الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حول الحزب الماركسي وأهمية الوعي بالماركسية وقضايا الواقع المعاش في كل قطر من اقطار الوطن العربي

غازي الصوراني
مفكر وباحث فلسطيني

2022 / 8 / 12
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية



تمهيد :
إن ظهور هيمنة البورجوازية الكومبرادورية والطفيلية وتحالفها مع البيروقراطية المدنية والعسكرية الحاكمة، ورموز الأنماط القبلية وشبه الإقطاعية في بلادنا العربية، في الظروف الراهنة، يشير الى الدور الثانوي للاختلاف التاريخي في نشأة الشرائح الرأسمالية العربية العليا، التي توحدت اليوم في شكلها ومضمونها العام وأهدافها المنسجمة مع مصالحها الأنانية الضارة، عبر نظام استبدادي، تابع، ومتخلف، يسود ويتحكم في مجمل الحياة السياسية والاجتماعية، كظاهرة عامة، تتجلى فيها بوضوح، الأزمة الاجتماعية العربية الراهنة، بتأثير هذا التداخل العميق والمعقد لرموز الأنماط القديمة والحديثة، ومصالحهم المتشابكة في إطار من العلاقات الاجتماعية الفريدة التي تمتزج فيها أشكال الحداثة وأدواتها مع قيم التخلف وأدواته، ساهمت في إضفاء شكلٍ ومضمونٍ خاصٍ ومتميز للواقع الاجتماعي العربي وتركيبته وخارطته الطبقية، بحيث بات من المفيد مراجعة استخدامنا للمصطلحات الغربية، مراجعة موضوعية ونقدية كي لا نعيد تطبيقها على واقعنا بصورة ميكانيكية، كما فعلنا في المرحلة السابقة، خاصة مصطلح »البورجوازية«، عند تناول الشرائح والفئات الرأسمالية العربية التي تشكلت تاريخياً –و إلى الآن- من هذا المزيج أو التنوع الاجتماعي غير المتجانس أو الموحد سواء في جذوره ومنابعه القديمة، أو في حاضره ومستقبله، فمصطلح »البورجوازية« وغيره من المصطلحات التي تحدثت عن تطور التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية وتسلسلها من المشاعية الى العبودية الى الإقطاع الى الرأسمالية، والتي تطابقت مع مضمون التطور الرأسمالي في البلدان الصناعية الغربية، تكاد تكون مصطلحات غريبة في واقعنا وشكل تطوره المشوه، خاصة وأنها لم تتغلغل في الوعي العفوي أو الاعتيادي للجماهير، وكذلك في صفوف القواعد الحزبية العربية كمفاهيم تحفيزية أو رافعة للوعي السياسي والطبقي، لكون هذا المصطلح أو المفهوم مصطلحاً يكاد يكون وافداً، غريباً، نظراً لعدم تبلور الإطار أو الطبقة في بلادنا بصورة محددة، التي يمكن أن يجسدها أو يعبر عنها أو يشير إليها ذلك المصطلح من جهة، ونظراً لما ينطوي عليه أو يتضمنه هذا المفهوم من إعلان ولادة وتشكل طبقة جديدة هي »البورجوازية« كطبقة قائدة لمرحلة جديدة، حملت معها مشروعاً نهضوياً حضارياً عقلانياً تطورياً مادياً هائلاً، عجّل في توليد التشكيلة الاجتماعية الرأسمالية ومفاهيمها المتطابقة معها من جهة أخرى، وفي هذا السياق نؤكد أن المطالبة بمراجعة المصطلحات ذات الطابع التطبيقي لا يعني مطلقا التطرق الى النظرية الماركسية ومنهجها، والتي نشعر بالحاجة الماسة الى إعادة دراستها وتعميق الالتزام بها في هذه المرحلة وفي المستقبل!!
إن تناولنا لهذه الرؤية التحليلية، لا يعني أنها دعوة إلى وقف التعامل مع هذه المصطلحات، بقدر ما هي دعوة للبحث عن مصطلحات ومفاهيم معرفية أخرى إضافية تعكس طبيعة ومكونات التركيب الاجتماعي /الطبقي في بلادنا العربية، بما يلغي كل أشكال الغربة أو الاغتراب في المفاهيم التي سبق استخدامها بصورة ميكانيكية أو مجردة، بحيث نجعل من التحليل النظري والاجتماعي لواقعنا، في سياق العملية السياسية، أمراً واضحاً ومتطابقاً في كل مفاهيمه ومصطلحاته مع هذا الواقع الشديد التعقيد، الذي يشير إلى ان التطور في بلادنا –كما يقول د. برهان غليون- »ليس بنياناً عصرياً على الرغم من قشرة الحداثة فيه، وهو أيضاً ليس بنياناً قديماً على الرغم من مظاهر القديم، ولكنه نمط هجين من التطور قائم بذاته، فقد عنصر التوازن وأصبحت حركته مرهونة بحركة غيره«، لذلك لا بد من إزالة اللبس والخلط في المفاهيم، الذي ساد طويلاً في الكتابات العربية، وأسهم –إلى حد ما- في تكريس حالة الإرباك الفكري في أوساط القوى اليسارية العربية وعَزَلها عن الجماهير، وليس معنى ذلك، أننا ندعو إلى تكيف الوعي الطليعي العربي المنظم، لمتطلبات الوعي العفوي الجماهيري، بالعكس، إنها دعوة –أو وجهة نظر- تستهدف التعامل مع الوعي العفوي بمنهجية ومفاهيم تعكس تفاصيل الواقع المعاش وتعبِّر عنه بصورة جدلية تدفع به الى التطور والنهوض، انطلاقاً من قناعتنا بمقولة ماركس -في مقدمته لرأس المال- »قل كلمتك وامشِ ودع الناس يقولوا ما يقولون«.
حول الحزب والمثقف الثوري الماركسي :
إذا كان البحث وتعميق النقاش حول مفهوم الحزب الثوري مهمة المثقفين  الماركسيين الثوريين ، فمن هم هؤلاء المثقفون الذين توكل إليهم هذه المهمة ؟ إنهم الفئة التي سماها لينين بالمثقفين الثوريين و سماها غرامشي بالمثقفين العضويين الذين اختاروا الانحياز إلى الطبقة العاملة و الذوبان فيها، أو أفرزتهم الطبقة العاملة من بين صفوفها للتعبير عن فكرها و أيديولوجيتها. لذلك يطرح علينا أولا و أخيرا تحديد نوعية الجماهير التي يعمل المثقف الثوري أو العضوي على تفعيل الحزب الثوري في صفوفها، ونقصد بذلك الطبقة العاملة، و الفلاحون الفقراء، و المعدمون، و العاطلون، و أشباه العاطلين و التلاميذ و الطلبة، و الشرائح الفقيرة من البورجوازية الصغيرة، فهذه الجماهير هي وقود النضال الثوري ببعديه التحرري والطبقي، وهي وحدها التي لها المصلحة في التغيير من أجل الأهداف التحررية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
و يبقى السؤال الملح: ما هو الحزب الثوري بالنسبة لاحزاب وفصائل اليسار الماركسي في الوطن العربي ؟ إنه الحزب الملتزم بالماركسية ومنهجها مرشداً له في نضاله من أجل التحرر الوطني والديمقراطي والعدالة الاجتماعية بآفاقها الاشتراكية... فهو الحزب الذي يعمق الوعي بهويته الفكرية وحمايتها وتطورها عبر تفعيل الدافعية الذاتية لدى أعضائه ... وهو الحزب الذي يستمد قوته من الجماهيرالشعبية  إلى جانب النضال العملي (الكفاحي والسياسي والمطلبي الديمقراطي) مستفيداً من التجارب الثورية العالمية سواء في توسعه التنظيمي وانتشاره ، وفي ممارسة دوره الطليعي في النضال الوطني والاجتماعي .. فالحزب لن يكون ثورياً إذا تراجعت قناعة الرفاق بأهدافه وبهويته الفكرية الماركسية... ولن يكون ثورياً أيضاً إذا لم تتابع هيئاته ومراتبه عملية تعميق الوعي الثقافي والفكر الماركسي بصورة دورية منظمة أو إذا تغلغلت فيه النزعات الشللية والانتهازية وخاصة الارتداد المعرفي صوب اليمين.
 إن إشكالية الحزب الثوري هي إشكالية لازالت قائمة و ستبقى قائمة، وعلينا في كافة احزاب وفصائل اليسار أن لا نقف عند المسلمات أو المقولات الجاهزة، بل أن نعمق البحث في هذا الموضوع، و أن نستفيد من مختلف التجارب الثورية في الساحة العالمية قديما و حديثا قصد صياغة مفهوم معمق، يهدف إلى وضع الأسس العلمية الصحيحة لبناء حركة ثورية صحيحة تطرد كل مظاهر الأزمة الفكرية والتنظيمية والسياسة ، بما يمكننا من مواجهة هذه التحولات السريعة المعقدة على المستوى المحلي و القومي والعالمي، و إلا فإن مسيرتنا التحررية الوطنية الديمقراطية ستضل الطريق، إذا لم نلتزم بصورة واعية وخلاقة بعيدة عن الجمود، بالأسس التي  يقوم عليها الحزب الثوري وهي تحديداً ثلاثة أسس :
 1) الأساس التنظيمي : وهو الأساس الذي لا يمكن لأي حزب ثوري أن يوجد بدونه، فالتنظيم هو الأداة والوسيلة والإطار الذي يضم في صفوفه الطلائع الثورية من أجل تحقيق الأهداف التحررية والديمقراطية المطلبية الاجتماعية وفق المنظور الطبقي الماركسي، حيث يقوم الحزب بصياغة الأهداف ورسم الخطط ومتابعة حركة الأعضاء وتفاعلهم في أوساط الجماهير الكادحة.
