الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


منظور تطوري لتفسير الأخلاق: ردود على النظرة الدينية للأخلاق

كلكامش نبيل

2022 / 7 / 31
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


مؤخرًا، تكررت مناقشاتي مع صديق مسلم مثقف من سوريا، عن إشكالية الأخلاق وتفسيرها وفق المنظور اللاديني، حيث يرى أن هناك غياب للمعيار في الفكر المادي لماهية الصواب والخطأ، وأن النسبية تجعلنا غير قادرين على الحكم على الأشياء. وقد دعاني لحضور غرفة صوتية على كلابهاوس للاستماع لبعضٍ ممن يقولون أنهم سيبينون عجز المادية واللادينية على تفسير الأخلاق، أو كما يقولون "عدم وجود إلحاد أخلاقي". من جملة النقاشات، لخصتُ هذه الأفكار لوضع مفهوم تطوري للأخلاق.

النسبية والبراغماتية عامّة

في البداية، أعتقد أن الأخلاق نسبية وخاضعة للسياق، وأنه ليس هناك شيء صحيح أو خطأ، بشكلٍ دائم وفي كل الظروف، وأن المؤمنين أيضًا يعرفون ذلك ولكنهم يعيبون على التيارات اللادينية ذلك. الأخلاق برأيي نتيجة تطورية لضمان بقاء المجموعة أولا، والفرد ثانيا في سياقات أخرى، وأنها نتيجة لتلبية الحاجات المتغيرة وفق الظروف، وهي في كثيرٍ من الأحوال نفعية مصلحية، ولها جوانب ثقافية لا يمكن إغفالها، أي أنها ببساطة حصيلة عوامل كثيرة متباينة ونسبية ودائمة التغيّر. لا يمكن اختزال هذا الموضوع بالسؤال ما معيارك؟ الحرية؟ الحياة؟ أم المصلحة؟ هذا سؤال غير منطقي واختزالي، لأننا نتعامل مع كل مسألة بشكل منفصل وفي ظرف منفصل، ولتحقيق مصلحة منفصلة، وبالطبع محكومين بالبيئة والثقافة المحيطة، وحصيلتنا المعرفية التي تشكل منظورنا للحياة.

اللادينية تيارات كثيرة

الخطأ الآخر الذي يقعون فيه، نقاش ما يسمونه "أخلاق الإلحاد"، ولا شيء من هذا القبيل في العالم. الإلحاد موقف من وجود الإله، وانتهى الموضوع. هناك ملحدين قوميين سيقدمون مصلحة جماعتهم على غيرها، مثل الأديان بالضبط، لأنها أخلاق تحقق مصلحة جماعتها، وهناك ملحدين شيوعيين هدفهم الأخلاقي "المعلن" تحقيق مصلحة الطبقات الكادحة والمهمشة، وهناك ملحدين ليبراليين معيارهم الأساس حرية الفرد، مع أن الحرية الليبرالية في شكلها الأساسي حرية اقتصادية وليست اجتماعية، ولكن الافكار تتطور وتتغير. إذن، لا يمكن مناقشة شيء اسمه الأخلاق الإلحادية، بل أخلاق الليبرالية، النفعية، البراغماتية، وغيرها من تيارات فكرية. حتى الشخص المادي قد يكون ليبراليا، وقد يكون شيوعيا، وعليه لا يمكن نقاش التفسير المادي للأخلاق. المادية هي طريقة نظر للموجودات، وليس لعالم الأفكار. ولا قيمة لنقاش كيف تولد المادة العمياء أفكار، لأننا نقول بوجود جهاز عصبي متطوّر يولد الأفكار، والأفكار موجودة، وكتابتي هذه من بنات أفكاري وأنا أطبع على اللابتوب بإيعازات عصبية للأصابع لتجسيد أفكار يولدها الدماغ بناءًا على حصيلتي المعرفية ورؤيتي للحياة.

نسبية كل شيء
سوف نقول بوجود أخلاق طبيعية، وهو ما يسمونه بالفطرة أو الغريزة، ولكن هذه الأخلاق برأيي نتيجة لقوانين التطور وتحقيق بقاء الفرد.

