الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تاريخ روسيا – 11 نوفجورود (المدينة الجديدة)

محمد زكريا توفيق

2022 / 6 / 28
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


الفصل الثالث عشر

نوفجورود، المدينة التجارية العظيمة

منذ أقدم العصور، كانت نوفجورود، أو المدينة الجديدة، هي أهم مدينة في شمال غرب روسيا. ممتلكاتها تشمل المناطق المحيطة بالبحيرات الكبرى، وتمتد حتى المحيط المتجمد شمالا، وإلى براري سيبيريا شرقا. مدن لا تعد ولا تحصى، تشيد ب "لورد المدائن، نوفجورود العظيمة".

مسافر فرنسي، زار روسيا في وقت مبكر من القرن الخامس عشر، وترك لنا هذا الوصف للمدينة :

" نوفجورود مدينة كبيرة بشكل رائع. تقع على سهل جميل وسط غابات شاسعة. التربة منخفضة، وعرضة للفيضانات والمستنقعات في عدة أماكن. المدينة محاطة بأسوار فقيرة، مصنوعة من الطمي الجاف، وأبراج من الحجر".

يقسم نهر فولكوف، العميق والسريع، مدينة نوفجورود إلى نصفين. يتدفق النهر من بحيرة إلمن، ويصب في بحيرة لادوجا. كان هناك جسر مشهور يربط بين جزئي المدينة.

على الجانب الأيمن، توجد قلعة مبنية بالحجر في القرن الرابع عشر، وتحتوي على قصر رئيس الأساقفة، وقصر الأمير.

في هذا الجانب، بني الأمير العظيم، الملقب ب "الشهرة النارية"، كاتدرائية "القديسة صوفيا" الرائعة.

في الكنيسة، لا تزال الأعمدة، ولوحات الحائط القديمة، محفوظة، والمرسومة مع صور القديسين، والمحاطة ببراويز ونقوش ذهبية.

هي في حالتها كما كانت منذ ستمائة عام. وتقول الأسطورة إن المسيح ظهر للفنان الذي كلف برسم صورته على قبة كنيسة القديسة صوفيا وقال له:

" لا ترسمني ويدي مفرودة للمباركة. ولكن ارسم يدي مغلقة. لأنني في داخلها أحمل نوفجورود، وعندما أفتح قبضتي، ستكون نهاية المدينة".

تمثال المسيح على القبة، يطل على قبور الأمراء ورؤساء الأساقفة، وعلى نعش برونزي للأمير "انتقام الشهرة"، المدافع عن مدينة نوفجورود، وعلى راية العذراء على الجدران، التي أحيت همم المقاتلين.

على الضفة اليسرى للنهر، كان الجانب التجاري، مع محكمة "الشهرة النارية"، وأقسامها المختلفة، التي سميت بأسماء، "النجارين"، "السلاف"، و"ألمان".

كانت التربة الرملية وكثرة المستنقعات في نوفجورود، أكبر مصدر للمجاعات والحمى. ولكي يعيش سكانها، البالغ عددهم أكثر من مائة ألف نسمة، بدأوا في إنشاء مدن بصفة مستمرة في غابات الشمال والشرق.

وبدأ تجارها في التعامل مع قبائل جبال الأورال، والسلاف في بحر البلطيق، والألمان في مدن هانس، والتجارة مع البازارات الشرقية في القسطنطينية.

الوثائق البيزنطية تحكي كيف أنه في القرن العاشر، هبط السلاف من نيموجارد، عبر نهر الدنيبر إلى مصبه، وانتشروا في جميع شواطئ الإمبراطورية البيزنطية.

تحكي قصة نوفجورود كيف حاصر جيشها ذات مرة كورسون، وهي واحدة من مدن أوكرانيا، لمدة سبع سنوات، وكيف أن العبيد، الذين شككوا في عودة أسيادهم إلى نوفجورود، تملكوا المدن والأراضي والمنازل.

أخيرا استولى الجيش على المدينة التي كانت تابعة للإمبراطورية البيزنطية، وعاد منتصرا، حاملا معه البوابات البرونزية والجرس العظيم. في الطريق علموا بما حدث لنوفجورود من قبل العبيد أثناء غيابهم.

اتفقوا جميعا على عدم استخدام السلاح، ولكن فقط سياط الخيول، لتذكير العبيد بوضعه الاجتماعي السابق، وبالتالي ترويعهم وخفض شجاعتهم.

