الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


فكرة الأخلاق في كتاب الايتيقا للفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا

البوبكري نورالدين

2022 / 7 / 15
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


كلما ازداد العقل علما ازداد فهما لقواه ولنظام الطبيعة وكلما ازداد فهما لنظام الطبيعة ازداد مقدرة وسهولة على تحرير نفسه من الأشياء التي لا فائدة منها
باروخ بيندكت سبينوزا


تقديم عام :
ولد باروخ سبينوزا بأمستردام سنة 1632، في أسرة يهودية برتغالية، وقد أراد أبواه أن ينشئاه تنشئة دينية... ثم التمس سبينوزا دراسة اللغة اللاتينية لدى فان دن انده، مما أضاء في عينيه نورا جديدا وساعده على اكتشاف فلاسفة القرون الوسطى،
وفلاسفة عصر النهضة، وفلاسفة العصر الجديد من أمثال بيكون وهوبز وديكارت، وفي سنة 1656 تم فصله عن الطائفة اليهودية وتم حرمانه من حقوقه الدينية. وفي سنة 1675،
بادر سبينوزا بطبع علم الأخلاق بعد أن قضى في تأليفه خمسة عشر عاما، إلا أنه عدل أخيرا عن طبعه عندما بلغه أن جمعا من العلماء ورجال الدين كانوا له بالمرصاد. وقد وافاه الأجل في الواحد والعشرين من فبراير سنة 1677.
وفي نفس السنة قام نفر من أصدقائه بنشر مؤلفاته دون ذكر اسم الناشر ولا مكان الطبع، مقتصرين على الحرف الأول من اسم سبينوزا ولقبه.
لا أحد ينكر أن فكرة الأخلاق كانت من بين أبرز وأشد الأمور تعقيدا من بين كل ما تحدث عنه "سبينوزا " في نسقه الفلسفي، خصوصا في كتابه علم الأخلاق ، والدليل على ذلك أن حديثه عنها جاء بطريقة تفوق غيره من الفلاسفة حتى أرسطو نفسه،
مرتبة ترتيبا رياضيا على الطريقة الهندسية بحيث ينطلق مؤلفنا من تعريفات وبديهيات ومسلمات إلى براهين وحواشي ولوازم، والتي تعطي للمسألة الأخلاقية قيمة حقيقية في ذاتها.
وكانت فلسفته الأخلاقية بمثابة ثورة فكرية على جميع أنماط الأنساق الفكرية التي عالجت مسألة الالله والنفس وأحوالها وانفعالاتها، والتي شاع صداها كل أنحاء أوروبا والتي جاءت كردة فعل عن الأزمة العميقة التي يعيشها الإنسان أنداك.

إن الأخلاق في فلسفة سبينوزا لا يمكن حصرها في كونها جزء من نسقه الفلسفي بل فلسفته كلها أخلاقية إنها حقا فلسفة السعادة والفرح والخلاص من القيود التي تربطنا بها انفعالاتنا، إذن فهي فلسفة عملية تحاول أن تضبط السلوك الإنساني انطلاقا من قوانين الطبيعة التي تشترك معنا داخل ما يسميه سبينوزا نفسه بوحدة الوجود والعقل هو الموجه لذلك.

إنّ الأبواب الثلاثة الأولى من كتاب علم الأخلاق رغم غرابتها في علاقتها بالأخلاق إلا أنها ستكون بمثابة زاد للقارئزاد للقارئ بالعُدة الفكرية الأولى لإدراك هذا المشروع الأخلاقي المتكامل
والذي يقوم على مبادئ تبدوا كأنها ميتافزيقية كمفهوم الخير الأعظم ومعاني الفوز بالسّعادة الحقيقية، وهذا كله جعل سبينوزا لا يهتم أساسا ببداهة المعرفة كما هو حاصل لدى ديكارت مثلا،
وإنّما اهتم بوضع المقدّمات المعرفية للتوغّل في مكنونات النّفس وتلمّس الطرق الكفيلة الموصلة إلى جوهر السعادة. وهذا ما جعل الفلاسفة والنّقاد يؤكدون على أنّ فلسفة سبينوزا هي فلسفة أخلاق السّعادة والفضيلة،
وهي فلسفة تبحث في أصل الانفعالات وفي طبيعتها كانفعالات الفرح والحزن، وهذه الفلسفة تربط الانفعالات بالعبودية والنقص والقصور أحيانا ،
ومن خلاها يتجلى البحث المستمر حول الخلاص والكمال الذي يؤديان حتما إلى البحث عن الخالق-الله – ومعرفته كونه الجوهر اللامتناهي والذي له صفات لامحدودة ، وما هذا الإنسان إلا حال من الأحوال المتناهية الجسم اللامتناهية الماهية ، والحال هو تغير طرأ على الجوهر ، إننا إذن أمام سلسلة من المفاهيم المتراصة المترابطة فيما بينها ، والتي حتما ستقودنا إلى وحدة الوجود .

