الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


سؤال ما بعد الفراغ

سامي عبد العال

2022 / 7 / 14
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


من حين إلى آخر، تخرج علينا أخبارٌ صادمةٌ للأُذُن مثل قتل صديقٍ لصديقه على أتفه الأسباب، أو ضرب رجل لزوجته حتى الموت والعكس لمجرد ضائقةٍ بسيطةٍ، أو ذبح جار لجاره نتيجة عراك الأولاد ومضايقات أحدهما للآخر. وهذه أمور ربما يتم تفسيرها بأمراض العلاقات بين الأفراد مع الظروف الحياتية المتفاقمة، وبفضل الأحوال النفسية والاقتصادية داخل بعض مجتمعاتنا العربية.

المهم أنَّ كلُّ ذلك يجري بطريقة شبه يوميةٍ، في حين أنَّه لم ينطقُ أحدٌ بدخول كلمة ( سياسة ) في الموضوع من قريبٍ أو بعيدٍ. وربما تنظر السياسةُ ( فيما يُعرف بالمؤسسات الرسمية ) إلي تلك الحوادث كأنَّها لم تكُّن. وأنَّها عمليات فردية ليست بينها علاقةٌ بأسبابٍ موضوعيةٍ خارج الظرف الخاص لأصحابها. هي من قبيل أعمال القضاء والقدر، كأنها حوادث تُقيد سببياً ( ضد مجهول ) هو الضحية نفسها. فهذه الحوادث كما يقول لسانُ حالّ أنظمةِ الحكم ( شقاوة شعوب وتهورها )، بينما الدولة ترعى القانون والأخلاق، وتصون العادات والتقاليد!!

ولكن أنْ ينتحر بعضُ الشباب اليافع، وأنْ تتكرر حوادث الانتحار بين تلك الفئات العمرية بشكل مأساوي، فهذا أمر مخيف يدعو للاستغراب والحيرة. ولاسيما أنَّ هؤلاء في عمر الزهور، وليس هناك من ارتباطٍ أقوى بالحياة مثل ارتباط الشباب بالواقع. فأحدُّهم قد يُلقي بنفسه تحت إطارات المترو أو القطار لتخرج جثته أشلاءً وعلى هيئة مزرية. وآخر يقفز بسيارته الطائشة التي تقله من فوق كبري مرتفع .. وغيرهما يُلقي بجسده من أعلى بناية في القاهرة أو في الرباط أو في بغداد.. أو في إحدى المدن العربية ليسقط دون حراك، .. إلى أخر ذلك. وتكاد تلك الأخبار تنتشر انتشار النار في الهشيم. لدرجة أنَّ الدولة المصرية مثلاً تتبنى مبادرات احياء الأمل لدى الشباب، وتوصي المواطنين – ولاسيما فئة الشباب- بالتمسك بالحياة.

ليس هذا فقط، بل حرّكت الدولة المصرية قواها الدينية الناعمة لإقناع الشباب أنَّ الانتحار ( جريمةٌ دينيةٌ ) في المقام الأول، وأنَّ الحفاظ على الحياة أمانةٌ وضعها الله بين أيدينا نحن البشر، ولا بد أنْ يقبضها خالقها لا البشر كما خلقها أول مرة، وأنه لا يصح لأي إنسان- شاباً كان أم غيره- أنْ يهدر تلك الحياة بأية صورة من الصور كما قال رجال الأزهر. ولكن السؤال المفصلي: ما علاقة الدولة بأمور بالشباب حتى ولو كان أمر الانتحار؟ ما شأن الدولة بهؤلاء وقد قرررت سلفاً تركهم وشأنهم؟ هل هناك شيء كانت تتحسب منه دولُّنا المعاصرة تخشى من انكشافه؟ كيف كانت تدير الفراغ لدى الشباب وكيف تقلص مساحته؟