مشوا إليهم، وأخذوا في جلدهم بالسياط، مما ذكرهم بالطريقة التي كانوا يعاقبون بها من قبل. فلاذوا بالفرار أمامهم مثل الأغنام.

سادكو، تاجر في نوفجورود، ألهمت مغامراته بأكملها مجلدات من الأغاني والأساطير الشعبية. نراه في البداية منشدا فقيرا، يعزف قيثارته على شواطئ البحيرة. ملك الأمواج الزرقاء، وجني الماء، يسمع موسيقاه العذبة، فيمتلئ بالبهجة والانشراح.

يرتفع الجني من الأعماق الباردة، ويقترب من الشاطئ. في نفس الوقت، ويتفق مع سادكو على خطة تجعله غنيا. يخبر سادكو تجار المدينة بأنه يستطيع اصطياد سمكة بزعانف من الذهب اللامع.

يراهن التجار بكل ما يملكون على أن مثل هذه الأسماك، لا توجد في البحيرة. يلقي سادكو بشبكته، فيسبح جني الماء إلى داخل الشبكة وهو على شكل سمكة بزعانف من الذهب، ويدفع التجار غراماتهم. ويصبح سادكو هو أغنى رجل في كل المدينة.

يبني سادكو قصرا رخاميا، تضيئه الشمس والقمر والنجوم السحرية، لكن روح الاضطرابات تأتي عليه فيما بعد.

كان عليه أن يذهب بالمركب لكي يتاجر. أثناء رحلته، هبت عاصفة شرسة. إنه جني الماء، الغاضب، والذي لا يمكن نيل رضاه بالذهب والفضة.

قام البحارة بإلقاء الكثير من القرابين لإرضائه. ألقى سادكو في الماء خاتم صغير مصنوع من خشب الصليب الحقيقي. الأخرون ألقوا خواتم مصنوعة من الحديد.

لكن، ويا للعجب، طفت خواتم الحديد، وغاص الخاتم الخشبي. وعنما رأى سادكو ذلك، علم أن قربانه قد قبل من قبل جني الماء.

هنا ارتدى سادكو معطفه الفرو، وأمسك بيد صورة القديس نيكولا المبارك، وباليد الأخرى قيثارته الذهبية، وقفز إلى الماء، حيث يجلس ملك الأمواج وجني الماء، في قصره الكريستال مع ملكته وبناته الثلاثمائة. الذي قام باستقباله، وعرضه لمائة اختبار شجاعة ومهارة.

نجح سادكو في كل الاختبارات. وفجأة، يجد نفسه على الشاطئ بالقرب من نوفجورود مع كنوز لا حصر لها، فأخذ يبكي ويقول:

"لقد رأوا أنني تاجر غني من نوفجورود، ولكن نوفجورود هي أغنى مني".

كان سكان المدينة القديمة المتقلبون، غير قادرين على حكم أنفسهم. في الوقت نفسه، كانوا يكرهون الاستبداد، ويعشقون الحرية.

فقاموا بدعوة النورمان لإقامة العدل فيما بينهم. لكن، عندما تجاوز روريك سلطته، قاد البطل فاديم الثورة ضده.

وعندما انتخبوا أميرا جديدا، أقسم الأمير باحترام ميثاقهم، الذي يدعم قوانينهم، ويؤكد حرياتهم، ويحفظ عاداتهم القديمة.

كانت الضرائب مقيدة، وكان ممنوعا زراعة مساحات، أو بناء مدن جديدة في أي من الكانتونات الخمس التي تكون نوفجورود.

لم يسمح للأمير بالصيد في الغابات المجاورة إلا خلال فصل الخريف، أو بجني محاصيله إلا في وقت معين، بموجب القانون.

وكان الأمير ملزما بمساعدة رئيس المدينة في تنفيذ القانون، وغير مسموح له بإقامة دعوى قضائية في أي مدينة أخرى.

كانت أفعال الأمير تراقب عن كثب من مجلس المدينة، المكون من جميع المواطنين، الذين يجتمعون في المحكمة عند سماعهم دقات الجرس العظيم، أو يجتمعون في ساحة كاتدرائية القديسة صوفيا.

إذا كان هناك تظلم ضد الأمير، "باركه لورد نوفجورود، وأراه الطريق القويم، وإلا حبسه في قصر رئيس الأساقفة"

أعلن أحد أمراء كييف الكبار حقه في جعل ابنه لوردا لمدينة نوفجورود، ولكن رجال نوفجورود قالوا له:

" لن يكون لنا أية علاقة بك أو بابنك. إذا كان لدى ابنك رأس يريد أن يحتفظ به، فدعه يأتي لنا".