لنأخذ موضوع القتل على سبيل المثال، كمبدأ أساسي يرفض الإنسان القتل لأنه يضر تطوريا بهدف بقاء الجنس البشري، ولكن التطور نفسه ليس الدافع الوحيد، فذات القتل يصبح مبررا للانتقام من قاتل أو معتدٍ أو شخص أضرّ بالمجموعة وبقائها، ولهذا قلت أن مصلحة الجماعة تطوريا قبل مصلحة الفرد في الغالب. في ذات الوقت، يقتل الإنسان من أجل التنافس ويدخل في حروب يبرر فيها قتل العدو، بل وقدّم البشر قرابين بشرية في العالم القديم. إذن، لا يمكن إنكار أن حتى الأفعال المرفوضة مبدئيًا لا تكون كذلك على الدوام، فإعدام القاتل طبيعي، وإن كانت هناك تيارات ليبرالية ترفضه اليوم وتراه فعلا بدائيا، وهناك تبرير للقتل في الحروب، بل ومن الدول المتقدمة تحت مصطلح collateral damage، وهذا يطبقه الجميع وليس الدين أفضل من غيره، إذ أن الأديان تبرر شن حروب لنشر فكرها، كما يفعل دُعاة نشر الديمقراطية، بل وبشكل أسوأ لأن الحروب الدينية تريد فرض الدين على كل فرد في البلد الذي يتعرض للغزو، وعليه يبررون قتل المختلف ولا يحسبونه مساويًا لهم في حال قتل أحدهم شخصًا من دين آخر، بل ويهدرون دم أشخاص ورسّامي كاريكاتير وغيرهم من أجل لا شيء حرفيا، وهذه ممارسة قديمة في الإسلام مثلا لأنهم قتلوا شعراء، ومنهم امرأة أم (كما قرأت في كتاب بالإنجليزية عن سيرة النبي العربي، كان قد اقترحه ذات الصديق من سوريا) لأنها تحدثت بالسوء عن محمد، وبالطبع قتل المسيحيون أيضًا الهراطقة وسلخوا الفيلسوفة هيابتيا وطاردوا الساحرات في القرون الوسطى من أجل أشياء تافهة على مقياسنا اليوم، لا يمكن أن تبرر القتل.

ولن ننسى الصراعات الدامية بين الكاثوليك والبروتستانت (آخرها في أيرلندا الشمالية في سبعينيات القرن الماضي)، وجحيم الصراع السني الشيعي الذي دمّر ويدمّر الشرق الأوسط، والصراعات بين الهندوس والمسلمين، وغيرها من أمور تشير إلى أن الدين لا يقدّم شيئًا جيدًا في موضوع القتل، بل قد يوفر دوافع إضافية للقتل، ولا أقصد هنا أنه لن يكون هناك سلام بغياب الأديان، كما يقول بعض الحالمين من الملحدين، بل أن الدين قد يكون سببًا لحروب دامية أيضًا.

حماية الملكية الخاصة

في مجال السرقة، أجد أن منعها تطور طبيعي لمفهوم الملكية الخاصة، وهذا نراه في الأطفال الذين يبكون عند أخذ شيء يخصهم ويطلبون عون من يكبرهم، وقد يضربون بأنفسهم اللص الصغير لاسترداد حقهم عندما يكبرون. وعليه، وجد الأثرياء والمتنفذين ما يضمن حقوقهم عند تشكّل المجتمعات الأولى، وهذا يفيد الجميع بما فيهم المزارعين الذين تعرضت محاصيلهم لهجمات الشعوب الرحل عبر العصور. بالمثل، لم يكن الدين أول من منع السرقة، بل مجرد تطور طبيعي لأفكار وحاجات البشر. كما أن الشعوب عبر التاريخ، ما ان تمتلك القوة، حتى تبرر نهب الشعوب الأخرى، وكذلك برّرت الثورات العلمانية (الفرنسية والروسية) نهب الأثرياء والأرستقراطيين بحجة سرقتهم قوت الشعب والفقراء، وكذلك فعل الشيوعيون بتبرير نهب الرأسماليين، لم يكن الدين (ولاسيما الإسلام) سوى استمرار براغماتي لعقل البشر في تبرير السلب والغنائم في الحروب، وتاريخهم حافل بالهجمات على القوافل والبلدات الآمنة (كما قرأتُ في ذات الكتاب الذي أصبح كصندوق بانادورا لكثرة ما أضاف لي من معلومات)، وعليه الدين وغيره يتبع معيار براغماتي في موضوع السرقة أيضًا.