 2) الأساس الأيديولوجي : إن الأيديولوجية بالنسبة لكافة احزاب وفصائل اليسار في الوطن العربي  هي التي تحدد طبيعة هذا الحزب أو ذاك باعتباره حزبا لكل الفقراء والمضطهدين عموماً و للطبقة العاملة خصوصاً ، وهي أيضاً الأيديولوجية أو الأفكار النقيضة لكل مظاهر الاستغلال والاضطهاد.. إنها الماركسية ومنهجها المادي الجدلي التي تتعاطى وتتفاعل مع واقع بلداننا ومجتمعاتنا في مغرب ومشرق الوطن بكافة جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية من أجل تغييره نحو التحرر والديمقراطية والاشتراكية ، وبالتالي فإن كل مناضل من رفاقنا في هذه الاحزاب عليه أن يتسلح بهذه النظرية الفكرية كضمانه واقية ضد كل الأفكار أو المنزلقات الفكرية الليبرالية أو الانتهازية.
 ذلك، إن تحقيق الوحدة الفكرية في صفوف الحزب أو الفصيل لا يتم إلا عن طريق التسلح المستمر بالفكر الاشتراكي العلمي المتطور والمتجدد ارتباطاً بحركة الواقع ، ذلك هو الشرط الذي يضمن حماية الهوية الفكرية للحزب وتواصلها في كافة المراتب التنظيمية، بمثل ما يضمن قوة انتشار الحزب في الواقع الاجتماعي والجماهيري.
 3) الأساس السياسي : إن وضوح الموقف السياسي ومصداقيته ، هو الطريق والمدخل الأول للحزب صوب علاقته وارتباطه بالجماهير، وبدون هذه المصداقية والوضوح سيبقى تنظيما مغلقا، وسيفتقد قدرته على قيادتها، و توجيه نضالاتها. فالأساس السياسي ليس إلا موقفا يمس الجوانب الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية التي تشكل في مجملها موقفاً متكاملاً وموحداً ، انطلاقاً من أن النقطة الجوهرية أو الإستراتيجية في البرنامج الحزبي هي الغاء النظام الرأسمالي وكل اشكال الاستغلال  والاستبداد والتبعية والتخلف ، وتحرير الإنسان و الأرض عن طريق تحقيق الممارسة الفعالة للنضال التحرري والممارسة الديمقراطية بمعناها السياسي و الاجتماعي في النظام الاشتراكي البديل.
4) الاساس النضالي او الكفاحي التحرري ضد الوجود الامبريالي الصهيوني في بلداننا ، والمرتبط بالضرورة باسس واليات النضال الديمقراطي المطلبي الطبقي ضد انظمة الاستبداد والاستغلال من اجل تحقيق مطالب ومصالح الجماهير الشعبية من العمال والفلاحين وكافة المضطهدين في الثورة الوطنية الديمقراطية بافاقها الاشتراكية .
فإذا تعرضت هذه الأسس لأي شكل من أشكال التعطيل أو الرخاوة، فلا معنى لذلك سوى تعريض الحزب بهذه الدرجة أو تلك لحالة من الركود أو التراجع والشلل ومن ثم الخضوع للنزعات الانتهازية والشللية المدمرة لأفكار الحزب ومبادئه وفاعليته .
فالتنظيم أو الحزب هو، كما يقول "لوكاش"، شكل التوسط بين النظرية والممارسة، بين الهدف والعمل في سبيل الوصول إليه، وإذا كنا نتفق على صحة وموضوعية هذه المقولة، فإننا بالضرورة سندرك أي دور سلبي يلعبه غياب التنظيم فيما يتعلق بالنضال من اجل تحقيق الأهداف الوطنية والديمقراطية على طريق التحرر والوحدة والعدالة الاجتماعية والاشتراكية.
إن التفعيل الحقيقي أو الثورة الحقيقية للحزب ، لا تحددها قناعته الفكرية أو أيديولوجيته فقط ، فلكي تتمتع الأفكار بقوة تحويلية ، من الضروري أن يكون التنظيم عاليا عبر وحدته وقوته الداخلية لدعم قوة الأفكار بقوة التنظيم ، وبقوة ووضوح الموقف السياسي ، والقضايا المطلبية الديمقراطية .
إلى جانب ما تقدم ، فإن الرؤية النقدية للأحزاب في بلادنا عموماً واحزاب وفصائل اليسار خصوصا، تتطلب  البحث في الشروط الاقتصادية الاجتماعية، وشروط التطور التاريخي للمجتمع ، فالأحزاب في بلادنا بمختلف منطلقاتها الفكرية، توافقت أو تقاطعت –بهذه الدرجة أو تلك- مع التكوين الاجتماعي المتخلف السائد و المسيطر، أو الوعي الأبوي البطريركي التقليدي ، وهي عوامل موضوعية وذاتية ، حالت دون إدخال مفاهيم الديمقراطية والحداثة والوعي الثوري المستند إلى التفكير العقلاني النهضوي النقيض للتكوين الاجتماعي المتخلف السائد، بحيث بات الوعي التقليدي هو أحد المحددات الرئيسية لمعظم أحزاب وفصائل اليسار عموماً، وفي مثل هذا الوضع ، ظل الوعي بالماركسية عفوياً ومسطحاً وشكلياً لدى معظم قواعد هذه الأحزاب وكوادرها ، الذي استمر انشدادهم للبنية الاجتماعية والثقافية المتخلفة السائدة اقوى من انشدادهم للماركسية ، ويعود ذلك في احد أهم اسبابه إلى غياب الدافعية الذاتية لدى العضو ، وضعف قناعته بأهداف الحزب كأهداف شخصية له ، إلى جانب ضحالة الوعي أو ضعفه وعدم تطوره ، حيث يمكن ملاحظة هذه الظاهرة في مستوى الوعي العام لدى العديد من أعضاء الاحزاب اليسارية في بلداننا،  لان وعيهم لم يتطور أو يصل إلى مستوى وعي واستيعاب مفاهيم عصر النهضة وطروحاته الفكرية الحديثة، ويبدو أن ذلك كان بسبب البنية التنظيمية شبه البطريركيه ، البيروقراطية التي خضعت –منذ عشرينات القرن الماضي – للرؤية والآليات التنظيمية الستالينية الفردية المطلقة التي عززت المركزية الشديدة الضارة على حساب الألتزام الخلاق بالديمقراطية الداخلية كمبدأ رئيسي من مبادى الحزب.
ففي البنية الستالينية للتنظيم لا يحكم «الحزب» إلا عقل واحد، هو «العقل المطلق»، وإرادة واحدة هي إرادة فرد يرفع ذاته عن الآخرين، يكون فوقهم، وهذا هو الحزب/ القبيلة.
إن عجز البنية الستالينية والتقليدية لأحزاب اليسار في بلادنا عن تحقيق التقدم يرتبط بثلاث عناصر هي أولاً :  طبيعة التكوين الطبقي للحزب، أي طبيعة الفئات الاجتماعية التي شكلت بنيته، من حيث هي فئات وسطى، وطبيعة الأيديولوجيا السائدة فيه، وهي "ماركسية ستالينية/ سوفيتيه" أو تابعة محافظة، يحكمها المنطق التقليدي القديم، وسطحية.
ثانياً : طبيعة التصوّر السياسي الذي إنتصر فيه، ويتحدَّد في دعم هذا الرئيس أو "الزعيم" الوطني في نظام بورجوازي تابع ومتخلف ، ولا شك أن هذا التناقض بين طبيعة الماركسية الثورية، والتصوّر البرجوازي الانتهازي المتمثل في دعم هذا الرئيس او "الزعيم" او ذاك في النظام البورجوازي التابع، كان يفرض سيادة الاستبداد في الحزب، الذي أدى بدوره إلى أن تظّل الماركسية هامشية، ويبقى الحزب الماركسي ذيلاً للبرجوازية أو النظام الحاكم الاستبدادي التابع .
ثالثاً : إن الهدف من «نقد الحزب» هو تبيان الطابع الشكلي للمفاهيم والكلمات التي تكررها الأحزاب الماركسية، فيما يتعلق بالحياة الداخلية، مثل الديمقراطية، أو المركزية الديمقراطية، وحق الانتخاب، والمؤتمرات، والاختلاف والنقد،وبالتالي فإننا ننتقد من موقع الماركسية، لأننا مع الماركسية الأصلية ضد الماركسية المشوهة، المخلوطة بالبنية الذهنية للقرون الوسطى، مع ماركسية ماركس، أنجلز ولينين، ضد الماركسية الستالينية، أو الماركسية السوفيتية، ومع ماركسية الجدل المادي، ضد الماركسية «العاميّة»، الماركسية «الجاهلة» المعادية للعقل، للفكر والثقافة عموماً، أي المعادية للماركسية ذاتها.