أمير آخر، كان قد تخلى عنهم لكي يحكم في مكان آخر، رغب في العودة إلى نوفجورود، لكن المجلس أجابه بهذه الكلمات :

"لقد نسيت قسمك بالموت معنا، وأن تكون معنا على الحلوة والمرة، وبحثت عن منصب آخر. لذلك، وجب أن تفارقنا وتبتعد عنا".

بعد ذلك، غيروا رأيهم وقبلوه معهم ثانية. لكنه استقال للأسف وتركهم بعد أربع سنوات. فقام مجلس نوفجورود، بكيل الاتهامات له.

اتهم بإهمال الفقراء، والاهتمام فقط بتربية الكلاب والصقور، وعدم ولائه للمدينة، والتخلي بجبن عن موقعه في المعارك. وأنه ليس له رأي في مشاجرات الأمراء. مما أدى إلى شلحه من منصبه ونفيه بعيدا.

بعض المواطنين كانوا يتاجرون أسفل نهر الفولجا ومع الشرق. آخرون كانوا يتاجرون أسفل نهر الدنيبر ومع البيزنطيين. لذلك كان هناك، في بعض الأحيان، مجلسان متنافسان.

أحدهما حريص على انتخاب أمير سوزدال، الذي يمكنه السيطرة على الطريق المائي الشرقي، والآخر أمير كييف أو تشيرنيجوف، سيد النهر الجنوبي.

في كثير من الأحيان، يتنازع المتنافسون على الجسر، وينشب عراك بينهما، فيخرج إليهم رئيس الأساقفة مع رجال الدين، لتهدئة الاضطرابات. هذه المشاجرات غالبا ما كانت تؤدي إلى سقوط الأمراء والقضاة.

المدعو "العش الكبير" من سوزدال، بناء على طلب مجلس نوفجورود، أرسل لهم ابنه "الشهرة النارية". لكن سرعان ما طرده المواطنون. فأخذ جيشا، وجاء إلى تورجوك، بالقرب من نوفجورود، وحاصر المدينة.

منع "الشهرة النارية" التجار من الوصول إلى نهر الفولجا، وقطع إمدادات القمح، فانتشرت المجاعة. المواطنون البائسون كانوا مضطرين لتناول لحاء الأشجار والطحالب وأوراق الشجر.

أكثر من أربعين ألف ماتوا جوعا. كانت الكلاب تلتهم جثث الموتى، التي كانت تغطي الشوارع. المدعو "انتقام الشهرة"، عند سماعه عن محنة نوفجورود، أرسل كلمة :

"لن نضع تورجوك فوق نوفجورود. سأنقذ أرضكم ومواطنيكم أو أخسر حياتي".

وبعد أن أعاد الأمور إلى نصابها، استدعى المجلس وقال:

" أحيي كاتدرائية القديسة صوفيا، وقبر أبي، وأنتم يا رجال نوفجورود! سأستعيد جاليتش من الغرباء، لكنني لن أنساكم أبدا. أملي هو أن أدفن بجانب قبر والدي في كاتدرائية القديسة صوفيا".

توسل الجميع إليه لكي يبقى معهم، لكنه أصر على تنفيذ خطته، بالرغم من الدموع والتوسلات. كانت المغامرات الجديدة تجذب البطل القوي، الذي يعرف بأسه، المجريون، والبولنديون، والتتار.

دعا مواطنو نوفجورود ابن أخيه من سمولينسك لكي يعتلي العرش، لكنه لم يستطع السيطرة على فصائل المدينة. فقد اعتقل رئيس البلدية أحد النبلاء، وقام بعض المواطنين بأخذ دور النبيل، ودعم آخرون رئيس البلدية، مما تسبب في هياج عام.

لمدة أسبوع كامل، ظلت أجراس الإنذار من القلعة ترن بلا انقطاع. وأخيرا التقى المواطنون بالسيوف على الجسر. فنظر رئيس البلدية إلى كاتدرائية القديسة صوفيا وبكي:

" سأكون أول من يسقط في المعركة، إن لم يثبت لي الله أنني على حق ويمنح النصر لإخوتي".

لم تستمر المعركة لمدة طويلة، ولم تكن شرسة. قتل عشرة رجال فقط، وحل السلام.

اتهم الأمير رئيس المدينة بالتسبب في أعمال الشغب، وأرسل أمرا مع رسول بإقالته.

"ما هي جريمته، وماذا فعل؟" سأل المجلس. "لا جريمة" ، أجاب الرسول، "لكنها إرادة الأمير".

