاكمة في تونس منذ خمسينات القرن العشرين نخب فرنكفونيّة منقطعة عن جذورها معادية لأصالتها وهويتها. لكنّ هذه التيّارات نسيت أو تناست أنّ الحداثة انتماء إلى العصر وانخراط فيه، وسعي دائب إلى تجاوز ما تحقّق لإضافة مكاسب جديدة. والحداثة مسار تاريخي لا يكتمل بل هي مراكمة مستمرّة لا حدّ لها. فقد نشأت على أنقاض النّظام الإقطاعي واستفادت من حركة التّنوير والثّورة الفرنسيّة، وتطوّرت مع مختلف مظاهر التّطوّر والتّجديد في مختلف مجالات الفكر والعلم والمجتمع والصّناعة، وأخذت ترمز إلى العقلانيّة والعلمانيّة والفردانيّة والحسّ التّاريخي، وتتجسّد في مناهج ونظريّات جديدة مثل الدّيكارتية والوضعيّة والمادية الجدليّة... إنّ الحداثة مشروع متكامل إن أسقطنا ركنا منه اختلّت بقيّة الأركان. وقد استفاد العرب من حداثة الغرب لمّا التحقت النّخب العربيّة بالجامعات الغربية، واطّلعت على ثقافتها ولاحظت تطوّر مجتمعاتها، وأدركت أن قدر العرب- إن أرادوا اللّحاق بركب الحضارة المتقدّم- هو الأخذ بناصية علم الغرب واقتباس ما يفيد الشّعوب العربيّة. والغريب في الأمر أنّ علاقة التيارات الدّينيّة بالحداثة علاقة انتقائيّة ونفعيّة لا تحرّكها إلاّ المصلحة. وهذه التيّارات بقدر ما توظّف في حياتها اليوميّة وأعمالها وعلاقاتها كلّ المنتوج المادّي الّذي أفرزته الحداثة تتّهم الغرب مصدر هذه الحداثة بالكفر والإلحاد والانحطاط الأخلاقي.
ومن المفارقات العجيبة أنّ زعماء الحركات الدّينيّة ومناضليها التجؤوا إلى بلدان الحداثة وتمتّعوا بحقوق اللاّجئ السّياسي رغم مناهضتهم حقوق الإنسان باعتبارها حقوقا وضعيّة. وهكذا تعيش هذه التيارات على قلق وتجد عسرا في التّأقلم مع واقع متحرّك لأنّها ظلّت مشدودة إلى إرث ميّت ومنظومة قيم تجاوزها الزّمن.

4 – ثقافة الانتماء:

حبّ الوطن أمر غريزيّ لكنّه يتدعّم بالدّروس الّتي تُلقى في المدارس ويترسّخ في أتّون الحياة اليوميّة فيستحيل مبدأ صالحا للتّمييز بين الوطني والخائن. ومن ثمّ يحمي الوطنيّ أرضه وحدوده وتراثه وتاريخه ويضحّي بحياته في سبيله دون تردّد. وقد دأبت التيارات الوطنيّة على تعليم النّاشئة هذا الإحساس منذ الصّغر. لكنّ اللاّفت للانتباه غياب مفهوم الوطن في أدبيّات التيارات الدّينية والاستعاضة عنه بمفهوم هلامي غير واضح المعالم يتمثّل في الخلافة الّتي لاحدود لها والّتي ستعتمد دستورا إسلاميّا" ليس مختصّا بقطر معيّن أوبلد معيّن بل هو لدولة الخلافة في العالم الإسلامي بل في العالم أجمع باعتبارأنّ دولة الخلافة ستحمّل الإسلام رسالة نور وهداية إلى العالم أجمع"( اُنظرمشروع دستور دولة الخلافة الّذي أعدّه حزب التّحرير بتونس كبديل للدّساتير الوضعيّة – دون تاريخ ص 3).

خاتـــــمة:
وفي الختام نقول إنّ كلّ مشروع مجتمعي مستشرف لمستقبل أفضل يفتقر إلى برنامج ثقافي تقدّمي يدعمه مشروع أعرج ومآله الفشل. ذلك أنّ دور الثّقافة المتنوّرة في إحداث نقلة نوعيّة وتحقيق قطيعة مع رواسب الماضي وبناء منظومة فكريّة جديدة دور أساسي ولا محيد عنه. وما تضمّنه هذا المقال لا يعدو أن يكون أفكارا أوّليّة قابلة للنّقاش والتّطوير والإضافة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. انتخابات إيطاليا 2022: ما أثر فوز اليمين المتشدد على المهاجر


.. العنصرية تتفاقم في لبنان.. قرار يمنع الطلاب السوريين التسجيل


.. العربية 360 | مظاهرات إيران تتمدد.. وتتحدى القمع والاعتقالات




.. انهار السوق بسببه.. أمر باعتقال مؤسس العملة الرقمية -تيرا- ب


.. الأخبار في دقيقتين: اعتقال -تيك توكر- أغضب المصريين بفيديوها