إن الموقف الثوري والرؤية الموضوعية لدى أحزاب وفصائل اليسار في الوطن العربي، تستهدف – عبر برامج واليات محددة وواضحة - السير إلى الأمام ، وليس العودة إلى الوراء، وحينما نمارس عملية النقد، فمن أجل أن تتعزز داخل احزابنا وفصائلنا، الرؤية الماركسية والنهج الديمقراطي  المتسق مع المنهجية الماركسية، ومع الماركسية كنظرية علمية متطورة، متجددة، لا تعرف الجمود أو التقديس، بل تتواصل في مسيرة النضال من اجل تحقيق اعداف الثورة الوطنية الديمقراطية بافاقها الاشتراكية .
وفي هذا المجال نشير إلى ثلاث محاور :
المحور الأول: يتعلق بالتكوين «الفردي» لأعضاء الحزب اليساري الماركسي، ولاشك أن الأعضاء هم أفراد ينتمون لطبقات اجتماعية، وبالتالي فهم يحملون كل تراث مجتمعهم، وإذا كانت المصلحة الطبقية تجعلهم ينتمون لحزب ماركسي، فإن انسجامهم مع الأفكار الجديدة التي تتجاوز تراث المجتمع، تتقدم عليه، وتنفيه، يفترض وعي هذه الأفكار، وفي نفس الوقت إعادة التكوين «الفردي». بما ينسجم مع تلك الأفكار وهذا يعني تمثّل تلك الأفكار في الممارسة ، وبالتالي فحينما نسعى لتأسيس بنية ثورية ديمقراطية، من الضروري أن يكون التكوين «الفردي» ديمقراطياً.
مسألة الوعي الديمقراطي. إذن ، هي «المفصل» في تكوين بنية ديمقراطية لكافة أحزاب اليسار في بلداننا، لكي نسهم في تجاوز البنية البطريركية التي تسكن وعي وممارسة كل الطبقات بسبب تفاقم مظاهر التبعية والتخلف والاستغلال في هذه البلدان .
إن تجاوز البنية البطريركية يفترض وعي البنية الديمقراطية في سياق أو موازاة وعينا للماركسية، ووعي كل الفكر الحديث، من أجل الإسهام في صياغة  نمط جديد للحياة، وللسياسة. ولا شك أن الديمقراطية (التي تبدأ بالشك، لتصل إلى الانتقاد، وتبدأ بحق إبداء الرأي، لتصل إلى وجوب سماع الرأي الآخر، وتبدأ بتجاوز التعصب وإدعاء الحكمة المطلقة، لتصل إلى الاقتناع بنسبية الحقيقة...).
فكيف يمكن لفرد تشكَّل في ظل شروط استبدادية (في العائلة والمدرسة والمجتمع والسلطة) محنطة في قالب أخلاقي، ومعطاة كصيغة نهائية، أن يعيد صياغة ذاته، في إطار قيم معاكسة؟
هنا تتشكَّل أزمة في الوعي، وأخرى في ما بين الوعي والممارسة، وثالثة في الممارسة ذاتها. ولاشك أن تجاوزها، لا يرتبط سوى بتعميق الوعي بالماركسية والثقافة التقدمية الانسانية، وتقويم الممارسة الديمقراطية والارتقاء الدائم بها داخل الحزب أو الفصيل.
إن إشارتنا إلى «الفرد» هنا ليست عبثية، لأننا نقصد أن «النمط الجديد» يفترض تجاوز منطق القبول الميكانيكي أو العضوي للأفكار المطروحة ، ويسهم في بلورة السمات الشخصية للفرد، ولأن الحزب السياسي، ليس قطيعاً، إنه مجموع إرادات لأفراد، تقيم فيما بينها علاقات على ضوء مبادئ تحفظ فردية الأفراد، وتوحّد فيما بينهم في نفس الوقت، وهذا هو جوهر مبادئ الحزب الماركسي وجوهر مبادئ الحياة الداخلية، وفق اللائحة أو النظام الداخلي، الذي يضمن تحقيق الانفصال بين الحزب والتكوين الاجتماعي المتخلف، لتتبلور أسس الحزب الثوري التقدمي الديمقراطي الماركسي الحديث.
هنا أشير الى أن فردية الفرد في مجتمع متخلف، لا تتحقِّق إلا بالوعي، الوعي التنويري  العقلاني الحداثي والإنساني الديمقراطي عموماً والوعي الماركسي خصوصاً، المتضمن الوعي الحديث بالضرورة بكافة محطات التطور في تاريخ الماركسية وسيرورتها منذ ماركس وانجلز  .
  على ضوء ذلك، فإن من المفيد أن يقوم رفاقنا في احزاب وفصائل اليسار باكتشاف ما هو معرفي في مجمل النظام المعرفي للماركسية ، و استخلاص كل الإضاءات و الإضافات الفكرية فيه. و هنا فإن الاطلاع- بالمعنى النسبي على الاقل – على الانتاج المعرفي لبعض الماركسيين من ماركس/ إنجلز و كاوتسكي و بليخانوف و هلفردينغ، إلى لينين و روزا لوكسمبورغ و تروتسكي و بوخارين و ستالين، و ماوتسي تونغ و جيفارا و هوشي منه، إلى جورج لوكاتش و أنطونيو غرامشي وإسحق دويتشر و آرنست ماندل و هنري لوفيفر و بيير بوردو وآلتوسير وهابرماس وماركيوزة وجورج لابيكا..... إلخ ، مع الاهتمام بالاطلاع الواسع بصورة خاصة على بعض الإنتاج المعرفي للماركسيين العرب : د.فؤاد مرسي، محمود أمين العالم، مهدي عامل، سمير أمين، اسماعيل صبري عبدالله، محمد إبراهيم نقد والشفيع احمد الشيخ وعبد الخالق محجوب والرفيق يوسف سلمان فهد  وعبد الفتاح إسماعيل وجورج حبش وفالح عبد الجبار وهادي العلوي وميشيل كامل وطاهر عبد الحكيم وحسين مروه،  ومهدي عامل والطيب تيزيني، وصادق العظم ، إلياس مرقص، وإبراهيم السرفاتي واحمد صادق سعد وعبد الغفار شكر وجلبير أشقر، فوزي منصور، هشام غصيب، وماهر الشريف، عبد الباسط عبد المعطي، عبد الله العروي، ياسين الحافظ، هشام جعيط ، سلامة كيلة، موفق محادين ، ناهض حتر ، سعيد بن سعيد العلوي وفيصل دراج ومحمد دكروب وجورج طرابيشي وفواز طرابلسي وغيرهم؛ حيث أن الهدف هنا ليس إستخلاص السياسي، بل تأصيل المعرفي و الإمساك بالمنهجي، من أجل إكتساب المقدرة على وعي الواقع ومن ثم وضوح البرنامج المطلوب لتغييره.
لهذا نقول إن وعي التنوير البرجوازي هو جزء من تكوين الماركسية، في إطار عملية النفي والتأكيد التي قام بها ماركس وأنجلز.
المحور الثاني: يتعلق بالحياة الداخلية للأحزاب الماركسية، بالأسس التي تشكَّلت على أساسها هذه الأحزاب.
أن مفهوم «المركزية الديمقراطية» الذي مثّل أسس الحياة الداخلية، كان الشعار الذي أسس –في المرحلة الستالينية وما تلاها- للاستبداد، لأن كلمة الديمقراطية فيه لم تكن ذات معنى، سوى بالممارسة الشكلية لحق الانتخاب، بينما عنت المركزية –في تلك الاحزاب- سيطرة «الهيئات الأعلى» فالأعلى، والأعلى هو الأمين العام و م.س.
وإذا كان لينين هو الذي انتج هذا المفهوم، فقد عنى به اتحاد إرادات حرّة. في الممارسة من أجل تغيير الواقع. لهذا إشتمل عنده على مبدأ حق إبداء الرأي وحق الاختلاف، ومبدأ تقرير سياسات الحزب من خلال الحوار المكتوب، والعلني، ومن خلال إقرارها في مؤتمرات حقيقية. تشهد صراعات حقيقية، وتأتي نتيجة الانتخاب كتعبير عن هذه الصراعات.
وحده ستالين الذي أعطى هذا المفهوم معنى الاستبداد، حينما حسم الصراعات في الحزب، ومنع المناقشة لأن الحزب ليس نادياً للمناقشة، وأعدم الأقلية، وأكد مبدأ الخضوع (خضوع الهيئات الدنيا للهيئات العليا، وخضوع الأقلية للأغلبية...).
لاشك أن الصيغة اللينينية للمفهوم لا تزال راهنة، وهي، صحيحة، ومهمة أيضاً، لكن لابد من أن نلاحظ، أولاً أن هذا المفهوم بات منذ زمن طويل ما قبل انهيار الاتحاد السوفياتي مطموسا ضمن صيغ استبدادية، وبالتالي اعتراه التشويه الشديد باسم المركزية والبيروقراطية.