"أنا سعيد" ، أجاب رئيس المدينة ، "لعدم وجود أي اتهام ضدي. لكنكم، يا إخوتي، تستطيعون أن تملوا إرادتكم على الأمراء".

فقام المجلس بإرسال كلمة إلى الأمير:

"أنت قبّلت الصليب، وأقسمت على عدم فصل أي رجل من منصبه بلا سبب. رئيس المدينة، هو رجلنا، ومعك لا ينبغي لنا أن نستمر".

وهكذا سمح للأمير بالخروج من نوفجورود، ولم يشاهد بعد ذلك. خلال ست سنوات، غيرت المدينة المثيرة للشغب أمراءها عدة مرات لأسباب مختلفة.

أدت المجاعات والحرائق إلى الحد من كبرياء المواطنين البؤساء، الذين كانوا مضطرين لبيع أنفسهم وأولادهم كعبيد في سبيل الحصول على كسرة من الخبز.

ابن "العش الكبير"، "الشهرة النارية"، عاد لثالث ورابع مرة، وحكمهم كطاغية حتى أصبح الأمير الكبير لسوزدال. ثم ترك ابنه، ألكسندر، بطل نيفا، يحكمهم كأمير عام 1236م.

كانت أهم المدن التابعة لنوفجورود هي بسكوف، التي تطل قلاعها بأسوارها الحجرية الصلبة، على البحيرة والنهر الذي سميت باسمه.

هذه الجدران التي كانت شهيرة في يوم من الأيام، أصبحت اليوم كومة من الأنقاض، يقوم أولاد الشوارع بسحب حجارتها وتسلية أنفسهم بقذف نساء سكوفا وهن يغسلن ملابسهن.

لا تزال كاتدرائية الثالوث تقف في أحد طرفي القلعة، وهناك تستريح عظام الأمراء المفضلين في توابيت معدنية.

بالقرب من بسكوف، عندما كان إيجور عائدا من رحلة صيد، رأى لأول مرة أولجا الجميلة، ابنة الفقير نورمان، وتزوجها، بالرغم من أنها لم تكن من دم الأمراء.

خاضت بسكوف صراعا طويلا مع الألمان والسويديين والليتوانيين من جهة، ومع أم المدائن نوفجورود من جهة أخرى. وأخيرا، اعترفت بها نوفجورود كأخت صغرى.

في بسكوف، اشتهر الناس بسلوكهم وأخلاقهم واستقامتهم وبساطة تعاملاتهم. قوانينهم والجمارك كانت هي نفسها، مثل تلك الموجودة في نوفجورود.

في كلتا المدينتين، كانت الفروق الاجتماعية قوية وملحوظة. طبقتي البويار والنبلاء، يشكلان طبقة أرستقراطية فوق طبقة التجار والسواد الأعظم من الناس والفلاحين. وكان لدى التجار نقابة خاصة بهم وكنيسة قوية.

كانت هناك فرق من البحارة، يتبعون قادتهم أعلى وأسفل نهر الفولجا العظيم وروافده. قاموا بإنشاء المستعمرات في غابات الشمال. هكذا تأسست فياتكا في القرن الثاني عشر.

فرقتان من الصحاب من نوفجورود، اتحدوا معا، وذهبوا في وسط روسيا، إلى مدينة وثنية فوق تلة، ومحاطة بخندق.

المغامرون الأتقياء، قاموا بالصيام لعدة أيام، ودعوا القديسين، بوريس وجليب، ثم هجموا على المدينة الوثنية وأخذوها بالقوة.

بعد ذلك، بنوا مدينة جديدة. وعندما علم المستعمرون بانتصارهم، توافدوا عليها. وحتى يومنا هذا ، تتمتع هذه الأرض البعيدة بخصائص نوفجورود، وبها نفس النوع من المنازل، ونفس القباب، ونفس اللهجة. وظل جرس المدينة، لمدة ثلاثمائة سنة، يدق لكي يدعو المواطنين للاجتماع للمناقشة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لبنان وإسرائيل.. اتفاق الترسيم وعقدة التعديلات | #غرفة_الأخب


.. تركيا.. أردوغان يصدر مرسوما بتعيين أوزكان تورونلار سفيرا جدي


.. إسرائيل ترفض الملاحظات والتحفظات اللبنانية على مسودة اتفاق ا




.. قتلى في قصف تركي على سنجار شمالي العراق


.. إسرائيل ترفض التعديلات اللبنانية على مسودة اتفاق ترسيم الحدو