الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تاريخ روسيا – 18 كسر شوكة التتار

محمد زكريا توفيق

2022 / 7 / 27
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


تشاحنت وتنافست جحافل التتار الثلاثة، بعد أن كانت إمبراطورية واحدة. وصارت في خدمة الأمير الكبير الروسي إيفان الثالث.

عندما كان يطرد من عرشه، خان قازان، أو خان ساراي، أو خان القرم، كان يلجأ بما تبقى له من جيش، لكي يكون في خدمة إيفان، ضد نوفجورود أو ليتوانيا.

في عام 1467، قبل زواجه من صوفيا بخمس سنوات، أرسل إيفان جيشه ضد قازان. لكن بسبب ظروف الطقس، لم يتمكن من عبور نهر الفولجا، وعانى الكثير من المطر والبرد، وهلك العديد من جنوده أو ماتوا جوعا.

بعد عامين من هذا الفشل، قام في فصل الربيع باستعدادات كبيرة. أسطول من القوارب من جميع المدن على طول أنهار موسكفا، وأوكا، والفولجا، تم تجميعها في نوفمبر أسفل نوفجورود، حيث يخلق تجمع الأنهار بحرا داخليا. خاطب قادة الجيش الجنود بكلمات بليغة، تقول:

"كلنا يرغب في مواجهة التتار الملعونين، من أجل مجد الكنيسة، ومجد أميرنا الكبير، ونصرة الديانة الأرثوذكسية".

بعد شحن الجنود بالحماس الديني، وقيام الكهنة بتلاوة التراتيل الدينية اللازمة، انطلقوا إلى الأمام.

بعد نصب الخيام والاستراحة ليلتين على الطريق، وصلوا إلى قازان في الصباح الباكر. ثم هاجموا الضواحي على حين غرة، ومع صوت الأبواق، بدأوا في قتل التتار النائمين.

ثم أضرموا النار في المنازل الخشبية من جميع الجهات. سكان قازان الأصليون، بدلا من الوقوع أسرى في أيدي المسيحيين، أغلقوا أنفسهم في مساجدهم مع زوجاتهم وأطفالهم وبضائعهم، وهلكوا في النيران.

الروس، الذين سئموا الذبح والحرق، وكانوا غير قادرين على اختراق أسوار المدينة نفسها، نزلوا في جزيرة، وبقوا عدة أيام. في النهاية، جاء على عجل سجين هارب من قازان يقول:

"التتار قادمون عند الفجر بكل قواتهم وقواربهم، وفرسانهم."

عندما سمع الروس هذا الخبر كانت هناك ضجة كبيرة في المخيم. وتم إرسال الرجال الأصغر سنا في قوارب إلى جزيرة أخرى. واستعد الباقون للدفاع عن أنفسهم.

جاءت قوات التتار في تدفقات. حتى النساء، كانت تطلق السهام. لكن الروس، بلا هوادة، خرجوا لهم، ونجحوا في طردهم وإجبارهم للعودة إلى قازان.

كان صباح يوم أحد، الكهنة كانوا قد أدوا الخدمة، وكان الجميع يستعدون لتناول العشاء. فجأة ظهر التتار مرة أخرى. بعضهم في قوارب، والبعض الآخر على ظهور الخيل.

استمرت المعركة على الشاطئ طوال اليوم. السهام كانت تتطاير والسيوف تتشابك والحراب تتهاوى، إلى أن جاء الليل وأرخى سدوله على المعركة.

شعر الروس أنه من الأفضل التراجع. تبعهم التتار وكانوا في أعقابهم. فقامت مناوشات يدا بيد. أحد نبلاء إيفان، اكتسب شهرة كبيرة، بعد أن قفز وسط أسطول من زوارق التتار، كانت مربوطة ببعضها البعض، وقام بتشتيت التتار بهراوته.

بعد خسارة الكثير من الرجال، وصلت الفرقة المدافعة إلى نوفجورود السفلى في أمان.

كان إيفان لا يزال ممتثلا لخان الحشد الذهبي، بالرغم من أنه قد توقف عن دفع الجزية. إلا أنه لم يتوقف عن إرسال الهدايا في المناسبات. كان يبغي الحفاظ على السلم مع الجانب القوي للتتار، أحمد خان.