ولنلاحظ، ثانياً، أن المفهوم، أي مفهوم، محدّد في الزمان والمكان الذي أنتج فيه، وبالتالي فهو يخضع لتحوّلات الزمان والمكان، لذا يكون من الضروري عادة إعادة إنتاجه على ضوء التجربة الواقعية، ولاشك أن تجربة قرن من الممارسة – منذ وفاة لينين - يجب أن تسمح بتحديد أعمق للمفاهيم، وإعادة إنتاجها لتغتني بثراء تجربة طويلة، وإخضاع مفهوم المركزية الديمقراطية لإعادة الإنتاج  بحيث يتم إعطاء الأولوية للديمقراطية الداخلية نظريا وفي الممارسة من أجل تطوير وتكريس العلاقات الداخلية في أحزاب وفصائل اليسار  بالاستناد  الى الأسس الديمقراطية بوضوح .
 هذه هي المسألة التي يجب أن تشغلنا، وهي مسألة تتعلق بالبنية العامة للحزب (بالعضوية، بتطوير الوعي، وبتكوين الفرد وتكريس الديمقراطية أسلوبا ومنهجا في حياة احزابنا)، مع التأكيد على  تشجيع جملة حقوق بديهية ، وهي حق إبداء الرأي، حق الاختلاف، حق الانتقاد، وحق إعلان كل ذلك، حق أن يعبر العضو عن آرائه بحرية تامة، وان يعلن اختلافه مع سياسات الحزب ، وأن ينتقد هذه السياسات.
أن ممارسة هذه الحقوق يشكل الأساس لتشكيل ديمقراطي يضمن حق المناقشة والحوار والانتخاب، التي يمكن أن يصاغ «قانونها»، الذي يصبح ذو معنى، لأنه يكون حينها صيغة ناظمة لعلاقات أعضاء متحدين ومختلفين في نفس الوقت، لكنهم يحرصون على الاتحاد، لأنهم يحرصون على تحقيق التقدم.
المحور الثالث: يتعلق بمسألة الاختلاف التي تفرض ضرورة الحوار والنقاش، وتستلزم تشكَّل بنية تستوعب كل ذلك.
أن الاختلاف والتناقض والتمايز ليست بدعة، أو نتاج نزق أفراد، بل أنها نتاج الواقع، أنها نتاج البنية الاجتماعية المختلفة المتمايزة والمتناقضة، فإذا كان الفكر هو انعكاس للواقع (وهذه فكرة ماركسية جوهرية، وهي في أساس الرؤية المادية للماركسية)، فإن اختلاف وتمايز وتناقض الواقع يفرض كل ذلك على صعيد الفكر ولأن أعضاء الحزب (أي حزب) هم من الواقع، هم أعضاء أيضاً في طبقات، فإن «وحدتهم الفولاذية» على صعيد الفكر. حسب المفهوم الستاليني ليست ممكنة على الإطلاق، إلا إذا تحوّلوا إلى فئات معزولة عن الواقع، عن تناقضات الواقع، أي إذا تحوّلوا إلى «قطيع».
وإذا حاولنا أن ندرس أساس الاختلاف والتمايز والتناقض في بنية الحزب، يمكن أن نشير إلى مصدرين:
الأول: الأساس الطبقي، فالحزب الماركسي المعبّر عن العمال والفلاحين الفقراء، يضّم في صفوفه –كما هو حال كافة الأحزاب والفصائل  في بلداننا- أعضاء من الفئات الوسطى، ومن البرجوازية، وإذا كانت القناعة بالماركسية هي أساس هذا الانتماء، فإن تضارباً في مصالح هذه الطبقات يظهر على شكل اختلافات في التوجهات تصل إلى حدّ التناقض.
الثاني: الأساس المعرفي، ويتمثل في تفاوت المقدرة على امتلاك الوعي و المنهجية الماركسية وبالتالي التفاوت في التحليل الدقيق للواقع والوقائع، ولاشك أن للمستوى الثقافي دور مهم في ذلك، لأن الماركسية علم، يحتاج إلى الدراسة الجادة والمثابرة، وهي منهجية تحتاج إلى دراسة صحيحة من أجل امتلاكها.
لكن في كل الأحوال، فإن ما يحدَّد مسار الحزب، في هذا الوضع، هو وجود الأساس الواقعي الذي يسمح بحوار جاد فيه، يجعل من الممكن لأعضائه تحديد المواقف والتصوّرات التي تجعل منه حزباً حقيقياً.
إننا بحاجة، في هذا الوقت  ونحن في العقد الثالث من القرن الحادي العشرين، إلى دراسة  الأسس التي تحكم التنظيم البروليتاري، الى جانب المراجعة التاريخية المعرفية النقدية للتجربة الطويلة التي عاشتها الأحزاب اليسارية في الوطن العربي، بما أفرزته من ظواهر ومشاكل، وما أكدته من حقائق تفرض – في ضوء المراجعة النقدية – صياغة الرؤى الاستراتيجية والبرامج واليات العمل التنظيمي والمعرفي للحزب او الفصيل بما يتفق مع الماركسية ومنهجها مع الاخذ بعين الاعتبار كافة الخصوصيات  والتطورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في كل بلد على حدة من ناحية وعلى مستوى الكوكب في ظل العولمة الامبريالية الراهنة وتفاقم أنظمة الكومبرادور العربية وانحطاطها راهنا من ناحية ثانية .
ذلك إن محاولة القيام بثورة شاملة يفرض، إذا ما أريد لها الاستمرار، ولكي تتبلور وتتقدم وتنتصر، أن تتوضِّح كل المسائل المتعلقة بالتنظيم، في ضوء الالتزام الخلاق والتوعية المعمقة بالنظرية الماركسية وكافة جوانب الحياة الاجتماعية في بلداننا وفق المنظور الطبقي والرؤية السياسية لاحزابنا  ، مع الاهتمام الجاد بتعميق الوعي  والممارسة بمفاهيم الديمقراطية داخل الحزب .
أهمية الوعي :
إن الوعي النظري والفكري من ناحية، والوعي بمكونات الواقع المعاش من ناحية ثانية ، له أهمية كبيرة وأساسية إن لم نقل الأولوية ، فالوعي العام المرتبط بسعة الأفق، الوعي الذي يعطي للديمقراطية حقها النظري والعملي، ويحدَّد طبيعتها، لكي لا تظل طلسماً يجري الحديث عنه دون فهم كنهه، ودون التمسك به في الممارسة، هو الذي يعطي للديمقراطية معناها الحقيقي، ويحوّل المركزية إلى شكل، إن برنامج النضال ليس قضية آنية يمكن حسمها في اجتماع أو مؤتمر، بل قضية بحاجة إلى حوار عميق، وبحث مستفيض في الحزب وخارجه. والحوار والبحث هما اللذان يحدَّدان "التخوم" كما يقول لينين، أي يحدَّدان نقاط اللقاء ونقاط الاختلاف، وهما اللذان يرسيان الثقة بين مجموع الأعضاء ويجعلان اختيار القيادة نابعاً من ثقة حقيقية، وتفهُّم لتوجّهاتها ونهجها.
إن التأكيد على مبدأ حرية الرأي ليس تأكيداً نظرياً فقط، بل هو بشكل أساسي تأكيد عملي يرتبط بقناعة نظرية، قناعة تنطلق من الاعتراف باختلاف الآراء، وبأن الاختلاف ليس شيئاً طارئاً بل هو القانون الأساسي. وبالتالي فبروز أفكار مختلفة لا يدعو للريبة والشك وإلى تحكيم عدم الثقة، ولا إلى فرض فكرة معينة فرضاً تعسفياً، لأن ذلك يعني تأكيد تسلُّط فرد أو فئة، وتحريم الديمقراطية من جهة، ومن جهة أخرى محاولة فرض فكرة  غير ناضجة وغير مستوعبة، ليس على الصعيد الذاتي فيما يتعلق بفرد أو مجموعة أفراد، وإنما في مجمل التنظيم.
وإذا كان اختلاف الآراء في المجتمع البرجوازي ناتجاً عن وجود طبقات عديدة، لكل منها منهجها وأفكارها، فهو في داخل الطبقة الواحدة أمر بديهي، لتناقضات المصالح ضمن إطار الطبقة الواحدة، ولاختلاف الوعي والتجربة. كما أنه داخل الحزب الواحد أمر وارد أيضاً، لأسباب أهمها:
(1)       ضحالة الوعي في أوساط كافة الأحزاب والفصائل اليسارية في الوطن العربي بالنظرية الماركسية وبمكونات واقع بلدانهم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي  ، الى جانب تطور الحياة والمجتمع والمعرفة والمهام والتحديات الجديدة مما يفتح دوماً المجال للتمايز والاختلاف  .
(2)       وجود فئات من طبقات مختلفة، فالعمال والفلاحون والمثقفون، بشكل أساسي، يكوّنون بنية الحزب نظريا ، لكنهم لا يشكلون أغلبية واضحة – من حيث العضوية او من حيث الارتقاء في المراتب القيادية-  في مجمل الأحزاب والفصائل في بلداننا.
