الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تاريخ روسيا – 15 شجار أحفاد ديمتري بطل الدون

محمد زكريا توفيق

2022 / 7 / 20
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


الفصل السابع عشر

كيف تشاجر أحفاد ديميتري بطل الدون، الملقب ب "ديمتري دونسكي".

بعد وفاة باسيل الأول (فاسيلي)، (1479-1533)، الأمير الأكبر لموسكو، اندلعت حرب أهلية بين أفراد عائلته. طالب شقيقه جورج (يوري) من جاليتش، بتطبيق قانون الخلافة الأبوي. وكونه الأكبر سنا في العائلة، فهو المستحق قانونا لعرش موسكو.

أيد إخوته الآخرون ابن باسيل، باسيل(نفس الاسم)، وهو فتى يبلغ من العمر عشر سنوات. استمر الشجار ست سنوات بين العم وابن أخيه. في النهاية، عرض الأمر أمام خان التتار.

فاز الأخ جورج أمير جاليتش بثقة الأمير التتري القوي، "تيجيني"، الذي وعده بالحصول على لقب الأمير الأكبر. باسيل الابن، كان يمثله إيفان، أحد نبلاء موسكو، وهو إنسان ذكي، بارع، مليء بالحيوية، قلّب أمراء التتار الآخرين على تيجيني نظرا لتحيزه للعم.

قال للأمراء: "من العبث أن نضع قضيتنا أمام الخان. فهو لا يمكنه معاداة تيجيني، وبإرادته يتم منح عرش موسكو لجورج، أمير جاليتش. وقد يمتد غضبه إلى ليتوانيا ، ويصبح تيجيني التتري أقوى منا جميعا".

رشقت هذه الكلمات في قلوب الأمراء مثل السهام. ثم توسلوا خاضعين للخان لكي يزكي باسيل. اقنع الخان، وأخذ يهدد تيجيني بالقتل، إذا تحدث مرة أخرى لصالح الأخ جورج.

طوال ذلك العام، 1432، كان هناك خلاف بين الأخ للأمير المتوفي وابنه على الحكم. أسس جورج حقه على العادات القديمة في بلده، وأحضر السجلات التي تؤكد حقه. ثم قرأ وصية ديمتري، بطل الدون، بخصوص كيفية انتقال الحكم. لكن قال إيفان مخاطبا الخان:

"يطالب الأمير جورج بالعرش، بسبب وصية والده. لكن الأمير باسيل، يطمع في كرمك. ويرجو أن تمنحه الحكم كما منحته إلى والده، باسيل ابن ديمتري. وهو الذي حكم بالفعل هذه السنوات العديدة، بدون أن يشكل أي خطر لسلطانك. لأنه من اختيارك وأمير رحمتك".

بهذا الإطراء، فاز إيفان بقلب الخان. ورجا جورج قيادة حصان ابن أخيه. وأرسل من يمثل باسيل في التتويج، الذي حدث لأول مرة في كاتدرائية الصعود في موسكو.

في نفس العام توفي، فيتوفت العظيم حاكم ليتوانيا. ربما يبدو غريبا أن هذا الأمير الطموح لم يستغل هذه الخلافات لتحقيق خططه في شبابه.

لكن الحظ لم يفضله، فقد كانت رعاياه متمردة، وتشاجر هو مع بطريرك القسطنطينية. وبينما كان الرجل العجوز يتوقع أن يتم الاعتراف به ملكا على ليتوانيا، كان سفراء سيجيسموند، وامبراطور ألمانيا ، يجلبون له التاج والصولجان، وكان البولنديون يؤمنون سلطته من البابا.

الأمير فيتوفت، الذي يبلغ من العمر الآن ثمانين عاما، أصيب بخيبة أمل ومات. كان بلاطه ملكيا في روعته. خليطا من بلاط الأمراء والملوك وخانات التتار والحكام والسفراء في ملامحها. كل يوم يقال إن سبعمائة ثور وأربعمائة خروف وطيور لا تعد ولا تحصى قد ذبحت لخدمة المجلس الأميري.

يدين الأمير باسيل بعرشه إلى النبيل الذكي إيفان، الذي وعده بالزواج من ابنته، لكن صوفيا المتغطرسة، ابنة فيتوفت، كان لديها تخطيطا أكثر طموحا لابنها باسيل.

