الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


العلمانية والإسلام في الدولة المدنية (2)

باسم عبدالله
كاتب، صحفي ومترجم

(Basim Abdulla)

2022 / 8 / 6
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


اان السبب يعود الى الناحية الروحانية والأخلاقية في الدعوة، وليس الناحية الإدارية لإدارة الدولة وهذا ما تتفق عليه الأديان في توسيع دائرة الإيمان بالغيب كعقيدة، ذلك ان العقيدة المسيحية والإسلامية معاً يسيران على خط واحد في العقيدة الغيبية، فلو كان هدف محمد صاحب دعوة ودولة دينية فإن هذا يعني الزام الملك النجاشي قبولها وازالة ملكه، ولكان الملك النجاشي رفض استقبالهم وامر باعتقالهم، لكن الأمر ديني، روحاني واخلاقي فحسب. في مصر مثلا هناك العقيدة المسيحية والعقيدة الإسلامية تتناقضان في المنطلقات اللاهوتية، فكيف يمكن قيام دولة دينية، ذلك ان تعدد الأقطاب الدينية من شأنه ان يخلق صراعاً عقائدياً ويولد كفاحاً مسلحاً في محاولة تثبيت احقية احدهما على حساب الآخر، وهذا الذي حصل ومازال، بين الجماعات المسلحة التي تفجر الكنائس وتعتدي على دور العبادة، وتوسع الفرقة داخل الشعب الواحد، وبما ان دين الدولة المصرية الإسلام فلقد ظهرت الإسلام الحزبي المسلح، حتى امام نفس الدين بما يخالف بعض عقائد الشريعة، بهذا يستدرج الدين المعتقدات كافة اما ان تكون معه في كل كافة قناعاته او تتحول لعدو يريد التخلص منها، اذا كانت الجماعات المسلحة تفرض بقوة السلاح الترهيب والقتل حتى مع ابناء دينهم، فكيف سيكون الحال اذا تزعموا قيادة الدولة؟ ” مسؤولية الاسلام المعتدل في انجاب هذه الاجيال من قوى الاسلام القتالي بالافكار التي اشاعها عن التلازم بين السياسة والدين، وعن الواجب الشرعي في اخضاع نظام الدولة للدين، وهذي هي نتائج تلك الافكار تثمر اليوم جيشاً عرمرماً من الاسلاميين المتطرفين يضع مجتمعاتنا والاستقرار فيها على كف عفريت، حتى لا نقول انه يجعل الحياة شبه مستحيلة في هده المجتمعات” (6) كذلك في الهند هناك قوميات متصارعة بين الهندوس، المسلمين، السيخ والمسيحيين، تعيش الهند كل يوم واجهات الصراع الديني مما يجعل الدولة غير مستقرة وعلى مدار الساعة يدور القتال المسلح بين مختلف الدوائر الدينية. اننا نرى في الواقع المعاش قوانين الدول العربية والإسلامية تنص فيها على مرجعية الدولة للإسلام، لكن تجد الولاء لأمريكا ولإسرائيل لا توجد قيم للموازين الأخلاقية ولا لحب الوطن، اذا قدس الإسلام الإنسان فهو ارخص بضاعه في العالم العربي، ذلك ان الصراع الديني بدأ باكراً في صدر الإسلام وقد استلهم العرب قيمهم في العصر العباسي من اليونايين، والامويين استلهموا قيمهم من الفرس، فهذا كله يطعن في اهمية قيام دولة دينية لانها لم تستند على قيم الأنسان، نحن نسير في واقع وليس في اعتبارات دينية، كما اننا شهدنا ان من اجل الحفاظ على كرسي الحكم فقد وضعوا القرآن على اسنة الرماح ... فصار القرآن للتكفير وصار طريقة الى اغتصاب نظام الحكم.
الاسلام استخدم دائما اوراقه على امتداد تاريخنا العربي والاسلامي ورقة للقتل واخرى للتفرقة الطائفية واخرى للولاء الغربي، وللجهاد المسلح وفرض الوصاية لما يسمى بأهل الذمة، وارواق كثيرة غيرها منها الهمينة على المال العام، وعدم الاستقرار الأمني، وهذه هي فلسفة الأديان الأرضية، تحلق في عالم الغيب بلا ان تقدم برهاناً علمياً لصحة دعواها، وتجد مع الله شركاء في الأرض كصاحب الزمان مهدي المنتظر، كي يبقى الحضور البشري ذو الدلالة الدينية حاضراً في الأذهان لا يغيب عن العقول. ثم اين هي النماذج النبوية والاخلاقيات الدينية كي يكون بيت مال المسلمين بيدهم فيوزع بعدالة؟ لقد تحول العراق بيد النخبة الدينية الى شعب بائس فقير محروم يعاني الإنقسام في شخصيته الوطنية، وينهار ولائه الديني حتى في قواعد ثوابته الدينية. وكذلك في بقية الدول التي تدور في فلك الإسلام، جماعات حسبت على التيار الديني، لكنها ارهابية قتلت، حرقت، اغتصبت، قبل وصولهم لحكم الدولة، فكيف اذا حكمت؟ فهؤلاء وصلوا للحكم، اعتمدوا على النص المقدس بهدف تدنيسه وليس تقديسه، من اجل عدم ملائمتهم لعمل دولة دينية، ان كان سير النخبة السيطرة على الدولة، فهذا كله بسبب فقدان الوعي لدى الشعوب وامتزاج عقولهم بحقيقة او خرافة المعتقدات اللاهوتية، فعدم اليقين بين وجود الله وعدم وجوده جعل الشعوب الإسلامية تدفع ثمناً باهضاً على حساب الوطن والمواطن حتى انخرط عقد الولاء بينهما.
