الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


أستاذ الجامعة ... نماذج

أحمد فاروق عباس

2022 / 8 / 2
التربية والتعليم والبحث العلمي


فى المهنة التى أنتمى إليها ، هناك نماذج مختلفة ، ومثلها مثل أى مهنة أخرى ، يعمل بها ويمارسها بشر ، وبها كل ما فى البشر من نوازع الخير والشر ، ونزوع إلي المُثل العليا ، أو تهاوى إلى التكالب على الحياة ومغانمها ..
وفيها نماذج متعددة ، وهى نماذج تمثل صورة الحياة باختلاف مراحلها وتقلباتها ، وتطور الزمن وما يفعله بالمهن ، كما يفعل فعله فى كل شئ آخر ..
وهذه بعض من تلك النماذج :
١ - نموذج " محطِّم التقاليد " الذى - ربما - يتحول مع مرور الزمن إلى رجل محافظ : وأبرز امثلته طه حسين ، الذى بدأ ثائراً وانتهى محافظاً ، فالرجل الذى بدأ حياته العلمية بكتابه العاصف " فى الشعر الجاهلى " الذي وصل فيه إلى نقاط لم يصل إليها شرقى من قبله فى النظر إلى التاريخ والدين ، نفس ذلك الرجل هو من كتب بعد ١٠ سنوات كتب مثل الفتنة الكبري والشيخان ، وتوقف العقل الكبير فى المنتصف خوفاً ورهبة من رد فعل الجماهير والمؤسسات معاً ، ومشى - كما غيره - فى طريق السلامة حتى آخر حياته ، ومثله وإن بدرجات أقل لمعاناً شخصيات جامعية مثل منصور فهمى ، ونصر حامد أبو زيد ، وهذا النموذج وإن كان شائعاً فى جامعات الغرب - حيث الحرية الفكرية فى الجامعة مقدسة ، ولا يستطيع من هو خارجها من الجماهير أو المؤسسات الدينية أو السلطة العبث بها - إلا أنه ليس شائعاً فى الشرق ..
تنتشر هذه النماذج فى الغرب وتقدم اسهاماتها ، وتضفى على الحياة الفكرية ومعها الحياة السياسية وكافة أوجه الحياة نوع من الحيوية ، والجدل والنقاش الهادئ أحيانا والصاخب أحيانا أخرى ..

٢ - نموذج " المتفاعل مع محيطه " فكراً وعملا ، ومن امثلته الدكتور لويس عوض أستاذ الأدب الانجليزى بأداب القاهرة ، وقد نشر د لويس فكره وترك أثره في جامعته أولاً ، وكان مثلاً يأخذ طلبته بعد المحاضرات للاستماع فى جلسات الجرامفون إلى الموسيقى الكلاسيكية العالمية ، محاولاً تربية وجدانهم بعد تربية عقولهم ، والانتقال من أشعار كيتس و ت اس اليوت ، وأدب برنارد شو وديكنز إلى موسيقى فاجنر وبيتهوفن وشوبان ، وبعد صدامه مع السلطة عام ١٩٥٤ تم فصله من الجامعة ، ليعمل بعدها مشرفاً على صفحة الرأى فى الأهرام ، ويفعل في الصحيفة الكبرى ما فعله فى الجامعة الكبيرة ، ومن ذلك النموذج أيضاً شخصيات مثل الدكتور عبد العظيم أنيس أستاذ الرياضيات بعلوم عين شمس ، وأحد أقطاب الحركة الاشتراكية والثقافية فى مصر من الخمسينات إلى التسعينات ، ومثله الدكتور أنور عبد الملك ، والدكتور غالى شكرى ، والدكتور جلال أمين أستاذ الاقتصاد فى الجامعة الأمريكية وغيرهم ..

٣ - نموذج " القابع في صومعته " ، الذي ترك الدنيا وما فيها ، وأغلق على نفسه باب بيته قارئاً وباحثاً ثم مخرجاً لمؤلفات عظيمة القدر ، وتاريخنا كله ليس به سوى شخص واحد ، كانت لديه الطاقة النفسية والعقلية لفعل ذلك ، وهو الدكتور جمال حمدان ، أستاذ الجغرافيا بجامعة القاهرة ، الذي عاد من بعثته في لندن ليعمل فى جامعته لسنوات معدودة ، يعود بعدها بعد صدامه مع قيادات الكلية والجامعة إلي بيته ، وليتفرغ إلى أعماله الكبيرة مثل : أنماط من البيئات ، واستراتيجية الاستعمار والتحرير ، ثم عمله الخالد " شخصية مصر .. دراسة فى عبقرية المكان " فى أربعة أجزاء ، وعدد صفحات تعدى أربعة ألاف صفحة ونصف ..
وقد تجاوز أثر د. جمال حمدان ألاف الطلاب الذين كان من الممكن أن يدرس لهم لو كان موجوداً فى كليته ، إلى التأثير فى عقول الملايين من أبناء مصر ، لقد كان رجلاً عظيماً ، ومازال وسيظل ..