فقد زوّجته من الأميرة ماريا، حفيدة فلاديمير الشجاع. أقاموا حفل زفاف كبير عام 1433، وكان من بين الضيوف ابنا جورج، باسيل وديمتري، الملقب بشيمياكا.

ارتدى باسيل ابن جورج حول خصره حزاما ذهبيا جميلا مرصعا بالجواهر، كان ذات يوم جزءا من مهر جدته، زوجة ديمتري دونسكي بطل الدون.

عرف ذلك أحد النبلاء القدامى وأخبر الأميرة صوفيا بالحكاية، وكانت حاضرة. فقامت بنزع الحزام من صاحبه، في المأدبة العامة. لم يتحمل الأخان هذه الإهانة. على الفور، غادرا المكان، وركضا إلى والدهما، الأمير جورج.

جورج ، بإلحاح من ابنيه وبعض نبلاء موسكو المهوسين، قام بسجن ابن أخيه باسيل المنافس له على الحكم. فبكي باسيل وتوسل له لكي يطلق سراحه.

العم، جورج ، على عكس نصيحة أبنائه، بدلا من إعدامه، أطلق سراحه، وأعطاه مدينة كوستروما. وأصبح جورج الآن الأمير الأكبر، لكنه وجد المنصب مجرد مجد فارغ.

لأنه، بمجرد أن علم رجال موسكو أن باسيل قد أصبح حاكم كوستروما، تركوا موسكو، كلهم، أمراء ونبلاء وقواد، والتفوا حول أميرهم المفضل، مثل شغالات النحل حول الملكة. مما أجبر جورج على السماح لابن أخيه بالعودة لموسكو، واعتلاء منصب الأمير الأكبر مرة أخرى. إلا أن جورج قد مات فجأة عام 1434، في سن الستين.

تلا ذلك حرب أخرى، وأخذ باسيل، الأمير الكبير، ابن عمه باسيل ابن جورج، سجينا، وفي نوبة غضب سمل عينيه. كان ندمه سريعا مثل غضبه . وكعمل من أعمال التكفير، أطلق سراح الأمير شيمياكا، حفيد ديمتري بطل الدون، الذي وعد بأن يكون حليفه المخلص.

في هذا الوقت تقريبا تم طرد الخان أولو من الحشد الذهبي. فجمع جيشا كبيرا من التتار والليتوانيين ونوفجورود، و "الصحابة الجيدين" من جميع الأعراق والألسنة، وأنشأ إمبراطورية في قازان على أنقاض "المدينة البيضاء" القديمة للبلغار. وبدأ في الاستبداد على قبيلة موردفا وجميع القبائل الأخرى في وادي الفولجا.

نما "أولو" بسرعة في السلطة والثروة، وسرعان ما اصطدم مع باسيل. ثم وقعت معركة بالقرب من موسكو. لعب شيمياكا دور الخائن. لم يتبق أمام باسيل سوى خمسمائة رجل لإحضارهم إلى الميدان، لكنه قاتل يائسا.

اخترق سهم يده، وفقد عدة أصابع بضربة سيف التتار، وفي النهاية، سقط وبه خمسة عشر جرحا، ووقع في أيدي الخان، الذي وجد في بلاطه حليفه السابق غير المخلص، محاولا تعيين نفسه أميرا كبيرا.

أبقى أولو باسيل سجينا لبضعة أشهر، ثم أطلق سراحه للحصول على فدية صغيرة. عاد باسيل إلى موسكو وسط صيحات الفرح من الناس. ومع عدد قليل من الأصدقاء ذهب إلى دير الثالوث، للصلاة أمام قبر القديس سيرجي، شكرا على إطلاق سراحه.

أثناء غيابه، ذهب ابن عمه شيمياكا إلى موسكو، مع الأمير إيفان من موزايفسك، وفرقة من المتآمرين. أخذ الكرملين على حين غرة، وأسر زوجة باسيل و أمه واستولى على كل كنوزه.

ثم أسرعوا إلى الدير يبحثون عن باسيل، الذي عندما سمع الاضطرابات، حاول العثور على حصان للهرب، لكن دون جدوى. فلجأ إلى كنيسة الثالوث، وأغلقوا الأبواب.

صعد أعداؤه الدرجات، فتعثر حصان إيفان وسقط من فوقه. وقف شاحبا كالجثة، مرعوبا من هذا الفأل السيء، وهو يسأل عن الأمير الكبير. كان باسيل يسمع صوته من الداخل، فقال له:

"أيها الإخوة، ارحموني. دعوني أبقى هنا. أنا لن أغادر الدير أبدا؛ سأصبح راهبا".