(3)       وجود فئات داخل كل طبقة، تبرز داخلها أفكار متعارضة أحياناً.
(4)       درجة التخلف من ناحية ومستوى الوعي من ناحية ثانية، في كل طبقة اجتماعية، وبين كل فئة فيها، وداخل التنظيم، وهو انعكاس لثقافة التخلف وتجديده السائدة في بلدان الوطن العربي بدرجات متفاوتة.
وإن كانت الضوابط والقوانين التي تحكم الحياة الداخلية تسهم في إرساء أسس الديمقراطية، وتفرض ممارسة محدّدة لها. فإن الوعي العميق بالنظرية وكافة جوانب التطور الاجتماعي الاقتصادي الثقافي في كل قطر عربي وفق المنظور الطبقي الماركسي ، واعتماد النهج والسلوك الديمقراطي داخل الحزب  هو جوهر العملية الكفيلة باستنهاض أحزاب وفصائل اليسار في بلداننا ، خاصة وأن الظروف الموضوعية المتمثلة في شدة مظاهر القمع والاستبداد والاستغلال الطبقي والتبعية والخضوع للشروط الامريكية الصهيونية اصبح سمة أساسية من سمات الأوضاع في مجمل الأنظمة العربية ، لكن استمرار عجز أو ضعف وعزلة الحزاب وفصائل اليسار أو ما اسميه العامل الذاتي سيؤدي بالضرورة الى المزيد من تفاقم أوضاع الاستغلال والاستبداد والتبعية والتخلف ، بحيث يصبح المستقبل كله محكوم للفئات العميلة الكومبرادورية البيروقراطية الحاكمة في بلادنا.
وهنا أرى ضرورة تناول ظاهرة نضج الظرف الموضوعي وعجز العامل الذاتي ( الحزب)  كما يلي :
نلحظ هنا مفارقة تتجلى في تراجع وتفكك القوى والأحزاب اليسارية العربية ، في مرحلة يتبدى فيها نضوجاً غير مسبوق للظروف الموضوعية ، المتمثلة في تزايد مظاهر وتراكمات ظلم واضطهاد ومعاناة وكبت واستبداد وقمع الجماهير الشعبية الفقيرة ، بحيث يبدو لي أن هذه الظروف الموضوعية باتت –طوال العقود الأربعة الماضية- تستنجد بالعامل الذاتي / الحزب الثوري الماركسي، لكي يقطف ثمارها عبر دوره الطليعي في توعية وتنظيم الجماهير من أجل تجاوز والغاء كل مظاهر اضطهادها ومعاناتها ، وفي المقدمة من ذلك اسقاط الأنظمة القائمة ، لكن أحزاب وقوى اليسار العربي عجزت وتقاعست عن القيام بهذا الدور التاريخي ، على الرغم من أن  حاجة الجماهير الشعبية العربية ، للثورة الديمقراطية وللاشتراكية ، هي ، موضوعياً ، حاجة ملحة طوال العقود الماضية ، أكثر من أي مرحلة سابقة في التاريخ الحديث والمعاصر للتطور الاجتماعي الاقتصادي للمجتمعات العربية ، الأمر الذي يستدعي طرح التساؤل الموضوعي حول مستقبل قوى وأحزاب وفصائل اليسار العربي ، الذي بات غامضاً وشديد الضبابية بفعل تراكم أزماتها، السياسية والفكرية والتنظيمية ، واشتداد الحاجة لخروجها من هذه الازمات قبل أن يسدل عليها الستار من خلال الجديد الذي سيولد بالضرورة من رحمها أو من خارجها أو من كلاهما .
ففي الوضع المنحط الراهن، نلاحظ تزايد عوامل القلق المشروع – في أوساط الجماهير الشعبية الفقيرة - من أدوات الاستبداد والتبعية التخلف والثورة المضادة، التي تتفاعل صعوداً، بدعم مباشر وغير مباشر من القوى الامبريالية و"حلف الناتو" وعملاءه من الحكام العرب في قطر والسعودية والخليج والعراق...إلخ ، ما يعني بوضوح شديد ، ان النضال من اجل اسقاط رؤوس وانظمة الاستبداد وبناء النظام الديمقراطي الخالي من كل اشكال الاستغلال، هو في نفس اللحظة نضال من اجل الغاء علاقات ومظاهر التبعية للنظام الامبريالي وحليفه الصهيوني، وإذا كان الأمر كذلك، فان من واجبنا أن نطرح مجدداً السؤال التقليدي : ما العمل؟  ... ما هي العملية النقيض لذلك كله؟
إن الإجابة عن هذا السؤال مرهونة بصحوة حقيقية نشطة ، سياسياً وفكرياً وتنظيمياً ، من قبل أحزاب وحركات اليسار العربي ، على الرغم من ادراكنا للطبيعة المركبة والمعقدة لأزمة هذه الأحزاب ، ومرهونة أيضاً بتبلور ولادة احزاب وحركات يسارية ماركسية ثورية قادرة على التقاط هذه اللحظة، ومن ثم الالتزام بعملية النضال الحقيقي السياسي الديمقراطي والجماهيري، من أجل تحقيق الأهداف التي انطلقت الجماهير الشعبية من أجلها ، عبر مسيرة نضالية تحررية وطبقية بقيادة أحزاب اليسار في كل قطر عربي ، من اجل مواصلة النضال  صوب التطبيق الفعال لرؤية وبرنامج الثورة الوطنية الديمقراطية بآفاقها الاشتراكية ، ضد كل أشكال التبعية ، وضد الوجود الصهيوني والقواعد العسكرية الأمريكية والغربية ، وضد كل أشكال الاستغلال الرأسمالي والتبعية في شتى صورها، وأن يخطط النظام الديمقراطي الجديد إلى إعادة بناء الذات الوطنية والقومية الوحدوية  على أسس ديمقراطية و تنموية حديثة وفق قواعد الاعتماد على الذات.
لكن عوامل الاستنهاض الثوري الذاتي، في مجمل أحزاب اليسار العربي، باتت اليوم في حالة شديدة من الضعف والتراجع، غير مؤهلة –حتى اللحظة- لهذه المجابهة، مما وفر بالتالي فرص تراكم عوامل الأزمة البنيوية الشاملة فيها، وعندئذ لا مجال للحديث عن أي صحوة أو استنهاض. لذلك فإن قوى وأحزاب وفصائل اليسار الماركسي في مغرب ومشرق الوطن  العربي ، تواجه في هذه اللحظة الثورية ، تحدياً كبيراً ، سيحدد مصيرها ووجودها ومستقبلها ، وبدون ذلك  سيسدل عليها ويولد الجديد من احشائها او من خارجها .
لذلك ، فإن رسم أو وضع تصور لمغادرة الأزمة وتجاوزها، يجب أن يبدأ أولا عبر المراجعة النقدية لكل مكونات الخطاب السياسي وآليات العمل التنظيمي والمعرفي الماركسي والنضال التحرري الديمقراطي والمطلبي ، طوال العقود الخمسة الماضية، -شرط وضوح الهوية الفكرية الماركسية ومنهجها- ، نظرا لأولويتها كحلقة مركزية توفر الأرضية التي تـنبنى عليها الحلقات الأخرى (التنظيمية والفكرية والسياسية والكفاحية والمجتمعية الطبقية ) بصورة موضوعية ومنضبطة، إذ أن المفصل الأساسي في أزمة اليسار العربي يتحدد –بصورة رئيسية- في العجز الفكري أو ضعف الوعي بالنظرية، ومن ثم العجز عن بلورة الرؤية الفكرية لتشخيص واقع مجتمعاته وصياغة البرنامج الديمقراطي البديل، الأمر الذي يتطلب خطوات استنهاضية عاجلة لخروج هذه الأحزاب من أزماتها قبل فوات الأوان  .
إن أساس العمل الثوري في أحزاب وفصائل اليسار في بلداننا ، ليس معالجة  الازمة المعرفية او ما يسمى بأزمة الماركسية ، الى جانب معالجة الإشكالات السياسية اليومية, والأحداث العابرة وحسب, بل أيضاً – بصورة أولية - معالجة الإشكالات العميقة, والمشاكل الاقتصادية الاجتماعية, والفكرية السياسية  والاثنية السائدة بأفق علمي، دون تجاوز الاهتمام الشديد بخروج احزابنا وفصائلنا من أزمة المعرفة او ضحالة الوعي بالماركسية ، حيث تتبدى الضرورة لدراسة  " أزمة " الماركسية الراهنة ومستقبلها في البلاد العربية  وفق المنظور التالي:
إن جذور أزمة الماركسية في الوطن العربي تكمن في هذا التراجع الفكري أو النظري، إلى جانب حالة الاغتراب عن الواقع، بسبب فشلها في وعي الواقع واستيعاب جوانبه ومكوناته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية...إلخ ، حيث استمرت طوال العقود الماضية في رفع شعارات او مبادئ لا تجسد الواقع أو تعكسه بصورة جدلية وموضوعية صحيحة، ما يعني بوضوح ان الحركات اليسارية لم تدرك أن المبادئ لا تصلح نقطة انطلاق للبحث والتحليل والتنقيب، بل هي نتيجتها الختامية. فالمبادئ لا تطبّق على المجتمع والطبيعة والتاريخ بل تُشْتَقْ منها، فليس على الواقع والتاريخ أن يتطابقا مع أفكارنا, بل على أفكارنا أن تتوافق وتتطابق مع قوانين حركة الواقع ومنطق التاريخ، هذا هو الدرس الرئيسي الذي يتوجب على قوى اليسار العربي أن تستوعبه في وعيها وممارستها، دون أن يعني ذلك تجاوزاً للتطور الاجتماعي والطبقي المشوه ، لمجتمعاتنا العربية ، طوال التاريخ الحديث والمعاصر ، وبالتالي فإنني أرى أنه ليس من المغالاة في شيء، إذا قلنا بأن ما يسمى بأزمة الماركسية في بلادنا ، هي انعكاس –بهذا القدر أو ذاك- لأزمة وتخلف المجتمع والفكر السياسي العربي ارتباطاً بالمسار التطوري التاريخي المشوه .