هذا الوضع، أحزن كثيرا زوجته، صوفيا، المفعمة بالحيوية، فقالت له:

"لقد فضلت أنا وأبي أن نفقد ميراثنا، على أن ندفع الجزية. ورفضت أنا أمراء وملوكا شجعان تقدموا لخطبتي. وجئت إليك. لكن وجدتك على استعداد لكي تقبل أن أكون أنا وأطفالي عبيدا لهم. فهل ذلك لأن مجموعة صغيرة قد رضت بالعبودة، لعدم قدرتها على الدفاع عن شرفك وإيمانك المقدس؟"

خرج إيفان عن حذره المعتاد عند سماعه كلام زوجته صوفيا. وعندما أرسل أحمد خان الحشد الذهبي مبعوثيه طالبا الجزية، بدلا من مقابلتهم، والامتثال لهم، وفرد البساط الأحمر لخيولهم، أخذ إيفان أمام أفراد بلاطه، ختم الخان وحطمه ورماه على الأرض. ثم أمر بإعدام كل أعضاء الوفد، ماعدا واحد، الذي صرخ فيه قائلا:

"ارحل! أخبر الخان أحمد بما حدث لختمه ولمبعوثيه، وقل له إن الشيء نفسه سيحدث له أيضا، إن لم يتركني في سلام."

خرج أحمد إلى ساحة القتال، وخرج إيفان لمقابلته بجيش من مائة وثمانين ألف رجل، مسلحين بالبنادق والمدافع. لكن مشهد جيش التتار، أصاب إيفان بالخوف.

مما جعله يتخلى عن جيشه، ويسارع بالعودة إلى موسكو، لكي يحتمي خلف جدران الكرملين. وكان الشعب ساخطا على مثل هذا السلوك من إيفان. وكانت الكهنة والنبلاء يتهامسون قائلين:

"لقد أغصبت، أنت أيها الأمير الأكبر، خان الحشد الذهبي بعدم دفع الجزية له. والآن، تتركنا تحت رحمته."

سعى رئيس أساقفة روستوف، فاسيان المسن، إلى إيفان في الكرمل ولامه بقوله:

"كل دماء المسيحيين تصرخ فيك، لأنك قد تخليت عن قضية المسيحية، وهربت دون أن تدخل في معركة مع التتار. فلماذا؟ هل تخشى الموت؟

أنت لست خالدا، ولكن إنسان فان. الذي لا يموت، ليس إنسانا، ولا ينتمي لعالم الطيور أو حتى الوحوش. أعطني أنا، الرجل العجوز، جيشك، وسترى هل سأدير ظهري للتتار أم أواجههم بشجاعة."

أرسل إيفان رسالة إلى ابنه، يأمره بالعودة إلى موسكو طلبا للحماية، لكن الشاب الشجاع أجاب:

"سأقابل الموت في أي مكان، ولن أعود إلى والدي."

لم يجد الأمير الأكبر إيفان، الذي حاصرته صلوات وتوسلات أمه ورجال الدين، بدا من أن يأخذ مكانه مع الجيش. فبارك المطران صليبه وقال:

" الرب يحفظ عالمك بقوة هذا الصليب المقدس، ويمنحك النصر المؤزر على أعدائك. كن شجاعا وصادقا يا بني. لا كأجير، ولكن كراع صالح، يهب حياته من أجل خرافه. ويسعى جاهدا لإنقاذها من الذئاب. ولسوف يعطيك الرب القوة، ويمنحك العون."

فردد وراءه رجال الدين: "آمين! ساعدك الرب."

انطلق إيفان، لكنه كان لا يزال يشك في قدرته على خوض المعركة. عسكر الجيشان، على جانبي نهر أوكا. اكتفيا بتبادل السهام والإهانات. ثم أرسل الخان أحمد مبعوثا يقول:

"أنا أشفق على إيفان. دعوه يأتي لي شخصيا، لكي يركع أمامي ويقدم فروض الطاعة، كما فعل آباؤه أمام والدي من قبل."

ثم بعث رسالة أخرى قال فيها:

" بما أن إيفان غير راغب في المجيء بنفسه، دعه يرسل ابنه، أو أحدا من إخوته، أو ما يراه من النبلاء."

حتى هذا، رفضه إيفان. لكنه حجم عن القتال. مما جعل صبر رجل الدين العجوز فاسيان، ينفذ ويرسل له رسالة يبدأها بالاتي:

"إلى المسيحي الأرثوذكس، والقيصر المتوج من الله والمقوى بالله، الساطع والمتألق على جميع أقاصي العالم، الأكثر مجدا وصاحب السيادة، الأمير الأكبر لكل روسيا"،

ويحثه فيها على إلقاء ضعفه جانبا، والتخلي عن التفكير في طلب السلام من الخان أحمد، الذي جاءت جيوشه لكي تلوث الكنائس وتعمل السيف في رقاب الناس. ثم كتب يقول:

"اخرج لمقابلة هذا الكافر أحمد. وتذكر أسلافك، الأمراء الكبار، الذين لم يحرروا روسيا فقط من الوثنيين، ولكن غزوا أيضا أراض أجنبية.

إيجور، الشهرة المقدسة، وفلاديمير، الذين أخذوا الجزية من القياصرة البيزنطيين. ومونوماك، الذي قاتل الكومان الملعونين من أجل الأراضي الروسية، وغيرهم الكثير الذين تعرفهم أفضل مني.

