الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


لماذا المصرى كثير الشكوى ؟

أحمد فاروق عباس

2022 / 9 / 1
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


المصري واحد من أكثر شعوب العالم شكوى ، من كل شئ تقريباً ، وهو داء تفشى في كل الطبقات ، الغنية منها قبل الفقيرة ، بل ربما - وهو عكس كل منطق معقول - الشكوى فى الطبقات الغنية والمثقفة أكبر منها وأكثر إلحاحاً من الطبقات الفقيرة أو الأقل تعليماً !!

وهى صفة ليست جديدة تماما ، ولكنها أصبحت أكثر وضوحاً فى العقود والسنوات الماضية ، وهناك بردية شهيرة ترجع إلي ثلاثة آلاف سنة ، يشتكى فيها المصري القديم من سوء الأحوال ، وكيف كان الماضى أكثر بهاء ، وفيه الخير كله بعكس الحاضر حيث تغيرت أحوال الناس وطباعهم إلي الأسوأ ( من ٣٠٠٠ سنة ) !!

الأمر قديم إذن ..
فالمصري منذ أقدم العصور يقدس الماضى ويشكو من الحاضر ويتطير من المستقبل !
ولكن ما هو السبب يا تُري ؟
- هل الخوف من الحسد هو مبرر الشكوى ؟ وخوف المصريين وغيرهم من الشعوب القديمة من العين وأثرها مشهور ومعروف ..
- هل كان عسف الحكام وجورهم هو السبب ؟
ربما ، ولكن شعوب كثيرة غيرنا نالها ما نالنا من ظلم الحكام وجورهم على طول العصور ، وبعضها تعرض لحروب مدمرة وهجرات من مواطنها لم تحدث عندنا لحسن الحظ ، ومع ذلك احتفظت بحسها التفاؤلى بالحاضر وتطلعها القوى للمستقبل ..

- هل هى طبيعة المجتمعات الزراعية كمجتمعنا ؟ وهى مجتمعات غير متحركة وغير ديناميكية ، وأكثر تواكلية واعتماداً على غيرها ، فالفلاح يرمى البذور وينتظر اشهراً حتى يتم الحصاد ، وخلالها يبقى بلا عمل جدى انتظارا للثمر ، بعكس المجتمعات التى عرفت الصناعة أو المجتمعات التى ركبت البحار أو المجتمعات التى امتشقت السيف للغزو والحرب ، وهى مجتمعات لا يهمها كثيرا الماضى ولا تشكو كثيرا من الحاضر وتطلعها دائما الى المستقبل ..
ولكن لم تعد الزراعة هى النشاط الرئيسى فى الاقتصاد المصرى ، ولم يعد المجتمع المصري - من عقود - مجتمعا زراعيا ..

والفرد في تلك المجتمعات يعتمد في الغالب على نفسه ، ويعرف مواطن ضعفه وتعثره ، بعكس المصري ، فهو نادراً ما يعترف بخطأه ، ودائما لديه قائمة يلقى عليها باللائمة ، فهى مرة الزمن الغدار أو الدولة الفاشلة أو الفساد أو الظروف أو أو ...إلخ ، فكل الدنيا على خطأ إلا هو ، والكل فاسد إلا جنابه ..
وبينما يعرف العالم الإنسان المغامر أو الإنسان المتفاءل تعرف مصر الإنسان كثير الشكوى ، ومن عدة أسابيع كنت أقرأ فى مجلة الأهرام الاقتصادى ، ولفت نظرى أن ذلك الداء انتقل إلى الطبقات شديدة الثراء ، فهذا حوار مع مليونير - وربما أكبر - يمتلك شركة ومصنع أدوية كبير وحديثه كله شكوى ، من الدولة التى تفرض عليه أن يبيع بأسعار أقل ، وعن مشاكل المواد الخام فى صناعته ، ومشاكل الاستيراد ومشاكل التصدير !!

وفى نفس العدد لقاء مع رئيس جهاز حماية المستهلك ، وفيه يشتكى من المستهلك ومن المنتج معاً ، وحديث عن دوره الذي لم يجد من يفهمه أو يقدره حتى الآن !!

وفى باب الشكوى ما يقال أن المصري أصبح يترك بلاده بحثاً عن مكان أفضل من بلاده ، ولكن لا يقرأ أحد التاريخ ليعلم كيف خرج عشرات الملايين - وفى بعض الآراء مئات الملايين - من أوربا طوال القرن ١٩ والقرن ٢٠ وهاجروا إلى أمريكا هرباً من الفقر والفاقة ، أو هرباً من الاضطهاد الدينى (فى الهجرات الأسبق) وهاجر مثلهم إلى المستعمرات فى أفريقيا وآسيا يحاولون بناء مستقبل جديد فى تلك البلاد البعيدة بعد أن تعذر عليهم ذلك فى وطنهم ، وكيف يترك الملايين من الصينيين الآن بلدهم - والصين القوة الإقتصادية الثانية عالمياً بعد أمريكا - ويطرقون أبواب المنازل فى مدن الشرق يعرضون سلعهم حيث يوجد زبائن ، وينظمون ويقيمون المعارض الصينية فى كل مكان !!

أين العيب إذن ؟
أم أن الأمر مرتبط بتكوين الإنسان نفسه وطبيعته ، وهل هناك أسباب موضوعية لذلك ام كما قال شاعر المهجر الكبير إيليا أبو ماضى :

أيّها الشّاكي وما بك داء .... كيف تغدو اذا غدوت عليلا ؟
انّ شرّ الجناة في الأرض نفس .... تتوقّى قبل الرّحيل الرّحيلا
وترى الشّوك في الورود وتعمى ... أن ترى فوقها النّدى إكليلا
هو عبء على الحياة ثقيل .... لمن يظنّ الحياة عبئا ثقيلا
والذي نفسه بغير جمال .... لا يرى في الوجود شيئا جميلا








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قصف روسي عنيف على كييف وأنحاء أوكرانيا، والسلطات تدعو المواط


.. المغرب يوقع على 5 مذكرات تفاهم حول مشروع أنبوب الغاز الممتد




.. الجزائر تحتضن أول مؤتمر إفريقي للشركات الناشئة | #النافذة_ال


.. قوى مدنية توقع مع المجلس العسكري اتفاقا يشكل إطارا لمرحلة ان




.. الأخبار – الثالثة صباحا 06/12/2022