وفي هذا السياق ، أؤكد على أن أزمة الماركسية عندنا، تتجلى في كونها تعيش حالة قطيعة أو إرباك مع تراثها، ارتباطاً بالأزمة الفكرية لدى أحزاب اليسار العربي، وهذه الأزمة أسهمت في ضياع بوصلة تلك الأحزاب، الفكرية والسياسية، ليس بسبب التبعية الميكانيكية تاريخياً للمركز في موسكو، أو بسبب الوعي المسطح أو البسيط على مستوى الاعضاء فحسب، بل أيضاً بسبب هشاشة وضعف الوعي في معظم الهيئات القيادية ، التي عاشت نوعاً من غياب الوعي الماركسي أو اللامبالاه – والرفض العلني أو المبطن- للفكر الماركسي خاصة بعد سقوط التجربة السوفياتية وتزايد الميول الليبرالية الانتهازية واليمينية في بعض الأحزاب والفصائل، إلى جانب الاغتراب أو العزلة بالنسبة للقيادات المركزية في المكاتب السياسية او اللجان المركزية عن قواعدها التنظيمية وجماهيرها، فضلاً عن حالة الجمود الفكري والتنظيمي البيروقراطي و تراكم المصالح الطبقية الانتهازية بتأثير العلاقة مع هذه السلطة أو هذا النظام أو ذاك.
كما تجلت الأزمة أيضاً ، في المنتسبين إلى هذه الأحزاب وهيئاتها القيادية، لا سيما ضعف وعيهم للدور الذي على الماركسية أن تقوم به في مجتمع متأخر تابع ومستباح، وبالتالي الضعف الشديد لتأثيرهم أو غيابه في أوساط الجماهير ، بدليل اشتعال الانتفاضات العربية فيما سمي ب "الربيع العربي" دونما أي دور ملموس لأحزاب وقوى اليسار فيها ، التي غيبت نفسها بسبب تفاقم أزماتها ، وعجزها وقصورها الذاتي على الرغم من نضج الظروف الموضوعية المتمثلة في الاستلاب الوطني الناجم عن وجود القواعد العسكرية والاحتلال الصهيوني من جهة وفي الاستلاب والاستبداد الطبقي الناجم عن شدة بشاعة استغلال الطبقة الحاكمة وحلفائها لجماهير الفقراء اللذين خرجوا بالملايين مشاركين في الحالة الثورية العفوية التي  سرعان ما احتضنتها قوى الإسلام السياسي والقوى الليبرالية ، إلى جانب قوى الثورة المضادة ، في ظل غياب محزن للطليعة اليسارية المدافعة عن أماني وأهداف الجماهير .
نستنتج مما تقدم ، إلى أن ما يوصف بأنه " أزمة الفكر" لدى أحزاب اليسار العربي هو في الحقيقة أزمة الممارسة بسفحيها: النظري والعملي، فثمة بون شاسع بين الممارسة النظرية، مثلاً، وبين انتقاء وجمع وتوليف مجموعة من الأفكار والمبادئ والتصورات، قُطعت عن منظومتها الفكرية، وانتُزعت من سياقها التاريخي ، عبر مسميات خجولة أزاحت النص الصريح بالالتزام بالماركسية ، لحساب نصوص تلفيقية أو توفيقية أو تحريفية، أو عناوين استرشادية جاءت انسجاماً مع مواقف العديد من الأحزاب الشيوعية التي تخلت عن اسمها أو بعض الفصائل والحركات الأخرى التي اتجهت صوب الخلط الفكري بين الليبرالية والماركسية ، أو حتى شطب الماركسية من أدبياتها، ذلك الخلط أو الشطب، سيعزز تراجعها المتصل، وتهميشها وسيعجل بنهايتها.
على أي حال، إن التخلي عن الماركسية أو الارتداد عنها والتنكر لها ، ليس موقفاً جديداً مرتبطاً بانهيار الاتحاد السوفياتي أو بالواقع العربي المهزوم ، بل هو ظاهرة نشأت منذ نشوء الماركسية، من خلال العناصر والقوى اليمينية التي وجدت في الماركسية خطراً شديداً على مصالحها ووجودها ، لكن " الماركسية" بمضمونها السياسي والاجتماعي ودلالاتها ومؤشراتها المستقبلية بالنسبة لتحرر وانعتاق العمال والفلاحين وكل الفقراء والكادحين في هذا الكوكب ، خاصة في البلدان المستعمرة والتابعة ، كما هو حال بلداننا العربية، الذين لن يجدوا خلاصهم إلا من خلالها ، لذلك ، فإن البحث في "أزمة الماركسية" –ولا نقول فشلها- هو بحث في الماركسية ذاتها، -كما يقول " الصديق سلامة كيلة- وإذا كان من حق اي كان، ان يتخلى عن افكار ويعتنق أفكار أخرى نقيضة، فانه ليس من حق احد اصدار حكم بالتجاوز او النفي على تيار فكري من اجل تبرير هذا التخلي، خصوصاً اذا كان الحكم بلا حيثيات سوى البعد الذاتي ومبرراته الانتهازية الأنانية الصريحة.
بالطبع ، إننا ندرك أن هناك أسباباً ذاتية وموضوعية متعددة ومتنوعة المبررات والذرائع بالنسبة لمظاهر التخلي او التراجع عن الماركسية أو البحث عن الصيغ التوفيقية هروباً من الالتزام بجوهرها الثوري ، وهي أسباب  جعلت البعض ممن كانوا في أحزاب وفصائل اليسار أو على هامشها ، يتجهون بوجهات نظر فردية تفتقر للموضوعية وأقرب إلى الانتهازية ، تروج لأفكار الليبرالية الجديدة بدوافع مصلحية كما في الكثير من منظمات NGO S أو بدوافع سياسية هابطة ومهزومة .
إضافة إلى كل ما تقدم، نستطيع الكشف عن مظهرين آخرين من مظاهر أزمة الماركسية في البلدان العربية ، أولهما: عدم استخدامها كفلسفة نقدية في تشخيص ودراسة خصوصية التطور الاجتماعي الاقتصادي العربي، وانماطه وثقافته المختلفة كلياً عن الانماط التي سادت في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة، والثاني: عدم تمحورها على المستقبل، بسبب عدم توجيهها صوب فكرة الثورة الديمقراطية والتقدم بوصفها عملية تَخَطِّ وتجاوز مستمرة، ليس لأنظمة التخلف والمشيخات القبلية الشبه إقطاعية فحسب ، بل أيضاً لما كان يسمى بأنظمة "البرجوازية الوطنية " .
وهذا يحيلنا إلى الحديث عن أزمة المجتمعات العربية ، التي ينطبق عليها ما كتبه ماركس في مقدمة الطبعة الأولى من "رأس المال"، عام 1867 حيث يقول : "إلى جانب الشرور الحديثة، أو الآلام في العهد الحالي، علينا أن نتحمل سلسلة طويلة من الأمراض الوراثية الناتجة عن بقاء أساليب إنتاج بالية، تخطاها الزمن، مع ما يتبعها من علاقات سياسية واجتماعية أضحت في غير محلها زمنياً، والتي تولدها تلك الأساليب، ففي مثل هذه الأحوال، ليس علينا أن نعاني فقط الآلام بسبب الأحياء، وإنما بسبب الموتى أيضاً: فالميت يكبل الحي" ، هذا التحليل الذي قصد به ماركس الدولة الألمانية آنذاك، ينطبق على الوضع الاجتماعي الاقتصادي والسياسي والثقافي  العربي عموماً، وعلى جوهر الأزمة الاجتماعية فيه بشكل خاص، حيث نتفق على أن ذلك الجوهر الكامن في بنية النظام العربي، وهي بنية رأسمالية تابعة ومشوهة ورثة ، كان السبب الرئيسي في انتفاضة الجماهير الشعبية ورفعها لشعارات "اسقاط الرئيس" و "اسقاط النظام" من أجل حريتها وانعتاقها ، ومن أجل إزالة كل أسباب ومظاهر معاناتها السياسية والاجتماعية .