ما هي الشجاعة والبسالة التي كانت تعوز جدك، الأمير الكبير ديمتري بطل الدون، في مواجهة الأعداء الشرهين؟"

أكد إيفان لرئيس الأساقفة أن رسالته ملأت قلبه بفرح وشجاعة وقوة. لكنه تقاعس عن فعل أي شيء لمدة أسبوعين.

كانوا في شهر نوفمبر، والنهر مغطى بالجليد. التتار كانوا يتوقعون العبور من فوق الثلج قريبا. ورأى إيفان أن المعركة، باتت وشيكة.

فأمر قواته بتغيير مواقعهم ليلا. تسبب هذا في حالة من الذعر، سرت بين جنوده . لقد شعروا أن الأمر هو اعتراف بالضعف. فبدأوا في تراجع سريع ومربك. وانتهى بهم الأمر إلى رحلة فرار كاملة نحو "الأم المقدسة موسكو".

لكن، حدث واحد من أروع أحداث التاريخ. في صباح اليوم التالي، لم ير التتار الجيش الروسي على الضفة المقابلة للنهر. فشكوا في الأمر. واعتقدوا أن هناك كمين مروع، مثل الكمين الذي أقامه ديمتري بطل الدون ضد آبائهم.

انتشر الذعر المفاجئ عبر صفوف التتار. هم أيضا بدأوا في التراجع التام والفرار العام. تركوا خيامهم وأوانيهم. وعندما كانت قوات إيفان المحبطة، تعتقد أن التتار في أعقابهم، كانوا قد أخفوا أنفسهم بأمان وراء أسوار موسكو.

كان جيش أحمد، الذي لاحقه الخوف من الروس، في كامل طاقته أسفل نهر الدون. الجيشان العظيمان، كان يفر كل منهما من الآخر.

في عام 1480، وصل أحمد بالكاد إلى ضفاف نهر الفولجا، عندما تعرض لهجوم من قبل خان شيبان، الذي قتله، وسجن زوجاته وأطفاله. ثم أرسل كلمة إلى أمير موسكو إيفان، بأن عدوه العظيم قد قتل.

وهكذا نجد إيفان، ليس بقوة جيشه، ولا بواسطة حكمته، ولكن بمشيئة قدرية، قد صد غزو الحشد الذهبي. ورأى شعبه أنهم قد أساؤوا الحكم عليه. وتيقنوا أن سلوكه الجبان، كان حكمة، وهروبه كان مهارة.

كانت علاقات إيفان مع خان القرم، منجلي جيري، مختلفة تماما. فقد أرسل له مبعوثا، يلتمس بتواضع صداقته.

أجاب منجلي:

" أنا، منجلي جيري، القيصر بإرادة الله العليا، أمنح تحيزي لصالح أخي، وأقبل حبه وصداقته، ورغبته في السلام الدائم من الأولاد إلى الأحفاد. في كل مكان، سيكون صديقي صديقه، وعدوي عدوه".

استمرت هذه الصداقة طوال بقية حياة إيفان الثالث، وكانت مفيد في حربه ضد الحشد الذهبي، كما كانت مفيدة ضد أعداء خطيرين آخرين، هم الليتوانيين.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - توقيت
على سالم ( 2022 / 7 / 28 - 22:39 )
استاذ زكريا توفيق , يتزامن كتابه مقالاتك عن تاريخ روسيا بالحرب الحاليه بينها وبين اوكرانيا , انطباع الناس عن روسيا غير جيد ابدا بل وسلبى تماما , من المؤسف ان روسيا ظهرت على حقيقتها المجرده وكشرت عن وجهها الدموى القبيح امام العالم واختارت طريق الاباده وقتل الابرياء وهدم المدن على رؤس الناس المدنيين الاوكرانيين , قتلت اطفال وعواجيز ونساء بشكل بشع ومروع , دمرت مستشفيات ومدارس ومبانى حكوميه على رؤوس الناس بمنتهى الاريحيه والاجرام , يجب ان لاننسى ان قتل المدنيين فى الحروب ضد القوانيين الدوليه ومعاهده جينيف , هذه الحرب القذره سلطت الضوء على وحشيه روسيا واجرامها وتحديها للمجتمع الدولى ومبادئ حقوق الانسان , العالم سوف يقييم روسيا المعتديه المستعمره وشعاراتها الزائفه واكاذيبها الساذجه ودعايتها البلهاء

اخر الافلام

.. التلفزيون السوري: عملية الإنزال الأميركية في القامشلي أسفرت


.. نواب بالمعارضة الجزائرية يلوحون بالسعي لطرح تصويت بسحب الثقة


.. الرئيس التركي يقول إنه قد يلتقي بنظيره السوري بشار الأسد عند




.. المجلس العسكري في بوركينا فاسو يعين إبراهيم تراوري رئيسا جدي


.. مدرسة تشيكية توزع الأغطية على طلابها بسبب أزمة الطاقة