الاغتصاب وخلل مبدأ السعادة في تفسير الأخلاق

بسبب أحد التعريفات الليبرالية للأخلاق على أن هدفها زيادة سعادة المرء وتقليل ألمه، ناقشني بعضهم في موضوع الاغتصاب وألحوا في هذه النقطة. حيث زعموا أن اللاديني لا يمكنه القول بأن الاغتصاب سيء لأنه، وفق التعريف الليبرالي، يزيد اللذة ويرفع الأدرينالين ويحقق سعادة المغتصب، ولكنهم نفوا المبدأ الآخر في الليبرالية وهو أن الأمر يتم في غياب موافقة الطرف الآخر وانتهاك حريته، وأننا أحرار ما لم نضرّ. وعند ذكر ذلك، يقولون ما سبب تفضيلك لألم الضحية على سعادة المعتدي؟ ولماذا قمعت حرية المغتصب في حصوله على سعادته؟ ويحاولون أن يقولوا أنه ليس في إمكاني القول بأن الاغتصاب سيء، مع أننا نقول أن المعيار هنا هو انتهاك حرية الآخر.

هنا، تراهم يحاولون إلزامك بتعريف السعادة واللذة، في حين أنني أتبنى تعريفا تطوريا للأخلاق، وأن الاغتصاب مرفوض في الأساس لأنه في العصور القديمة كان يسفر عن طفل، ولا ترغب الأسرة في الانفاق على طفل من علاقة غير مرغوب فيها. لقد كان الانسان ينظر للموضوع من نظرة امتلاك للمرأة في العصور القديمة، وهي نظرة بطريركية تطورية، وليست دينية بالأساس، ولهذا السبب كان المغتصب في "الكتاب المقدس" يُرجم حتى الموت في حال اغتصاب فتاة مخطوبة، لأنها مرتبطة برجل آخر، ولكن سفر التثنية، يقول شيئًا آخر في حال لم تكن الفتاة مخطوبة، حيث يقول: تثنية 22: 28-29 "إِذَا وَجَدَ رَجُلٌ فَتَاةً عَذْرَاءَ غَيْرَ مَخْطُوبَةٍ فَأَمْسَكَهَا وَاضْطَجَعَ مَعَهَا فَوُجِدَا. يُعْطِي الرَّجُلُ الذِي اضْطَجَعَ مَعَهَا لأَبِي الفَتَاةِ خَمْسِينَ مِنَ الفِضَّةِ وَتَكُونُ هِيَ لهُ زَوْجَةً مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ قَدْ أَذَلهَا. لا يَقْدِرُ أَنْ يُطَلِّقَهَا كُل أَيَّامِهِ". وهذا يعني أنها عوملت كملكية لوالدها وتم إرضاء الوالد وحل المشكلة بالزواج، وهو ما تطبقه الكثير من المجتمعات في الشرق الأوسط اليوم كأعراف.

ولكن، هل توفر الأديان فعلا إدانة للاغتصاب بشكل عام؟ في الحقيقة لا، لأنها توافق على السبي، وزواج حتى المتزوجات ممّن وقعن في الأسر، وستجدهم يبررون ذلك بأنهن عوملن بشكل جيد وأنه قد تم الزواج منهن، وكأننا لا نعرف ما تعنيه ملك اليمين في الإسلام. علاوة على ذلك، طوّر البشر بمرور الوقت مفهوم الاغتصاب الزوجي – وإن لم تقرّه العديد من الدول حول العالم من ثقافات مختلفة، وهذا دليل على أن العقل البشري يطوّر أخلاقيات جديدة، ويغيّر رؤيته للعديد من الأمور. في العصور القديمة، الزوجة ملك للرجل ولا يمكنها الاعتراض، ولكن الأخلاق المعاصرة ترى الموضوع بشكل مغاير ووعي جديد. باختصار، لم يكن الدين شيئًا عجيبا في رفضه للاغتصاب بل انعكاس للحاجة والمجتمع، وبصورة براغماتية تخص جماعته وتوقع الأذى وتبرر اغتصاب الخصوم، فعن أيّ تفوّق أخلاقي يتحدثون؟