لو تأمل الفرد في النص المقدس بين زواج التعدد، والتشريع بزواج المتعة، العرفي، وغيره من اخفاقات انهيار قيم المرأة، وطبقناه على الدولة المدنية، هل يمكن قبول ذلك؟ لا. لان قيمة المرأة ومكانتها لا تسمح بذلك، هذا يعني ان نصف المجتمع المدني سيجد مكانة افضل وكيان له وجود ومتعادل مع الرجل، لكن هذا الأمر ينطبق بما تسمح به الدولة الدينية، فهناك ظلم اجتماعي لا يستقيم مع اعراف الدولة المدنية، لهذا لا يمكن قيادة الدولة وفق المنهج الديني. لا يمكن العمل مع المنظور السياسي الإسلامي ففي الفكر الإسلامي هناك فرق شاسع في المجال الديني عنه في المجال السياسي، هناك منطلق يرى فيه الدين مكانة المرأة الأدنى في الأعراف الدينية، وهناك منطلق يرى الرجل سيد المجتمع، ويحمّل المرأة خطيئة آدم. اننا امام كم هائل من النزاعات والصراعات في الفكر الديني حتى بين اتباع الدين الواحد. ” تتوحد الطائفة الواحدة لا لانها موحّدة، لكنها في مواجهة طائفة اخرى، يبعث في جسمها عناصر التماسك واسبابه، ولكن ما ان ينتهي الاستقطاب الطائفي بين طائفتين او اكثر حتى تلتفت الطائفة الواحدة، الى داخلها المأهول بالقوى المذهبية، فيتفرغ فيها بعضه لبعض في جولات من الاقتتال اشد، .... انه من صميم الواقع المعاش كم من مذهب تشظّى اليوم الى احزاب ومليشيات تتقاتل على من يحتكر القرار فيه، هذا واحد من معطيات الحصاد الإسلام الحزبي ومشروعه الانقسامي ” (7) ان تنظيم الدولة المدنية، برلماني، ذو تطور تقني، علمي، ثقافي، يتعامل مع القوانين واقتصادها تعامل دولي في البورصة الدولية وفي التنمية الوطنية فيها يتساوى المواطن في الحقوق والواجبات والتبعات القانونية، يسير وفق خطط تنموية واقتصادية ولا علاقة له بالأفكار الظنية او التصورات الاعتقادية، لكن الدين انتقال وتسلسل ظني في الأفكار ويقود بتقسيم قيم المواطن على اساس الايمان بالغيب، فلا برلمان غير التشريع الديني المرتبط بالتقسيم الطائفي، فلقد ظهر الإسلام الحزبي، والإسلام الجهادي، فتنظيم القاعدة الإسلامي والأخوان المسلمين، والسلفية الجهادية وتنظيم داعش المسمى الدولة الإسلامية في العراق والشام، كلها روافد دينية الغت المفهوم الوطني للدولة، هناك من انتقل من المنهج السلفي الى المنهج السلفي التكفيري ثم الى المنهج السلفي الجهادي ثم الى تنظيم داعش، هذه التحولات العقائدية الغت مفهوم الدولة المعاصر، لقد ” تمتع قادة الجماعات الجهادية بالدعم السخي ... من اوربا والولايات المتحدة ... في الوقت عينه كانوا مطلوبين للعدالة في بلدانهم مثلما كان قادة الاخوان المسلمين، السوريين والعراقيين والليبيين وقادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية وحركة النهضة التونسية وحزب الدعوة العراقي، وغيرها من تنظيمات الإسلام الحزبي تتمتع بالعلاقات الآمنة في لندن، نيويورك، باريس، جنيف وبرلين ... وشبكات وتنظيمات اخرى مثل القاعدة تنعم بالملاذ الآمن بينما الحرب الأهلية تمزق الجزائر والارهاب يضرب مصر ... في السعودية والمغرب ولبنان واليمن فيضع حدا بين دول الغرب والجماعات الإسلامية المسلحة ” (8) فهذا كله وقود لصراع ديني هدفه الوصول للحكم بدوافع دينية لم تمتلك اي رصيد حضاري على عمل الدولة المدنية، بل ويتم الحكم على الحكومات انها كافرة. استلهم تنظيم داعش مفهوم الحياة الدموي منبثقاً من تنظيم القاعدة، الذي اسسه ابو مصعب الزرقاوي، لذا بقيت المفاهيم والدوافع الدينية صورة لشكل ارهابي هدفه سلب الحق المدني للشعوب وزج عقولها بعالم الغيب والاستيلاء على المال العام للدولة ليس لدوافع روحانية سلفية صادقة انما لتطرف سلفي بهدف مطامع الزعامة فهي اولا بذريعة زعامة دينية، وثانياً اشباع الرغبة الجامحة في الحكم. ” ... كان الصراع الديني منذ بداية تأسيسه صراعاً على السيطرة على نظام الحكم بين مسلم زاهد كعلي بن ابي طالب يرى الدولة لها علاقة بالدين، ورجل يرى الدولة لا علاقة لها بالدين كمعاوية بن ابي سفيان، احتدم الصراع على اوجه بحروب دينية عديدة قتلت آلاف المسلمين، هكذا كان عهد الراشدين ” فكيف يكون الحال على يد المعاصرين الذين لم نعرف الإرهاب الا على ايديهم، ولم يعرف مجتمعنا الآمن حوادث الاغتيال السياسي الا على يد فرسانهم المغاوير، ولم ترق دماء الأبرياء الا على يد مجاهديهم الاشاوس ... هم يؤمنون بالاسلام دين ودولة ونحن نراه ونؤمن به ديناً فحسب...” (9) وهذا هو المنطلق نحو مفهوم الدولة المدنية، انها كيان منفصل عن المنطقات الدينية والعقائد الغيبية، فالفاصل بينها واسع ولا مجال لوجود خط يجمع الطرفين، فالدولة المدنية هي ” الاطار السياسي الذي تتصادم فيه القوتان الهامتان السلطة والحرية هي الشكل المتقن للمجتمع الذي لم يكن دائما موجوداً وهذا من نواح عدة ثمرة تطور بعيد، وربما كان في البلدان التي اوجدت هذا النمط من التنظيم السياسي الدليل على حضارة عالية “ (10) فالحرية عند الدولة حرية اختيار مستقلة لا علاقة لها بالقدرية ولا تتسلط فوقها النصوص الدينية التي تهيمن وتعبث بالحرية الذاتية في انها مسيرة من قبل الإرادة الإلهية، فالحرية في الدولة المدنية مسؤولية ذاتية بينما الحرية في الدولة الدينية تابعة للقدرية مما يجعلها عرضة للتطرف والإرهاب، وقد دلت التجارب الواقعية كيف تم استخدام الحرية في اتجاهها الديني بدافع التسلط على رقاب المجتمع.