ثم أخذ الصورة، من قبر القديس سيرجي، وذهب إلى باب الكنيسة وقال للأمير إيفان:

" يا أخي، ألم نقسم بالصليب الحي، بهذا الصورة في هذه الكنيسة، وهذا القبر الذي يعمل المعجزات، ألا يضر بعضنا البعض؟ والآن أنا لا أعرف ماذا فعلت".

أجاب الأمير إيفان:

"يا إلهي، إذا فكرنا في أن نفعل لك أي ضرر، أصابنا نفس الشيء. ما نقوم به هو من أجل المسيحية، من أجل فديتك. لأنه عندما يعرف التتار بذلك، سوف يخففون من مبلغ فديتك".

عندما رأى باسيل الغدر، سجد أمام قبر القديس سيرجي، وأخذ يصلي وهو يبكي بكاء يدمي القلب. ومع ذلك، تم القبض عليه وهو يقول:

"إرادة الله غالبة".

تم إحضاره إلى موسكو، وانتقم شيمياكا لأخيه، وقام بسمل عيني الأمير الكبير باسيل، وأرسله لكي ينفى في مدينة بعيدة. ثم اعتلى شيمياكا العرش.

بسبب قسوة شيمياكا وظلمه، سرعان ما اكتسب كراهية كل رعاياه، الذين ظلوا دائما مخلصين لأميرهم الكبير السابق، باسيل سيء الحظ. وحتى يومنا هذا، عندما يحكم على أحد بحكم ظالم، يطلق عليه الناس "حكم شيمياكا".

جمع أصدقاء باسيل القوات في ليتوانيا، ومع مساعدة اثنين من أبناء الخان أولو، والعديد من الأمراء، خرجوا لملاقاة شيمياكا. حاول ملاقاتهم، وقبل أن يغادر موسكو، اندلعت الثورة ، وتم استعادة باسيل الأعمى منتصرا على العرش.

بعد ثلاث سنوات، "الشرس والعنيد" شيمياكا، كان غير قادر على الوفاء بكلمته. خرج بالسلاح مرة أخرى، لكنه هزم هزيمة منكرة من قبل سكان موسكو والتتار بالقرب من مدينة جاليتش.

بعد هزيمته، تمت إضافة البلاد التابعة له إلى موسكو. شيمياكا نفسه، لجأ إلى نوفجورود، وهناك قتل بالسم. ويمثل موته، راحة كبيرة لابن عمه باسيل الأعمى.

لم تتوقف نوفجورود عن توفير المأوى لأعدائه، أو عصيان قادته، وإظهار روح التحدي من أجل الاستقلال عنه. لذلك، قرر باسيل إضعاف اتحاد المدينة.

أرسل باسيل جيشا، وأجبر مدينة نوفجورود على الخضوع، و سيطرة موسكو الكاملة على شؤونها، ودفع الجزية التي تقدر بعشرة آلاف روبل. كما أجبر بوسكوف وفياتكا على الخضوع له.

ثم أحضر إلى موسكو أمير ريازان الشاب، الذي توفي والده للتو، وحكم المقاطعة بقائد عسكري. كما أنه وضع حفيد فلاديمير الشجاع في السجن، وصادر ممتلكاته، بالرغم من الخدمات العظيمة التي قام بها.

خلال عهد باسيل، كان السوط الجلدي المروع، ذو الحواف المجعدة، يسمى "الكنوت". تم اختراعه، واستخدامه بلا هوادة على رعاياه، سواء كانوا متمردين أم لا.

كان تيمور الأعرج قد هزم بايزيد الأول، الملقب بالصاعقة في أنقرة. لكن سرعان ما استعاد الأتراك النصر الكامل، وقاموا بالضغط بقوة على الإمبراطورية الشرقية.

كان يبدو أن الطريقة الوحيدة لإنقاذ أوروبا من طوفان هؤلاء الغزاة، هو الاتحاد في حملة صليبية عامة. واقترح عقد مجلسا في فلورنسا ومناقشة اتحاد الكنائس اليونانيين والرومانية.

إمبراطور القسطنطينية، الذي كان يأمل المساعدة من البابا وملوك الغرب، وقع على قانون الاتحاد، وحذا حذوه ثلاثة من نوابه، سبعة عشر مطران، ومجموعة أخرى من رجال الدين الأقل درجة.