كل الدارسين لفلسفة سبينوزا يؤكدون مدى تأثر هذا الأخير بعمق بفلسفة الرواقيين في اليونان القديمة وروما الذين زعموا بأن الحكمة الصحيحة لا تكمن في الاحتجاج والتمرد على كيفية سير الأمور ،
أي ما يجب أن يكون عليه الوضع ولكن الحكمة تكمن في المحاولات المستمرة لفهم تعقيدات العالم وكيفية عمله، ثم تقبل مفاعيل الضرورة التي لا مهرب منها في ذلك العالم، دون خوف أو غضب أو وجل ومن هنا تأتي أطروحة سبينوزا التي تقر بأنه لا شيء يدعونا للقلق ولا شيء يدعونا للفرح بل الكل يدعونا للفهم .

"قارن سينيكا – الفيلسوف المفضل لدى سبينوزا – الكائنات البشرية بالكلاب المربوطة في سلاسل تقاد من قبل ضرورات الحياة الذاتية والموضوعية في مجموعة متنوعة من الاتجاهات.
كلما زاد تعارض المرء مع ما هو ضروري، كلما زاد الخناق على المرء؛ ولذا فإنه يجب على الحكيم أن يسعى دائماً لفهم كيفية حدوث الأشياء في وقت مبكر من تشكلها" .
وهذا ما جعل المواقف الرواقية تسري في فلسفة سبينوزا بشكل مستمر وبوضوح .وبوضوح.

لعلّنا لا نبالغ إن قلنا بأنّ فلسفة سبينوزا ونسقه الأنطولوجي قد يكونان المحاولة الأقوى في تاريخ الفكر لبناء نظرية خالصة عن الوجود، ولعلّ نصّه الأمّ: “الإيتيقا” هو الآلة المفاهيميّة الأشدّ إحكاما في مجمل هذا التاريخ.
وعلّة هذا الأمر في نظرنا، هو كون سبينوزا قد سعى إلى بناء مذهب مادّيّ صرف لا يسلّم بشيء للنزعات الروحية أو الدينية، إذ أنّ سبينوزا هو في الحقيقة فيلسوف ماديّ، ومذهبه “فيزياء فلسفية”؛
فيزياء تنظر في الموجودات من جهة قوّتهاpoténtia وتركيبها المادّيّ، وليس من جهة ماهياتها الأخلاقية أو الدينية المجرّدة، فالأشياء عنده هي محض علاقات حركة وسكون؛ سرعة وبطء؛ فعل وانفعال، وليست أبدا جواهر وأعراضا أو صورا،

تبقى الصورة التقليدية لشخصية اسپينوزا هي صورة الفيلسوف المعتكف عن الناس، ً المنعزل عن العالم، الغارق في التأمل بين جدران بيته، بعيدا عن صخب العالم الخارجي ُ وضجيجه.
هذه الصورة التي ورثت عن مؤرخي حياته الأولى، لكنها ظلت هي التي يرسمها له أصحاب الاتجاهات التقليدية المحافظة. وقد اتخذت هذه الاتجاهات شتى الصور، ووصل بعضها إلى تشبيه فلسفته بالمذهب الهندوسي،
والتقريب بين صفات الله عنده وبين براهما. وبني رأيه في النفس والآراء الهندوسية في الروح والمسماة أتمن atmn وبين كتاب الأخلاق وكتاب الأوبانشاد
يتبع...








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. جزائري يستثمر في نوى التمر لاستخلاص زيت متعدد الاستخدامات


.. تسلسل زمني.. أبرز الهجمات التي ضربت باكستان خلال الأعوام الم




.. قصف بطائرات داخل الأراضي السورية لقوافل شاحنات قادمة من العر


.. باكستان: عشرات القتلى والجرحى جراء انفجار بمسجد داخل مقر رئي




.. بلينكن يدعو إلى اتخاذ -خطوات عاجلة- لإعادة الهدوء بين إسرائي