الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مراجعات في فكر جون بولبي

مصعب قاسم عزاوي
طبيب و كاتب

(Mousab Kassem Azzawi)

2022 / 8 / 15
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


تعريب فريق دار الأكاديمية للطباعة والنشر والتوزيع لملخص محاضرة قدمها الطبيب مصعب قاسم عزاوي باللغة الإنجليزية في مركز دار الأكاديمية الثقافي في لندن.

من بين أعمق تطلعاتنا وأكثرها طبيعية على ما يبدو هو التوق إلى تكوين علاقات مستقرة ومُرضية وطبيعية مع من حولنا. ولكن الحقيقة المؤلمة هي أن عدداً كبيراً جداً من العلاقات تبدو كصراعات بائسة مستعصية بدلاً من كونها دعماً لكل الأطراف الداخلة بها. وإنها أحد أكبر الأسئلة الملحة في عقول بني البشر تكون: لماذا يصعب علينا إقامة علاقات سعيدة وبناءة بالشكل الذي نصبو إليه جميعاً.
ولد إدوارد جون موستن بولبي في عام 1907، وكانت مرحلة طفولته من الدرجة العليا المثالية البريطانية. لقد كان والده طبيباً مشهوراً وناجحاً للغاية، يتمتع برتبة الفروسية والروابط الملكية. وبالكاد قد رأى بولبي الصغير والديه، وكان يتم الاعتناء به من قبل مربية جميلة تسمى ميني. لكن ميني كانت موظفة، وعندما كان جون في الرابعة من عمره، تم إرسالها بعيداً. لم يكن والداه قاسيين عن عمد. إنهما مثل أي شخص آخر في ذلك الوقت لم يدركا مدى ما يمكن أن يجرح طفلهم معنوياً. وفي السابعة من عمره، انتقل بولبي - تمشياً مع شروط ذاك الزمان إلى مدرسة داخلية، إلى عالم استُبعد منه دفء الأم بشدة.
كان بولبي طالب طب رائع، وباحثاً مبدعاً. وفي عام 1952، قام بتصوير فيلم بعنوان "طفل يبلغ من العمر عامين يذهب إلى المستشفى"، والذي أظهر المعاناة التي مر بها الطفل عندما تم فصله عن والديه بشكل مؤسسي. في أجنحة المستشفى، لم يُسمح للأمهات بالإمساك بأطفالهن المرضى - على سبيل المثال - خوفاً من انتشار الجراثيم. وكانت أوقات الزيارة مقيدة على نحو صارم.
عندما كان مستشاراً لمنظمة الصحة العالمية في أوائل عقد خمسينيات القرن العشرين، كتب بولبي تقريراً بعنوان: رعاية الأمهات والصحة العقلية. لقد قام بمهاجمة الافتراضات السائدة (بما في ذلك تلك التي تحتفظ بها والدته بقوة)، محاججاً بأن اللطف لا يفسد الأطفال ولا يدللهم فوق المطلوب. وقد أكد أهمية تطوير علاقة حميمة وممتعة للطفل وأمه على حد السواء.
واستحضر بولبي بشكل محزن العناية المحبّة التي يحتاجها الولد الصغير: "كل الاحتضان واللعب، وألفة الرضاعة التي يتعلم من خلالها الطفل راحة جسد والدته، وطريقة طقوس الغسيل وارتداء الملابس، ويتعلم من خلال كبريائها وحنانها تجاه كينونته الضئيلة قيمه الخاصة..." وإن مثل هذه التجارب الحميمية تعلِّم الثقة الأساسية، و تعلم فن إدارة الصعوبات؛ وإن تلك الأخطاء هي فقط أخطاء محتملة الحدوث، ويمكن وضعها في نصابها الصحيح، وأنه يحق لنا بطبيعة الحال أن نتعامل بحرارة وعناية فيما بيننا، دون الاضطرار إلى فعل أي شيء لكسب هذا الحق الطبيعي، و ودون الحاجة إلى تقديم طلبات أو مطالب خاصة." يبدو الأمر كما لو أن رعاية الأمهات كانت ضرورية للتطوير السليم للشخصية مثلها مثل أهمية فيتامين (د) من أجل النمو السليم للعظام.".
إن الوالدين المثاليين لا بد أن يكونا متاحين عندما يحتاج الطفل إليهما. إنهما يجيدان الاستماع في الواقع إلى ما يقوله الطفل. إن الوالدين المثاليين لا يتجولان بقلق حول محيط الطفل الزماني والمكاني في محاولة لإدارة التفاصيل الدقيقة لكل شيء. إن الوالدين المثاليين يشعران الطفل بأنه لا يجب دائماً تجنب تلك المشكلات والصعوبات والمخاطر، ولكن عليه التفكر والاجتهاد لمواجهتها وحلحلتها أو التغلب عليها بمهارة. مثل هذين الوالدين يجعلان الطفل آمناً. وبوجودهما لن يشعر الطفل فقط بالأمان في لحظات معينة، بل إنه يأخذ هذا الأمان معه في سيرورة الحياة، إذ أنه يصبح شخصاً آمناً، ومن ثم يكون أقل عرضة للتدمير من قبل منعطفات الفشل في الحياة، وأقل احتياجاً لطمأنة نفسه بقيمتها الخاصة باستمرار، لأنه يحمل في داخله شعوراً مستقراً ومعقولاً وآمناً عن كينونته.