بالفعل نظراً لأنَّ معالجة الدولة وقواها الناعمة لم تؤدِ أهدافها المرجوَّه للأسف، ولم تعالج أسباب الانتحار لدى الشباب، فكان يجب مناقشة الظاهرة من جوانب أخرى، وليس فقط من قبيل ظروف الشباب وسلوكياتهم في كل الأحوال. فالشاب الذي ينتحر يشعر بـ( فراغ قاتل )، وأنَّ الموت هو أقرب الوسائل السهلة للتخلص من هذا الشبح المرعب. لأنَّ الفراغ هو لحظةٌ يتجلى فيها ( تعادل ) الحياة مع الموت، حين يشعر بالعدم وهو حي. وأزعم أنَّ الوجه السياسي من هذا الشبح له الاسهام الكبير بالفعل في إنهاء حياة الشباب. فالفراغ داخل حياتنا المعاصرة خضع للتسييس، وكان ( أداة خفية ) من ضمن أدوات السلطة للتحكم في هذه الفئات الفاعلة والنشطة.

ولئن كانت فئات الشباب تتمتع بالحيوية والطاقات الحركية والفكرية والجسدية الكبيرة، فكانت الدولة الحديثة هي المنوط بها استنفاد ذلك الرصيد الوافر على نحو آمن ومنتجٍ. وسواء أكانت الوسيلة لذلك هي سياسات العمل والتوظيف أم إقامة الفعاليات على خريطة البلاد أم عن طريق برامج التثقيف والبناء وتنمية البيئة والإنسان، فلم يكن ذلك متوافراً بشكل إنساني، كما أن الشبابُ المهمش ليس مُقبلاً على تلك الحلول الموجهة. لأنَّ أحدهم أو غيره لم يكُّن منتظراً استثمار طاقاته الحيوية لصالح قوى أعلى ترميه وقتما تشاء وتحتكر ممارساته لصالح الآخرين. فالشباب الراهن لا يرضى بتحويل كيانه إلى رصيد فارغ وخاوٍ من الذاتية والحرية. خُذْ من الشباب أي شيء إلاّ ارادته وتفضيلاته الحرة التي لا تخضع للقهر السياسي والاستغلال بأسماء عامة براقة.

الحقيقة السياسية تقول إنَّ ذلك ( الفراغ المُسيَّس ) كان اكتشاف الجماعات الإسلامية على نحو واضح. أي كانت تملأ هذا ( الفراغ الحيوي ) ليلاً ونهاراً بأهدافها الحركية، وكانت تدرك جيداً بحكم كونها مضاداً سياسيا للدولة الوطنية أن الفراغ ( سلاح بيولوجي ) ديني مسيَّس بالضرورة. الدولة الحديثة لدينا لم تكن تعرف ما معنى أنْ يكون الشباب فارغاً من الغطاء الحياتي والإنساني، فقط اهتمت الدولة بأدوات الضبط واحتكار العنف والهيمنة على الفضاء العام وعلى المؤسسات العمومية وكيفية إدارة الإقتصاد والجوانب المادية وإدارة أنماط العيش. وإذا كان الشباب يدخل في اهتمامها المباشر، فعادة ما حدث ذلك من قبيل رسم الصورة الإجمالية للمجتمع، لكن الشباب في الحقيقة كان رصيداً بيولوجياً لا قيمة له إلاَّ وقت الظروف الحرجة، سواء أثناء الحروب أم الصراعات أم بعض مظاهر الديمقراطية مثل الانتخابات وحشد الأحزاب أمام القوى الأخرى. وبالطبع كانت الأحزاب السياسية تحشد الشباب لخدمة أغراضها الخاصة تحرشاً بحزب الدولة الغالب أو اصطفافاً معه في هذا الاتجاه أو ذاك.

هنا ظلت الجماعات الإسلامية تترقب عن كثب وتدرك أنَّ كل المفاهيم التي تطرحها كانت تشتغل على هذا الفراغ. فمفهوم الجماعة كان يقوم على( فراغ بيولوجي ) تركته الدولة الوطنية نتيجة ترك الشباب بلا اهتمام في الشارع والساحات والأنشطة الحياتية السياسية. فالجماعة الدينية ذاتها ( جماعة وظيفية ) تعمل على تغذية جسدها التنظيمي بطاقات الشباب في كل أذرعها ووظائفها الحيوية. وتلك الفكرة كانت استراتيجية خطيرة بصدد امتداد الجماعات وتغلغلها داخل أركان المجتمع. ولذلك تتوقف كل جماعة أو تتمدد بقدر ما يكون جسدها شاباً يتغذى على طاقات الشباب ويعيد توظيفهم لأجل مصالحها.