زنا المحارم: اجتماع البيولوجيا والاجتماع

وعن موضوعهم الأثير زنا المحارم، يمكننا تفسيره بشكل دقيق وتطوريا أيضًا. يكرر المسلمون في نقاشاتهم هذا السؤال دائما، وكذلك الحال مع سائق سيارة أجرة قبطي صادفته ذات مرة في القاهرة، في عودتي من كلية الطب إلى المنزل، حيث قال: ما الذي يمنع الملحد من زواج أمه؟ في الواقع، كنتُ أجد ذلك سخيفًا وغير منطقي ولكن بعض المتطرفين النيو-ليبراليين الذين يطالبون الآن بزواج الآباء والأبناء جعل هذا السؤال يستحق الرد. تطوريًا، يزيد زواج الأقارب من حدوث التشوهات الخلقية وربما لاحظ الانسان بمرور الوقت ذلك وحاول التوقف عن هذه الممارسة، حيث تزداد نسبة حدوث مثل هذه التشوهات وخطورتها كلما زادت القرابة، فضلاً عن السبب الاجتماعي المتمثل في النزاعات بين أفراد الأسرة (وهذا ما يذكره الكتاب المقدس أصلا عن أول جريمة بين الشقيقين قايين وهابيل).

مع ذلك، المسألة ثقافية صرفة وتطورت بشكل مغاير وفق الثقافات المختلفة. ففي مصر القديمة، وبسبب وراثة الملكية عبر ابنة الفرعون لزوجها، كان ضروريا قبول زواج الأخ والأخت في صفوف الفراعنة على الأقل، وليس العامة، لضمان انتقال الملكية للابن في النهاية، وبالفعل تسبب ذلك في تشوهات خلقية كثيرة، منها للملك الشهير توت-عنخ-آمون المولود لوالدين أخوة، والذي توفي في الثامنة عشرة من عمره. ذات الأديان الإبراهيمية، تقول أن الوضع تغير بتغير الظروف، وأن أبناء "آدم"، حسب قصتهم، تزوجوا أخواتهم لقلة السكان، وتغيّر الوضع بعد ذلك.

في الواقع حتى تعريف زنا المحارم ليس موحدًا في جوانب عديدة، فمع الاتفاق العالمي على منع الزواج بين الأبناء والبنات والآباء، نجد أن المسيحية تمنع الزواج بين أبناء وبنات العمومة والخؤولة، في حين أن الأمر ليس كذلك في أوساط العديد من اليهود والمسلمين، بل أن الظاهرة منتشرة جدًا بين الأخيرين. ببساطة، في المنظور المسيحي، المسلم يمارس زنا المحارم. في ذات الوقت، يمكن للخال تزوج ابنة اخته في اليهودية. عندما نقرأ أن الثورة الفرنسية أوقفت تجريم زنا المحارم، وتفكر اليوم بإعادة منعه، سيصرخ المسلم ضد الليبرالية، لكنه لن يعرف أن هذا الفعل في المسيحية يشمل زواج أبناء العمومة والخؤولة، وهو ما يمارسه عبر العصور. بالطبع، يمنع الهندوس في ولايات كثيرة الزواج بين أبناء العمومة من الدرجة الأولى، فهل يتفوق الهندوس أخلاقيا على المسلمين؟. هذا يسقط بحد ذاته حجة المسلمين حول عالمية الموضوع بحجة وجود دين أولي تعرض للاندثار بمرور الوقت، وهي مجرد فرضية لا أكثر، ولا تؤيدها أغلب الأبحاث الأنثروبولوجية، مع اعترافي أن لا شيء مؤكد في عصور ما قبل التاريخ. بالطبع، كانت هناك شعوب ترث زوجات الأب، غير الأمهات، فيسمح لهن بالزواج من الأبناء بعد وفاة الأب. عليه، لا يوجد اتفاق شامل على الفروع، وأن الموضوع ثقافي بحت، والزواج بين القرابات من الدرجة الأولى غير ممكن نفسيا في الغالب وتطوريا بسبب التشوهات، وليس الدين من منعه.

عشوائية سن البلوغ؟ عشوائية عدد الزوجات!

