الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تبدل اللغات والهويات عبر الأزمنة: الهويات المنقرضة والهوية الحيّة!

كلكامش نبيل

2022 / 8 / 3
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


في حديثٍ طويل مع صديق أميركي يهودي عن الحياة والعمل والكتب والتاريخ، تطرق فجأة لكشف آثاري جديد قام به جنود من جيش الدفاع الإسرائيلي بالصدفة، في شوهام، حيث وجد الجنود، في أثناء حفريات عابرة، ديرًا بيزنطيًا للراهبات، ذي أرضية مزينة بفسيفساء جميلة، يعتقد أنه قبر حنة والدة النبي صموئيل. في الواقع، يقول آثاريون أن الموقع معروف وتم دفنه سابقًا من جديد بهدف حمايته.

علق الصديق فجأة أنه فكّر لوهلة: لم يكن أيّ من أجداد هؤلاء الجنود في تلك الأرض قبل قرن من الزمن مثلاً، وبغض النظر عن الجدل التاريخي، اتساءل عمّا يشعر به هؤلاء وهم يكتشفون أثرًا مسيحيًا تحت الأرض! ألا تجد الأمر تناقضًا؟

قلتُ: ليس كذلك، جميعنا يعرف أن العثمانيين حكموا تلك الأرض، وقبلهم المماليك والأيوبيون، والفرنجة في الحملات الصليبية، والعرب، وقبل ذلك البيزنطيين، وعاش اليهود هناك، وحكم الأرض الآشوريون والكلديون والمصريون، وعاش الكنعانيون قبل ذلك. ما التناقض في العثور على أثر بيزنطي هناك؟ يحصل هذا في كل مكان.

قال: أقصد، ألا يجعلهم يفكرون في هويتهم، في حقيقة الأمر؟ ألا يعيدون التفكير في بعض المرويات؟ ويشبه ذلك، عثور شخص مسلم في أي دولة عربية على آثار من عصور ما قبل الإسلام؟ ألا يفكّر في هويته ويعيد نقد ما اعتاد على سماعه؟

قلتُ: لا أظن أن أحدًا يقرأ بعمق لا يعرف أن هذه الأديان جاءت بالتعاقب وأن أجداده بالتأكيد كانوا من دينٍ آخر ذات يوم، وقد يعتنق أحفادهم أديان أخرى، وقد ينبذون الأمر برمته، ولا يعود الدين يهمهم في شيء. هناك عرب قبل الإسلام، وهناك عرب مسيحيون، وليس بالضرورة أن يشكل أي كشف أثري لحظة حقيقة مع الذات، ولكن بالتأكيد الهويات تتغير عبر الأزمنة. ليس هناك تناقض في ذلك.

قال: عندما أفكر في اسم أحد أجدادي زولتان، أتساءل عن معنى الهوية!

قلتُ: أظنه اسمٌ سلافي؟ هل كان من صربيا؟

قال: لقد اقتربت. في الواقع كان من سلوفاكيا الحالية. لنتخيل أنه كان قد ولد في عصر آل هابسبورغ كمواطن ضمن إمبراطورية المجر والنمسا، ومن ثم أصبح مواطنا ضمن تشيكوسلوفاكيا، ومن ثم مواطنا سلوفاكيا! هل سيشعر بالفعل بصلة بسلوفاكيا اليوم!؟ لا أظن ذلك، لأنه في النهاية كان من الناطقين بالألمانية. اللغة هي ما تهم. اللغة هي الهوية، وهذا يتجاوز الدين أيضًا. هل اليهود الحاليون بالفعل شديدو الشبه بقدماء اليهود؟

قلتُ: نعم اللغة هي ما يهم. ذكرتي بما قرأته قبل أيام في كتاب العاقل ليوفال نوح حراري، وسأذكر موضوعين ذوي صلة بهذا النقاش.

قال: لم أقرأ لحراري! لكن يبدو الأمر مثيرًأ للاهتمام. أخبرني رجاءً!