ظل نمط التربية والتثقف لدى تلك الجماعات قائماً على استغلال الفراغ الديني عند الشباب ليعطيهم مواداً حافزة ومُهيجة للمشاعر ومكونة لخلفيات جهادية، حيث تأتي الجماعة بلاهوت تربوي يشكل العقول والعواطف والأحاسيس وينحت شكل الأجسام وطرائق عيشها في الحياة. ولا تترك هذه الفئة دون أن تملأ لاوعيهم بمحددات زمنية من التاريخ والقصص والحكايات الدينية. وتلك المحددات تعرفهم على توجيه بصلة فكرهم ونمط حياتهم استناداً إلى حالة الفراغ السابق. وبالتالي يدرك الشباب سريعاً كم كان هذا الفراغ بلا معنى بعدما توجه إلى حياة تنظيمية دينية أخرى. وعندما يصل الفرد إلى هذا الإدراك، فإنه يشعر بامتلاء حياته بشعور آخر، هو يشعر بكونه فاعلاً مع الجماعة التي كشفته أمام ( فراغه المرعب).

وحتى مفاهيم الجهاد مثل الحرب والقتال وانفاق الوقت على التهيئة النفسية والجسدية إنما هي مفاهيم تعمل على الفراغ الذي تركته الدولة الوطنية أمام الشباب. بل كان الشباب من هذه الزاوية كتلة متحركة من الفراغ الباحث عن امتلاء رمزي. وقد حدث أن فكت شفرته الجماعات الدينية كالإخوان الذين كانوا يخضعوا الأفراد لتربية جسدية نفسية شاقة إلى حدٍ ما تمهيداً للمشاركة في كافة الأنشطة التنظيمية. وفي النقطة القصوى عملت التنظيمات الأخرى على اعتبار الفراغ الجسدي لوناً من ( الدنس والخطيئة )، ومن ثمَّ سيكون تكفيره بالجهاد الدموي أداة لملء الفراغ. فقد رأينا أجساداً داعشية مفخخة تتناثر مع التفجيرات وأعمال الحروب في أعماق التجمعات البشرية المدنية. وهي كانت اجساداً شبابية مليئة بالفراغ السياسي، ثم خضعت لغسيل داعشي وملئت بأفكار الجهاد التي جعلتها قنابل بيولوجية موقوتة.

ولذلك بعد غسق الربيع العربي تركت الجماعات الدينية فراغاً متجدداً في الشارع العام، حيث انفرط عقد الشباب الذي كان ينتمي إليها أو يتعاطف معها وكانت تشغل أوقاته بأنشطتها وأهدافها وأخبارها. فراغ سياسي وفراغ أيديولوجي وفراغ تنظيمي وفراغ دعوي وفراغ عقائدي... وأخيراً فراغ ديني بمثابة الختم النهائي فوق أنواع الفراغات الممكنة. وهو كل مساحة الفراغ الحيوي الذي كانت قد تركتها الدولة الوطنية نهباً لكل من هبٍ ودب. وبالتالي حدث أن كشف الفراغ عن وجهه المرعب مرة أخرى، بعد أنَّ تخلصت أنظمة الدول العربية من الجماعات الدينية على صعيد التواجد الملموس في مجالات الحياة المشتركة، وباتت ملاحقتها مثل ملاحقة رموز الاجرام في أي مكان مثلما حدث مع جماعة الإخوان والجماعات الجهادية الأخرى. لكن المثال الأبرز بالفعل هو الإخوان لأنهم أخذوا خطوات على صعيد السلطة في أكثر من مجتمع عربي، كما أنهم كانوا قد أسسوا قواعد شعبية واسعة التأثير على هذا الفراغ.

ومن حسن الطالع أن الفراغ بطبيعته قد ينقلب على تلك الجماعات مرة أخرى، ولاسيما إذا رأي الشباب خلوها من الحياة الحرة والكريمة. وأنها كانت مرحلة من الدجل السياسي بعناوين لا تقل استبداداً وطغياناً من الأنظمة الديكتاتورية الغابرة. وقد برهنت تجربة الإخوان القصيرة في مصير وغيرها من الدول على تلك الفكرة عملياً، لأن ما سيبني على الفراغ الإنساني سيؤول إلى الفراغ في نهاية المطاف.