ولكن في الحقيقة هي أننا في كثير من الأحيان لا نحصل على رعاية الأمهات والآباء التي نحتاجها. إن الآباء والأمهات يخطئون بطرق لا نهاية لها في كثير من الأحايين. قد يكون الوالدان في كثير من الأحايين غير متسقين في نهجهما التربوي، ففي مرحلة ما، يكونان متاحين بشكل كبير، وسعداء باللعب والقيام بالأشياء؛ ثم فجأة يصبحان مشغولين بشدة وبعيدين. أو قد يكونان لطيفين ومعطاءين، ولكن بنفس اللحظة قد يكونان غاضبين أو حادي الطباع. قد يكونان مشغولين طوال الوقت تقريباً، أو منشغلين كثيراً بالعمل أو الحياة الاجتماعية. وقد تمنعهما مخاوفهما أو قلقهما أو متاعبهما من توفير الاهتمام الحكيم السخي الذي يحتاجه الطفل.
في كتابه الذي نشر في العام 1959 بعنوان قلق الانفصال، ينظر بولبي إلى ما يحدث عندما لا يكون هناك ما يكفي من رعاية الأمهات. وقد وصف سلوك الأطفال الذين لاحظهم والذين كانوا قد انفصلوا عن والديهم. لقد مروا بثلاث مراحل: الاحتجاج، واليأس، والابتعاد. بدأت المرحلة الأولى بمجرد مغادرة الوالدين، وسوف تستمر هذه المرحلة ما بين بضع ساعات وأسبوع. وكان الأطفال المحتجون يبكون، ويتجولون كما لو انهم يبحثون عن والديهم، ويتفاعلون مع أي حركة كاحتمال عودة أي منهما إليهم، وإذا تم تكرار هذا النموذج من الافتراق مع الطفل بشكل متواتر، فهو سوف يعني في منظار الطفل بأن الطفل يتوق لاهتمام الوالدين وحبهما وعنايتهما، ولكنه يشعر أن أي شيء جيد قد يختفي في أي وقت. إن الطفل يبحث عن الكثير من الطمأنينة، وينتابه شعور بالضيق إذا لم يكن ذلك وشيكاً. هذا هو نمط ما أطلق عليه بولبي "التعلّق المقلق".
لكن درجة الانفصال عن الوالدين قد تكون أكبر. يمكن للطفل أن يشعر بالعجز الشديد عندما يتم الفصل، لمدد أطول أو بشدات اكبر حيث يدخل الطفل عالمه الخاص، لحماية نفسه، وبذلك يصبح بعيداً وبارداً. يقول بولبي إنه يصبح "متجنباً للتعلُّق": أي أنه يرى الحنان والتقارب والاستثمار العاطفي أمراً خطيراً وينبغي أن يتم تجنبه، بنما هو في الحقيقة يائس من احتضان والديه أو الحصول على دعمهم والطمأنينة في وجودهم.
كان تركيز تفكير بولبي حول ما يحدث للطفل إذا كان هناك الكثير من الصعوبات في تكوين تعلقات آمنة في سيرورة نموه الجسدي والعقلي، وبرأيه نمط التعلق الذي طورناه في مرحلة الطفولة يستمر في حياتنا كبالغين.
يتم تغذية أسلوب التعلق الخاص بنا عن طريق التجارب المبكرة، فهو يحدد طريقتنا الفردية في التواجد مع الآخرين. إنها الطريقة التي نستقبل بها ما سيقدم عليه الآخرون، والمدخل الذي نلج منه لتأطير احتياجاتنا الخاصة، وكيف نتوقع أن تسير الأمور. إنه نص موجود مسبقاً يتم كتابته في علاقاتنا الخاصة بالبالغين، وعادةً دون أن ندرك أن هذا يحدث. كل شيء يبدو واضحاً ومألوفاً. إننا نأخذ نمط تعلقنا معنا، من شريك لآخر.
والحقيقة أن أفكار بولبي حول أهمية الارتباط المبكر بين الأم والطفل استغرقت وقتاً طويلاً للحصول على اعتراف ودعم أوسع سواء في بريطانيا أو خارجها. لكنه حدث بالفعل، في النهاية. لم تكن هناك لحظة ثورية دراماتيكية واحدة بسبب أفكاره التي أحدثت ثورة بطيئة على طاولات العشاء وعلى أبواب المدارس، وفي المؤتمرات في أماكن بعيدة، وفي تحليلات دقيقة للتكاليف والفوائد التي أعدها الموظفون المدنيون الحكوميون، والباحثون الأكاديميون. إنها عملية تطوُّر اجتماعي لا يوجد فيها سوى عدد قليل من الأبطال الواضحين والعديد من المشاركين الضروريين الذين لا يستطيعون أن يعرفوا على وجه التحديد ما الذي ساهموا به بالضبط، كان ناتجها الإجمالي إعادة الاعتبار لأهمية وجوهرية الرعاية الحميمية للأطفال من أجل نضجهم الروحي والنفسي والعقلي المتوازن.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بوتين: روسيا مهددة من جديد بدبابات ألمانية • فرانس 24


.. تقارير إسرائيلية تتحدث عن احتمال انضمام السودان إلى الاتفاقي




.. ياسر العظمة: مسلسل -باب الحارة- زيَّف تاريخ الشام | #فكر_وفن


.. تصاعد حدة الخلاف بين الرئيس التونسي واتحاد الشغل | #النافذة_




.. اتصالات متبادلة بين واشنطن والجزائر لتنسيق المواقف | #النافذ