وفي موضوع القاصرات، لن أدين الفعل في العصور القديمة لأنه كان يحقق غاية بقاء الجنس البشري بسبب قصر أعمار البشر (وفيات دون الثلاثين في الغالب) وقلة السكان وكثرة وفيات الأمهات والأطفال، فضلاً عن غياب التعليم ونضج الأبناء جنسيًا وقصر فترة الطفولة في الأساس، وعليه لن نناقش الماضي كما يفعل الكثير من العلمانيين السطحيين، لكن الوضع الآن تغير، وزاد عدد البشر ولم يعد هناك حاجة لذلك، وعليه تم تحديد سن محدد للزواج، وفي الغالب 18، وهنا يأتي المسلم ليقول: لماذا هذا الرقم العشوائي؟ لماذا تعتبر فتاة في سن 17 عام و8 شهور قاصرة؟ وما الذي سيتغير خلال أربعة شهور مثلا لتصبح قادرة على الزواج؟ وأقول أنه محق، ولكن هناك قوانين أخرى كثيرة سيقول عنها أنها بلا منطق: السياقة في سن 18، وحيازة السلاح وشرب الكحول والتدخين؟ من قال أن هناك مشكلة في أن السن المختار اعتباطي؟ لا شيء. وعليه أقلب الطاولة عليهم واقول: لماذا تسمحون بالزواج من أربعة نساء؟ لماذا لم تقولوا ثلاثة؟ أو ستة مثلا؟ لا شيء، رقم اعتباطي مثل سن ال 18. المشكلة النيو-ليبرالية هنا تكمن في رفض زواج القاصرات وموافقتهم على ممارسة الجنس للقاصرات، مع أن أخطار الحمل وغيره واحدة، وعليه يوقعون التيار العلماني، أو بعضه، في تناقض نحن في كل الغنى عنه.

تعدد الأزواج يعارض البطريركية

أما موضوع تعدد الأزواج للنساء، فهو مرفوض لسبب تطوري أيضًا يتعلق بالمجتمع البطريركي الرافض للانفاق على طفل لا علاقة له به، لأنه تطوريًا يريد خدمة جيناته ونقلها لا أن يكدّ للانفاق على طفل من رجل آخر، وأقول أنه ينفق لأن المجتمع الزراعي كان يعتمد في الغالب على عمل الرجل، وكانت المرأة تحتاج لرعاية الأطفال لفترات طويلة، بسبب طول فترة طفولة الإنسان. المجتمع البطريركي ضرورة تطورية وليس نتيجة انقلاب ذكوري كما تزعم النظرية النسوية الهزيلة. والمفاجأة أن من منع هذا الشيء عالميا هو الرجل، مقابل رعاية المرأة، ولهذا السبب أوجدوا الوصمة الاجتماعية لمن تمارس الجنس مع العديد من الرجال، حتى لا تكون خيارًا مستساغًا للكثيرات، أي أن الوصمة وجدت لتقليل شعبية ومقبولية الفعل. كما أن أوروكاجينا، الملك السومري الذي حكم في حدود 2400 قبل الميلاد، وأول "مصلح" في التاريخ، قد قضى برجم المرأة التي تعدد الأزواج، وهي عقوبة بشعة الآن، لكنها تعكس أن الانسان طوّر لحاجاته مثل هذه القوانين بدون الحاجة لليهودية أو الإسلام وبدون أن يسمع بوذا.

منع العبودية إبداع علماني

وعن العبودية، يقولون أن الإسلام جعل هدف تحرير العبيد أساسيًا في كثير من الجوانب، وكتكفير للعديد من الذنوب، وربما يكون ذلك صحيحًا، ولكنهم في النهاية لم ينهوا الممارسة، بل واستعبدوا الخصوم وتاجروا فيهم، ولم تنته العبودية إلا مع القوانين الحديثة في مطلع القرن العشرين، بفضل الغرب. ومع ذلك، بقيت العبودية حتى الستينات في السعودية وحتى العقد الماضي في موريتانيا، ومارس المسلمون الاستعباد في هجومهم على قرى الأيزديين ونقلوا السبايا إلى سوريا في عام 2014. بالمثل، كانت اليهودية تمنع استعباد اليهود لليهود، وكانت تحض، مثل قوانين بابل، على تحرير العبيد بمرور عددٍ معين من السنوات مثلا. بالطبع، أفهم أن العبودية في الحروب كانت طبيعية سابقا لعدم وجود معسكرات اعتقال وسجون ضخمة للأسرى، ولهذا كان يتم بيعهم، ولا أتوقع من الأديان، البشرية بالطبع، معارضة عصرها والمجيء بشيء جديد، ولكن تطوير البشر اليوم لقوانين أفضل وأكثر إنسانية تمنع العبودية يسقط سؤالهم من الأساس: ما مصدر الأخلاق؟ وعينا وعقلنا. لقد أوقفنا العبودية في العصر الحديث من خلال مفكرين بوعي جديد، ولم نحتج لآلهة ولا أنبياء لفعل ذلك، وحتى العصور القديمة ولّدت قوانين من وعيها وحاجتها وما يحفظ مصلحتها، وما الآلهة والأنبياء إلاّ وسيلة ذكية لفرض القوانين، ولم تعد هذه الوسيلة ضرورية اليوم للعديد من الناس. كما طوّر المشرّعون اليوم قوانينهم بأنفسهم، وبشكل أرقى، طوّر القدماء قوانينهم لوحدهم.