٤ - نموذج " الباحث عن المناصب " ..
أساتذة الجامعة فى الدنيا كلها ينتمون إلى فئة الفنيين أو التكنوقراط ، ولا ينتمون إلى فئة السياسيين ، وفى الغرب مثلاً يعمل كثير منهم فى الإدارات والوزارات المختلفة فى نطاق تخصصاتهم كخبراء ، ولمدد محددة ، أما المناصب السياسية فلم يكن من العادة أن يتولاها أساتذة الجامعة ، باستثناءات محدودة جداً ، مثل الدكتور هنري كيسنجر ، الذى درس المحاسبة فى بلده ألمانيا ، ثم بعد هجرته إلى أمريكا درس العلوم السياسية والتاريخ ، وكتب رسالته للدكتوراه عن مترنيخ وصنع السلام بعد الحروب النابوليونية ، ليعمل مستشاراً فى حملة روكفيلر للرئاسة عام ١٩٦٨ ، وعند سقوطه عمل مع منافسه ريتشارد نيكسون مستشارا للأمن القومي ، ثم وزيراً للخارجية ، وهو نموذج غير متكرر في الغرب كثيراً ، لكنه نموذج متكرر - جداً - عندنا فى مصر ، والسبب أن وعى الطبقات الاجتماعية ونموها لم يصل إلى درجة تكوينها لأحزابها التى تدافع عن مصالحها عن طريق التنافس على سلطة القرار في الدولة ، واستئجار السياسيين الذين يمثلون تلك المصالح ويعبرون عنها ، ويعملون كرؤساء للجمهورية أو وزراء أو رؤساء محافظات ، ولما كان ذلك متعذراً فى مصر لعدم توفر شروطه الموضوعية ، كان اللجوء إلى " الخماسى الشهير " الذي يتولى أغلب المناصب السياسية فى مصر وهم : العسكريون - أساتذة الجامعات - الأمنيين - رجال القضاء - كبار موظفى الجهاز الإداري للدولة ( ومنهم مهن مثل المهندسين / الأطباء / الكيميائيين / الزراعيين ... إلخ ) ..
ومن هنا كان تطلع فئات من أساتذة الجامعة إلى العمل السياسى ، وتولى مناصبه الكبيرة ، وقد لعبت تلك الكأس برؤوس كثيرة ، أكل كثيرون منها الشهد ، وذاق كثيرون منها الدموع ..

٥ - نموذج " أستاذ الجامعة الموظف " ..
وليس فى ذلك تقليلاً من قيمة أحد ، فكلنا عشنا ونعيش في هذه المرحلة ، ولكنه تعبيراً عن ظاهرة تنفرد بها الجامعات المصرية ، وهى كثرة الأعباء الإدارية والتنظيمية على كاهل أستاذ الجامعة المصري طوال العام ، فمن العمل في التدريس ، إلى إعداد الامتحانات ، إلى الإشراف المباشر عليها ، إلى العمل في الكنترولات حتى ظهور النتيجة ، وامتحانات التخلفات والتصفية ، ثم الإعداد للعام الدراسي الجديد من وضع الجداول وطبع الكتب ... إلخ ، وهى مهام تستنزف قدرات أستاذ الجامعة العقلية والصحية ، ويجب القول أن الكثرة الغالبة من أساتذة الجامعة المصريين يدخلون ضمن هذه الفئة ، وهم ملح الأرض للجامعة المصرية ، وعلى أكتافهم وبمجهودهم تقوم الجامعات المصرية وتعمل ، وإن كانت اعباءهم الوظيفية تمنع امتداد اثرهم خارج حدود جامعاتهم ..

٦ - نموذج " أستاذ الجامعة المهاجر ، أو الباحث عن المال " ..
وليس فى ذلك ما يشين أيضاً ، فكلنا يعلم طبيعة وصعوبة الحياة فى مصر ، وكثرة أعباء الحياة المادية ، وهو ما فتح الباب أمام عشرات الآلاف منهم للعمل في الخارج ، ويعرف أساتذة الجامعة فى العالم المتقدم السفر إلى مهام علمية ، ولكن غيرهم يسافر بحثاً عن المال ، يرمم به حياته ، ويدفع به غوائل الزمن وتقلباته ..
.. وفى النهاية ، أي من تلك النماذج أفيد ، والأهم .. أيهم أبقى ؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ناسا تحاول تدمير نيزك بحجم هرم الجيزة في مصر.. لإنقاذ البشري


.. صوروها خلسة وهي تصلي.. مسلمة تثير جدلا في الهند


.. موجز الأخبار - التاسعة صباحا 26/09/2022




.. كاميرات المراقبة.. أيهما أولا أمن المجتمع أم الحفاظ على خصوص


.. لقاء The Rose على صباح العربية