قلتُ: لقد تحدث حراري عن نومانتيا القديمة، وهم شعب سلتي في هسبانيا القديمة، وعن ثورتهم ضد الرومان، ومقاومتهم الحكم الروماني لمدة 20 عام، وكيف تم حصارهم في النهاية ليقتلوا أنفسهم بعد جوعٍ طويل خشية الوقوع كأسرى وعبيد بيد الرومان. يقول حراري أن قصتهم انتهت، وحضارتهم اختفت، ولم نعرف عنهم إلاّ من خلال قصص الرومان أنفسهم، ومع ذلك استلهم الإسبان تلك القصة وجعلوها محورا لبناء هوية وطنية ورمزا وطنيا ضد الهيمنة الأجنبية، بل أن الكاتب الشهير ميغيل دي ثيربانتس، مؤلف دون كيخوته، قد كتب عنهم رواية "حصار نومانتيا". الطريف أن ثيربانتس كتب عنهم باللاتينية، والإسبانية الحالية ابنة اللاتينية التي جاء بها الرومان، والإسبان اليوم يتبعون الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، وكل تفاصيل حياتهم شكلتها الإمبراطورية الرومانية، وربما جينيا هم من الرومان أكثر من صلتهم بنومانتيا والثقافة السلتية المنقرضة. بالمثل، العبرية الحديثة متأثرة بالييدية الأوروبية، وقد أشار حراري في موضع آخر إلى أن الملك سليمان لو زار القدس اليوم ودخل إلى كنيس لما تعرّف على اليهود هناك بملابسهم المستوحاة من أوروبا الوسطى في القرن الماضي، واللكنة الألمانية لليدية، بل وحتى مشاهدة الطرز المعمارية للكُنس. يشبه هذا الأمر ربط أشخاص من خلفيات عشائرية في جنوب العراق، وبعضهم يعلم أن قبيلته وفدت في فترات حديثة ولم تكن حتى من العرب الذين سكنوا البلاد قبل الإسلام، بالسومريين بسبب الصدفة الجغرافية البحتة.

لقد تابعتُ هذا المشروع القائم على إحياء الثقافات القديمة منذ أن وعيت على العالم، ولكنني لا أرى فيه أي جدوى اليوم، وكتبتُ اليوم عن ذلك للصديقة الروائية والمترجمة القديرة لطفية الدليمي التي تقترح – ما كنتُ أؤمن به لسنوات – في إنشاء هوية نهرينية، أو رافدينية كما أسمتها، لأنها في الواقع هوية مناطقية ضمن كتلة ثقافية أكبر، تنطق اليوم بالعربية. ما المهم في إحياء لغة قديمة، وكنتُ أرى في إحياء العبرية نموذجًا ملهما لي، عندما ننتقد اللغة الحالية ونتهمها بعدم مواكبة العصر؟ هل ستكون لغة منقرضة بخط كتابة غير عملي ونقص عمره آلاف السنين في مواكبة كل الأفكار والمفاهيم والمصطلحات الجديدة الحل للأزمة المزعومة؟ بالطبع لا!

قال: لقد كان إحياء العبرية ضرورة، لأن وجودها اليوم أفضل من عدمه وقد وفّر وسيلة لربط هذه الشعوب، لكن ذلك جاء على حساب اللادينو (لغة يهود الأندلس وتركيا لأنهم طردوا من إسبانيا في فترة محاكم التفتيش)، والييدية، وحتى العربية ليهود المشرق. لا يوجد شيء بدون ثمن!

قلتُ: بالفعل، هذا صحيح، ولكن اللغة القديمة تختلف بشكل كبير، وربما تكون عبرية اليمنيين هي الأقرب للعبرية القديمة، ومعها عبرية المزراحيين في العراق. الشعوب السامية مجموعة واحدة هاجرت على فترات متباعدة، بل أن الأمهرية في أثيوبيا من ضمن هذه اللغات.

قال: بالفعل، يقولون أن عبرية اليمنيين هي اللغة الأصيلة، وهناك من يقول أن معرفتك العبرية تجعلك قادرا على تعلم الأمهرية بسهولة.

قلتُ: لا يمكننا الوصول إلى حل لفهم مسألة الهويات وتغيرها، ولكننا نعلم أنها تتبدّل بشكل واضح ودائم، وربما المهم فقط هو هوية الشخص التي يعيشها في فترة حياته، ولنطلق عليها اسم الهوية الحيّة أو المُعاشة، لأنها الشيء الحقيقي الوحيد والذي يؤثر على أرض الواقع.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. التلفزيون السوري: عملية الإنزال الأميركية في القامشلي أسفرت


.. نواب بالمعارضة الجزائرية يلوحون بالسعي لطرح تصويت بسحب الثقة


.. الرئيس التركي يقول إنه قد يلتقي بنظيره السوري بشار الأسد عند




.. المجلس العسكري في بوركينا فاسو يعين إبراهيم تراوري رئيسا جدي


.. مدرسة تشيكية توزع الأغطية على طلابها بسبب أزمة الطاقة