أخلاق ثقافية

وعن تفاصيل كثيرة أخرى، وغير أساسية، نرى أن الأخلاق مجرّد حصيلة ثقافية، خاضعة للجغرافيا وتجارب الشعوب ورؤيتهم للحياة، فتقبيل الرجل للرجل مقبول عند العرب وسكان البحر المتوسط ولكنه مُستهجن عن شمال وغرب أوروبا، في حين أن تقبيل الرجل للمرأة مقبول في الغرب وطبيعي، وغير مقبول عند المسلمين، ولا يصافح المسلم واليهودي المتدين المرأة لسبب ثقافي محض، فلن تحترق يده ولن تحترق شفة الآخر إذا ما صافح أو قبل امرأة. بالطبع، هناك ثقافات شرقية وآسيوية تشجع على تقبيل يد كبار السن وذوي الشأن، وهذه تتغير وفق الطبقات حتى داخل ذات المجتمع، وتفسيرها بالطبع مرتبط بحاجة تطورية لبقاء كبار السن موضع احترام وتوقير بعد أن يضعفوا، لأن الانسان يلد ليجد من يسنده في كبره، وهذه حاجة طبيعية في العصور القديمة، وربما إلى يومنا هذا، أي أن السبب التطوري حاضر هنا أيضًا.

براغماتيون رغم أنوفنا

في النهاية، هل نخطيء في تقديراتنا؟ نعم، نخطيء ونطوّر وعي جديد ونصحّح وهذا بحد ذاته تفوق على القوانين الدينية الثابتة، وليس عيبًا أبدًا. العيب هو الجمود في قوانين بدائية غير قابلة للتغيير وتقديسها وكأن شخصًا رعى الغنم قبل آلاف السنين يعرف أكثر منك حاجاتك الراهنة.

وبعد كل هذه التفسيرات المنطقية، يصرّ المؤمنون أن لا معيار لدينا في تفسير الأخلاق ودعمها، وأننا براغماتيون نفعيون، مع أنهم في النهاية كذلك ومعيارهم مصلحة جماعتهم. الدين منطلق قبلي يحقق مصلحة الجماعة، ولا أقول أنه سيء بالمجمل، ولكنه أحد المعايير الأخلاقية ولم يجلبها سوى لتحقيق مصلحة جماعته وخاضع للبراغماتية والنفعية وقوانين البقاء الطبيعية، وليس منفصلا عنها.

في نهاية النقاش الطويل، وبعد مشاركة شاب مسلم آخر من دمشق، ويقيم في أنقرة، واستعدادي التام لسماع وجهة نظره وشرحه الجيد للموضوع ووجهة نظرهم في الأخلاق، وأعترف بذلك لأنني منصف، لم يكن جواب الأخير سوى أن معاييرهم صحيحة لأنها من "الله" وأنه يعرف كل شيء وما هو صواب وما هو خطأ، وانتهى بوصفي بالحمار وقوله أنه لا يحترم غير المؤمنين، ليسيء الأدب في غرفة عن نقاش الأخلاق ويا للعجب! اعتذر الشاب فيما بعد، من باب الإنصاف أيضًا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الأحزاب اليمينية تنتهج سياسات قومية متشددة لا يفوقها تشددا إ


.. بين الخروج على مبارك، ورحيل مرسي، كيف برر الإخوان الموقف؟ |


.. -الإخوان- يدافعون عن شيخ الأزهر؟!!وقرار أوبك بلس.. تقني أَم




.. الأحزاب السياسية في ألمانيا تتعاطى براجماتيا مع الجماعات الإ


.. الدين في مواجهة العلم.. عالم دين وطبيب في نقاش حول تحريم وإب