لذلك من المهم تشخيص وتحليل الأوضاع  والمتغيرات الاجتماعية / الطبقية في المجتمعات العربية ، طوال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية عموماً ، ومرحلة ما بعد هزيمة حزيران وغياب عبد الناصر، وصولاً إلى الانفتاح الساداتي ، وكامب ديفيد وصولاً إلى أوسلو ووادي عربة  ،  وبداية التفكك وانهيار ما كان يسمى بالنظم التقدمية والحركات الوطنية خصوصاً ، بما يمكننا من ادراك جوهر الطابع الموضوعي لأزمة الماركسية من خلال ادراكنا للمسار التطوري لأزمة المجتمعات العربية ، وهي أزمة تاريخية عميقة تعود في جوهرها إلى أن البلدان العربية عموماً لا تعيش –حتى لحظة الانتفاضات الثورية الراهنة- زمناً حداثياً أو حضارياً، ولا تنتسب له جوهرياً، وذلك بسبب فقدانها، بحكم تبعيتها البنيوية، للبوصلة من جهة، وللأدوات الحداثية، الطبقية و الحضارية والمعرفية الداخلية التي يمكن أن تحدد طبيعة التطور المجتمعي العربي ومساره وعلاقته الجدلية بالحداثة والحضارة العالمية أو الإنسانية.
فعلى الرغم من دخولنا القرن الحادي والعشرين،إلا أننا –في البلدان العربية- ما زلنا في زمان القرن الخامس عشر قبل عصر النهضة، أو في زمان "ما قبل الرأسمالية"،  وبالتالي ما قبل المجتمع المدني، على الرغم من تغلغل العلاقات الرأسمالية في بلادنا، والشواهد على ذلك كثيرة، فالمجتمع العربي لم يستوعب السمات الأساسية للثقافة العقلانية أو ثقافة التنوير، بمنطلقاتها العلمية وروحها النقدية التغييرية، وإبداعها واستكشافها المتواصل في مناخ من الحرية والديمقراطية كما يقول الصديق هشام غصيب، ففي غياب هذه السمات يصبح من الصعوبة بمكان على الجماهير الشعبية المضطهدة ، إدراك الوجود المادي والوجود الاجتماعي والدور التاريخي الموضوعي للأفكار التوحيدية الكبرى، النضال الطبقي، متوازياً مع النضال التحرري ضد ممارسات  التحالف الامبريالي الصهيوني  واستغلاله البشع لثروات شعوبنا ، كما يصعب عليها أيضاً ادراك اهمية  النضال بالمعنى الاجتماعي المطلبي والسياسي الديمقراطي ، والتطور التنموي المستقل ، والاشتراكية ، والوحدة العربية، ادراكاً ذاتياً بحكم عفويتها ، وهنا تتجلى الأهمية التاريخية والعاجلة ، لدور القوى الثورية ، الماركسية تحديداً ، في الاندماج العضوي، سياسياً وفكرياً واجتماعياً ، داخل فسيفساء الشرائح الاجتماعية الفقيرة المضطهدة، بهدف توعيتها ، ورفع سوية تفكيرها العفوي إلى درجات الوعي الطليعي، بالمعنى النسبي، من خلال تنظيمها، والتوسع في صفوفها وتأطيرها ليس في إطار الحزب فحسب ، بل أيضاً  ، في مختلف المنظمات الجماهيرية ، النقابية والأهلية والنوادي والمدارس والجامعات ... إلخ ، لكن ممارسات احزاب وفصائل قوى اليسار العربي ، لم تكن – على الرغم من كل تضحياتها ونضالاتها – في مستوى تحقيق  هذا الهدف ، ما يعني بوضوح أن هذه القوى ، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ، عاشت حالة قريبة من التفكك والتراجع ليس على المستوى التنظيمي والشعبي ، بل أيضاً على المستوى الفكري أو الأيديولوجي ، بحيث بات معظم هذه القوى أقرب إلى هذا النظام العربي أو ذاك بذريعة التحالفات في إطار ما يسمى بـ"جبهات تقدمية" لا وجود لها على الأرض أو بين الناس ، ما يؤكد على الطابع الانتهازي لهذه التحالفات أو أي صيغة أخرى مشابهة  طالما استمر عجز الأحزاب الماركسية العربية في تأسيس اطر ديمقراطية ضمن مفهو التيار الثالث النقيض لليمين العلماني والغيبي.
بالطبع إن تخلف المجتمع وتخلف علاقات الانتاج والعلاقات الاجتماعية السائدة فيه، بسبب استمرار وجود وتأثير الانماط الاجتماعية القديمة، العبودية في بعض البلدان ( اليمن والخليج والسعودية) والعشائرية أو القبائلية وبقايا الاقطاع( في معظم بلداننا)، جنباً إلى جنب مع العلاقات الرأسمالية التابعة الرثة وبعض مظاهر الحداثة الشكلية الاستهلاكية المترفة والباذخة المرتبطة بها ، بحيث يمكن القول أن مجتمعاتنا العربية مازالت تعيش نوعاً من اختلاط الانماط الاقتصادية والاجتماعية ذات السمات الشرقية ، إلى جانب تراكم وتجذر عوامل التبعية للاستعمار ثم النظام الامبريالي، التي لعبت الدور الرئيسي في تكريس ذلك التخلف وإعادة تجديده .
  إلا أن كل هذه السمات أو الأوضاع التي تشكل جوهر البنية المتخلفة للمجتمعات العربية – مع تفاوتات أو فوارق نسبية – لا تلغي مسئولية العامل الذاتي أو الأحزاب الشيوعية وفصائل اليسار في تشخيص وتحليل واستيعاب ووعي مكونات هذا الواقع –السياسية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية- وفق المنهج الماركسي، ومن ثم بلورة الرؤية والبرامج المطلوبة لمراكمة وانضاج عملية التغيير الديمقراطي الثوري لهذه المجتمعات ، لكن جمود هذه القوى عند نصوص "مقدسة" لماركس أو لينين أو نصوص مقدسة في المادية التاريخية –على سبيل المثال- ، خاصة فيما يتعلق بتطور الانماط أو التشكيلات الاقتصادية الاجتماعية ، التي تحدث عنها ماركس، من المشاعية إلى العبودية ، إلى الاقطاع و الرأسمالية ، بدون اللجوء إلى التحليل التاريخي للسمات الخاصة التي ميزت تطور المجتمعات العربية وفق أنماط انتاجية شرقية إو آسيوية أو خراجية أو غيرها، وهي كلها سمات تختلف عما طرحته المادية التاريخية للمجتمعات الأوروبية.
وفي هذا الجانب أشير إلى أن جمود الأحزاب الشيوعية لم يكن متوقفاً عند النصوص فحسب، بل كان ممتداً ومنتشراً بحيث أصاب روح التغيير الديمقراطي والتحرري الثوري لدى قيادة هذه الأحزاب، ومن ثم كان من الطبيعي أن تتراكم الازمات الداخلية بكل مظاهرها الفكرية والسياسية والتنظيمية دون أي مخرج - بسبب عجز وضحالة وعي معظم القيادات – سوى اللجوء إلى إدارة الأزمة بأزمة أخرى أشد بشاعة، عبر التكتلات والشلل، والمحاسيب ، مما ادى إلى تفاقم الأوضاع المأزومة، التي انتجت بدورها مزيداً من التراجع والعزلة التي تزايدت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وانتشار حالة من الفوضى الفكرية، ولجوء بعض هذه الأحزاب إلى الأفكار والسياسات الليبرالية لتبرر انتهازيتها وهبوطها السياسي والفكري ورخاوتها التنظيمية ، الأمر الذي ينذر باسدال الستار عليها إذا لم تبدأ عملية مراجعة نقدية لكل ممارساتها صوب النهوض.
صحيح أن الماركسية هي منهج أفكار ماركس , و "مذهبه" ، لكن علينا أن ندرك أن كل من الأفكار، و"المذهب"، محدودان ومحددان بالزمان والمكان، ولذلك فإن أهم مظهر من مظاهر أزمة الماركسية في بلادنا ، هو جمودها على النص القديم او "المذهب"، وافتقارها أو عجزها عن التعامل مع روح المنهج المادي الجدلي وجوهره التاريخي، وبالتالي عجزها عن اكتشاف جدل الواقع العربي ذاته وميول تطوره، إذ لا يمكن موضوعياً الحديث عن المنهج المادي الجدلي بدون الماركسية، وبالتالي فإن الهروب من الماركسية باسم المنهج الجدلي خطوة تؤشر على نزعة انتهازية تسعى إلى الهروب من التراث الماركسي كله ، وهي أيضاً خطوة تؤكد على انتصار التيار الليبرالي الانتهازي الرث داخل هذه الأحزاب من جهة، أو تجسيد لعدم الوعي بأهمية اعتماد الماركسية كشرط للتعاطي مع المنهج المادي الجدلي من جهة ثانية، إذ أن معنى ذلك الشطب للماركسية، ليس استجابة للتيارات الدينية الرجعية وغيرهم من أعداء الماركسية فحسب، بل هي أيضاً إزاحة مفاهيم الصراع الوطني والقومي الكفاحي باسم السلام المزعوم من جهة وإزاحة مفاهيم وآليات الصراع الطبقي وفائض القيمة والتحليل الاقتصادي والطبقي لكل مظاهر الاستغلال من أجل تجاوزها من جهة ثانية .