مصادر البحث :
1 - الاسلام بين الدولة الدينية والدولة المدنية، ص 13 ، خليل عبدالكريم، سينا للنشر.
2 – المصدر نفسه، ص 14 .
3 – المصدر نفسه، ص 15 .
4 – الملل والنحل، محمد بن عبدالكريم الشهرستاني، تحقيق محمد سيد كيلاني، دار المعرفة بيروت، ص 24 .
5 – حياة محمد ، محمد حسين هيكل، دار المعارف، الطبعة 14 ، ص 171 .
6 - الدولة والدين في الاجتماع العربي والاسلامي، ص 210. عبدالإله بلقزيز، منتدى المعارف، بيروت.
7 – المصدر نفسه، ص 212
8 – المصدر نفسه، ص 216
9 – الحقيقة الغائرة، فرج فودة، المكتبة العربية الشرقية، دار الفكر للدراسات والنشر، القاهرة. ص 141 – 142
10 – فلسفة الدولة، دكتور برهان زريق، دار الفكر للدراسات والنشر، طبعة ثالثة، القاهرة، ص 15 .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فتوى بهدر دمه لاحقته منذ 1989.. الكاتب البريطاني سلمان رشدي


.. إجابة الأسئلة من مصطفى حسني.. هل المريض النفسي يدخل الجنة؟ و


.. اسئلة عن الحساب في القبر.. من يعزب في القبر الجسد أم الروح ا




.. شاهد: عناصر من حركة طالبان ينتقلون من ساحات المعارك إلى المد


.. هل اللجوء للقضاء هو آخر خطوة قبل المواجهة الشيعية - الشيعية