الآن بات الفراغ فراغاً مزدوجاً بالنسبة لحركة الشارع ( المجتمع ) بعد انقشاع الجماعات الدينية، وكذلك بالنسبة للدولة( الأنظمة السياسية ) في مرحلة إعادة البناء. أي تقع مسئوليته على عاتق المجتمعات العربية التي يجب أن تهتم بالشباب ( ثقافةً وتعليماً ونشاطاً ودعماً نفسياً ) بما يليق بهم في المقام الأول. وللأسف أن تلك الجوانب ليست واضحة تماماً في مجتمعاتنا العربية، لأن الاهتمام بالشباب ينحصر في التربية وتلبية المتطالبات البيولوجية الأولية ليس أكثر. وهذا يشعر الشباب بتدني الحياة إلى أبعد مستوى ممكن، ويخرج شباباً فاقد الإحساس بالواقع المعقد والمركب. ويعطيهم جرعات بيولوجية فقط تنصرف في اللهو والتوافه من الأمور والظواهر، أما المتطلبات النفسية والفكرية الثرية، فلا يجدون شيئاً ذا بال إلاَّ من القوى والجماعات المدمرة للمجتمع.

أيضاً تقع مسئولية ذلك الفراغ المرعب على الدولة التي يجب أن توفر المناخ الصحي لهؤلاء الشباب الحر، وألاَّ تسمح مجدداً باستعمالهم لأغراض سياسية حزبية أو فئوية تقلل من شأنهم وتحط من قدرتهم. لأن هذه الممارسات هي التي جعلتهم كعصف مأكول للجماعات الدينية المتطرفة. وكأننا نحن الذين نسهم في إعطاء تلك الطاقات المتجددة مجاناً للإرهاب والعنف، نحن ندمر أنفسنا بأنفسنا. والأهم من ذلك كله أن تسمح الدولة بتوسيع دوائر الحركة والتأثير لهؤلاء الشباب في المؤسسات والهيئات الرسمية وعبر الخطط والبرامج التنموية للمستقبل وأن تعتمد عليهم كل الاعتماد لبناء المجتمع وإعطاء زمام الحياة الحرة لمن يستحقها ولمن يستطيع أن يقود دفتها أزاء الأخطار المحدقة من كل جانب. هكذا يجب أنْ نرى الشباب في جميع المؤسسات والخطط وكل عمليات التطوير المنتظرة، لا أن يكونوا ذيولاً ينتظرهم البؤس وقلة الحيلة في نهاية النفق.

ولو أنَّ الدول العربية مكنت الشباب من ممارسة الحياة السياسية الحُرة، ولو أنهم انخرطوا في الممارسات العمومية الواضحة بناء على ثقافة داعمةٍ ما كانت لتعاني مجتمعاتنا من حوادث انتحار هؤلاء هنا أو هناك. وألاَّ تنظر إليهم مثل نظرتنا إلى الكائنات السائمة الغارقة في التفاهة والأنشطة العبثية التي تقلل من إنسانيتهم. لأن انتحار الشباب هو( الورقة الحرة الأخيرة ) المعبرة عن غياب الإهتمام الجاد وانتشار القيود، وإغلاق منافذ الأمل أمام أهم شريحة من شرائح المجتمعات. والأسباب التاريخية والاجتماعية وراء ذلك معروفة تماماً وواضحة للعيان، وليس هناك داع لإحضار السحرة وإطلاق البخور للوقوف على أحوال هؤلاء البؤساء، لأنَّ الشباب لا يؤمن بالدجل إنما يأخذُ بالوضوح والعمل.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ماتشو بيتشو.. مدينة الأسرار والسياح • فرانس 24 / FRANCE 24


.. مقتل مهسا أميني.. عائلتها تروي تفاصيل الحادث، ماذا قالت؟


.. فريق سكوربيونز الغنائي والمفكر فرانسيس فوكوياما، ما الذي جمع




.. الكرملين: العملية العسكرية الخاصة مستمرة حتى السيطرة على منط


.. حمامة وفأر للتجسس في متحف وكالة الاستخبارات المركزية CIA