إن نقطة البدء لعملية التصدي للوضع المأزوم ، و الارتقاء بالعامل الذاتي كعقل جمعي ، تتطلب توفير عنصر الوحدة الجدلية بين الوعي و الممارسة لدى كل عضو من اعضاء هذا الحزب أو ذاك ، في كل ما يرتبط بمفهوم الحزب و دوره ووظيفته و آلياته، خاصة وأننا نعيش اليوم ، أمام نتيجة مفزعة تتجلى في هذه الهوة المتزايدة الاتساع بين الجماهير من ناحية وأحزاب اليسار العربي من ناحية ثانية، وهنا تتبدى الحاجة إلى إثارة وتفعيل عملية النقد الذاتي البنَّاء ، الذي يستند إلى الحاجة الموضوعية الضاغطة، لتجديدها وإعادة بنائها، عبر ممارستها لعملية التقييم والمراجعة المنهجية العلمية القاسية لكافة برامجها وسياساتها ورؤاها الأيديولوجية، وصولاً الى التطبيق الخلاق لهذه الأسس على ضوء المتطلبات والضرورات الراهنة والمستقبلية للواقع الخاص في كل بلد عربي على حدة، دون أي انفصام عن الهدف الاستراتيجي في تحقيق المشروع النهضوي التوحيدي الديمقراطي العربي .
وعلى هذا الأساس ، فإننا ندعو إلى البدء في تفعيل عملية الحوار والبحث ، -بكثير من الهدوء والتدرج والعمق-  بهدف ايجاد آلية حوار فكري من على ارضية الحداثة والماركسية ، حول كل القضايا السياسية والاقتصادية والمجتمعية القومية والانسانية ، بما يخدم ويعزز الدور الطليعي -الراهن والمستقبلي- لقوى اليسار الماركسي العربي ، رغم كل الصعوبات والتعقيدات التي تفرضها الهجمة العدوانية الصهيونية الامبريالية على شعوبنا من جهة ، ورغم ما يعتري هذه المرحلة من ادعاءات القوى الليبرالية الهابطة تجاه ضرورات الماركسية وراهنيتها من الجهة الأخرى...
الأمر الذي يفرض على قوى اليسار الماركسي أن تبدأ بعملية الاستنهاض الذاتي للخروج من أزماتها، واثبات وجودها ودورها في اوساط جماهيرها في كل قطر عربي أولاً ، عبر برامج سياسية ومجتمعية يستجيب لمنطلقات الثورة الوطنية التحررية الديمقراطية بارتباطها المستقبلي الوثيق بالثورة القومية الديمقراطية الوحدوية ، بما يمهد إلى الخطوة الثانية التي تتجلى في البدء بعملية حوارية تستهدف وضع التصورات الفكرية والسياسية والتنظيمية من أجل إعادة بناء الحركة الماركسية العربية التي يجب أن تظل هدف استراتيجياً لدى كافة احزاب وفصائل ومثقفي اليسار العربي ، انطلاقاً من أن بلورة وتنشيط الحركة الماركسية العربية كاطار ديمقراطي ثوري جامع لكافة القوى اليسارية المناضلة ضد التحالف الامبريالي والوجود الصهيوني والقوى الرجعية والطبقية وكافة قوى الاستبداد والتبعية والتخلف في وطننا العربي ، سيوفر اداة ورافعة نهضوية ديمقراطية تقدمية وثورية تسهم بدورها التاريخي الراهن في تجاوز الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التابعة والمتخلفة والمأزومة صوب تحقيق مهمات الثورة القومية الديمقراطية بافاقها الاشتراكية . .
 


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
ولذلك علينا أن نولي قضية التماسك الفكري/ الإيديولوجي اهتماما أكبر, وهذا لا يكون إلا بالتالي:
‌أ.        تطوير الوعي عموما, والوعي العلمي تحديداً.
‌ب.   تطوير معرفتنا بظروفنا, والسعي لكي نغني معلوماتنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية، وخصوصاً فيما يتعلق بظروفنا المحددة.
‌ج.     السعي لامتلاك منهج التحليل المادي الجدلي، بما يمكن رفاقنا من امتلاك القدرة على تحليل كافة المتغيرات والتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في بلادنا.
‌د.       التعمق في بحث القضايا الأساسية التي تأخذ طابعاً نظرياً, والتي ترتبط أساسا بقضايانا, قضايا الوطن والأمة ومشاكلها، والثورة وأسسها وطبيعتها، وقضايا الصراع الطبقي والتغيير الثوري وأشكاله وظروفه، وقضايا التنظيم والثقافة والفكر ، وقضايا النضال السياسي التحرري والديمقراطي المطلبي والنقابي والجماهيري... بكل دوائره المجتمعية .
 
 
فبالقدر الذي نؤمن بأن الماركسية إذا ما كفت عن تجديد نفسها إنما تكف عن أن تكون نفسها ، لذلك فإن جميع الماركسيين في كافة الأحزاب والحركات اليسارية على الصعيدين العربي والأممي، مطالبون بدراسة واقع بلدانهم وتطبيق النظرية على هذا الواقع تطبيقـاً خلاقـاً .
إن أهمية هذه الرؤية ، مرتبطة بما يجري من أزمات سياسية واقتصادية عالمية من جهة ، ومزيد من محاولات الاستغلال والسيطرة الامبريالية على مقدرات شعوب البلدان الفقيرة عموماً وبلدان وطننا العربي خصوصاً ،  بما يؤكد على عودة الماركسية المتطورة ، المستفيدة من كل خطايا وأخطاء التجارب السابقة من جديد وعلى الاشتراكية كخيار وحيد للمستقبل.
في إطار هذه الضرورة، ووعينا لها، تتبدى الماركسية كمنهج للتحليل وكنظرية في التغيير الثوري، إلى جانب الاستفادة من المسار التطوري والتجديدي للفكر الماركسي ما بعد لينين إلى يومنا هذا عبر العديد من المفكرين والمثقفين الماركسيين الذين قدموا إضافات نوعية في الفلسفة والعلوم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، اغنت الماركسية كنظرية في التغيير الثوري وكمنهج للتحليل ، الأمر الذي يضع أحزاب وفصائل اليسار العربي أمام خيارين لا ثالث لهما ، إما استلهام ووعي المسار التطوري المتجدد للماركسية أو دخول هذه الأحزاب مرحلة التفكك والاندثار في انتظار الجديد، الذي سيولد حتماً من بين صفوفها أو من خارجها .
إن قراءتنا لبعض مؤشرات ومكونات المسار التطوري ، تعزز لدينا القناعة الراسخة أن الماركسية لم تندثر، بل من المستحيل تجاوزها ، وبالتالي نقول لكل من يعتبر أن الماركسية قد كفت عن كونها نظرية ثورية، انت مخطئ كل الخطأ، وكذلك الأمر بالنسبة لكل من يحكم على مستقبل الاشتراكية على ضوء حاضرها المأزوم، فلا زالت شعوب ما يسمى بالعالم الثالث تعاني من: السيطرة الامبريالية والتبعية والتخلف، و التفاوت الطبقي, والاستغلال والقهر الطبقي, ولم يحدث في تاريخ البشرية أن بلغ إستغلال فائض القيمة للشعوب الفقيرة والتابعة ، والقهر الاجتماعي والإفقار، المستوى الذي وصل إليه اليوم، إلى جانب كل أشكال العدوان والحروب التي تمارس لحماية مصالح النظام الرأسمالي كما هو الحال في بلادنا. ما يعني أن الاشتراكية اليوم باتت ضرورة حتمية كتتويج للديمقراطية والحداثة وتخليص مجتمعاتنا من كل مظاهر التخلف والتبعية والاستغلال والاستبداد، إذ ليس ثمة خيار آخر –خاصة لبلداننا العربية والعالم الثالث- فإما الاشتراكية أو مزيد من التبعية والتخلف والاستغلال والاستبداد.
 ولهذا أرى أن من واجب قوى اليسار الماركسي العربي، ان تكون معنية بتحديد الموضوعات الأساسية التي يشكل وعيها، مدخلاً أساسياً لوعي حركة وتناقضات النظام الرأسمالي من جهة، وحركة واقع بلدانها بكل مكوناته وآفاق صيرورته التطورية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من جهة ثانية، انطلاقاً من إدراكها الموضوعي، بان التعاطي مع الماركسية ومنهجها بعيداً عن كل أشكال الجمود وتقديس النصوص ، كفيل بتجاوز أزمتها الراهنة ، إذا ما أدركت بوعي عميق طبيعة ومتطلبات واقع بلدانها بكل جوانبه الاقتصادية والسياسية والمجتمعية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إطلاق نيران تحذيرية في اشتباكات بين قوات الأمن والمتظاهرين ف


.. إيطاليا: استطلاعات الرأي تشير إلى تقدم تحالف اليمين واليمين


.. إيطاليا: استطلاعات الرأي تشير إلى تقدم تحالف اليمين واليمين




.. إيران الآن.. مواجهات عنيفة بين المتظاهرين وقوات الأمن في مدي


.. زلزال سياسي في إيطاليا.. ماذا يعني فوز اليمين المتطرف بالانت