من بينهم، إيزيدور مطران موسكو، الذي عاد من فلورنسا، مليئا بالحماس للمصالحة الكبرى. وفجأة، ظهر الصليب اللاتيني في الكاتدرائيات الروسية، واسم البابا الروماني بدأ يذكر في القداس.

لكن الأرثوذكس الروس، صدموا من التغيير، ولم يكن أحد أكثر غضبا من الأمير الكبير باسيل الأعمى. ووصف إيزيدور بالراعي الكاذب، ووبخه بالشتائم، لدرجة أنه كان سعيدا بالهروب بجلده إلى روما.

في عام 1453، سقطت الإمبراطورية البيزنطية، المحرومة من مساعدة الغرب، أمام عبقرية السلطان الشاب محمد الفاتح، الزعيم العثماني الذي أطلق ثمانين سفينة في ميناء القسطنطينية.

ثم قام بقتل الإمبراطور، ونقل قصره إلى سيراجليو، وحول كاتدرائية سانتا صوفيا الرائعة إلى مسجد. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت موسكو المقر الرئيسي للكنيسة الأرثوذكسية، وملجأ للفنانين والكتاب والكهنة من القسطنطينية، ورسل النهضة.

في وقت وفاة باسيل، ليتواني وامبراطوريات التتار كادت تخنق دولة موسكو الصغيرة. التي لم ينجح ثمانية أمراء متعاقبون في تحويلها إلى مملكة مستقرة.

ريازان وتفير، لا يزالان بمعزل عن الآخرين. وكانت نوفجورود وبسكوف جاهزتين تحت أي ذريعة، لاختيار أمرائهما من ليتوانيا، بدلا من موسكو. وكانت إمبراطورية الحشد الذهبي، تنقسم إلى عدة دول قوية. وكان الخان "أولو" يهدد موسكو من الشرق.

كان الخان توكتاميش، الذي يدعى أزي، قد أسس إمبراطورية في القرم، وسيطر على قبائل المغول ومجموعة قبائل أخرى، يونانية وقوطية وأرمنية ويهودية وإيطالية. هي من بقايا الفتوحات القديمة.

فلاح اسمه جيري، كان قد أنقذ الخان من الموت. وكعلامة من الامتنان، تم استخدام اسمه من قبل جميع خانات القرم. كان الملك كاسفمير، هو الملك القوي لبولندا وليتوانيا معا.

كان أمرا بالغ الأهمية في ذلك الوقت لروسيا، أن ينتبه الأمير الكبير لما يحدث بالنسبة لإعادة تنظيم دول أوروبا. شارل السابع، ولويس الحادي عشر، في فرنسا. التيودور في إنجلترا. فريدريك الثالث، وماكسيميليان في النمسا. فرديناند وإيزابيلا في إسبانيا، مدعومان بالثروة التي جلبت من العالم الجديد وراء البحار.

روسيا، كان مقدرا لها أن تتحرر من نير المغول، وقطعت خطوات جبارة في التقدم. عندما ولد الابن إيفان لباسيل الأعمى، ظهرت رؤية لراهب عجوز كان يعيش في نوفجورود. فجاء إلى رئيس الأساقفة وقال:

"حقا، لقد نصر الرب الأمير الكبير اليوم، وأعطاه وريثا. لقد رأيت أن هذا الطفل سيجعل نفسه ساطعا بالأعمال المجيدة. سوف يقهر الأمراء والشعوب. لكن الويل لنا. فسوف تسقط نوفجورود وتركع عند قدميه، ولن ترتفع أبدا مرة أخرى".

عند وفاة باسيل الأمير الكبير الأعمى عام 1462، كان إيفان ابنه يبلغ من العمر اثنين وعشرين عاما. قضى منهم عشر سنوات مشاركا والده في الحكم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لبنان وإسرائيل.. اتفاق الترسيم وعقدة التعديلات | #غرفة_الأخب


.. تركيا.. أردوغان يصدر مرسوما بتعيين أوزكان تورونلار سفيرا جدي


.. إسرائيل ترفض الملاحظات والتحفظات اللبنانية على مسودة اتفاق ا




.. قتلى في قصف تركي على سنجار شمالي العراق


.. إسرائيل ترفض التعديلات اللبنانية على مسودة اتفاق ترسيم الحدو