الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


وجه الخير و أهل البركة

كمال جمال بك
شاعر وإعلامي

(Kamal Gamal Beg)

2022 / 9 / 22
الادب والفن


قصص وأعتاب ونواصي، جمع قُصة أي غرّة الشّعر للنساء غالبا، وجمع عتبة كناية عن البيوت والمنازل، وجمع ناصية كناية عن الخيل، عبارة يُعلّق الناس عليها آمالهم أو خيباتهم في سعة العيش وحسن الحال، أو الابتلاء والشدّة.
في القصص ولد الغريب في بيت التنّور والنخلة وسرداب المؤونة لأهل أمه، بعيدا عن أبيه المعتصم في غرفته مرضاً. وعلى أعتاب الدار مأوى آمن للأعشاب الطرية، لها نصيب من ماء الطيبة، ورائحة التراب الأحمر المرشوش بعد قيلولة صيف لاهبة، ولها وافر من محبة خيوط السّحاب المتدلية بأنوار شتائية ضاحكة.
"قُصّته خير على أخواله" عبارة حلّقت بجناحي الابتسامات، حتى من قبل أن يولد، حيث أهداه جده المطوّف عبد الله، وهو في الرحم، حزامه الحريري الخمري رفيقه في الحج قائلا لأمه: هذا قماطه.
وعلى حليب دافئ في بساط ثلاث سنوات تنعّم بحضني أمه وحبابته زهرة، ومع أيادي أخواله، وعلى رقاب خالاته، في سباق إشباعه ما يشتهي من لقمة طيبة، أو حفلة عرس، أو حكايات وأغاني.
وفي دهليز حكاية أحبَّ عبد الله زهرة، وفي حبكتها طلب والدها سلمان مهرها 50 نيرة ذهبية، وفي سردها راح جده العنيد يحوك البُسط والشُّفوف الكبيرة التي تُعلّق على الحيطان، ومع كل نسج بين اللُّحمة والسُّداة تشدو قطرات العرق:

يا ريمتي فرّعي ربّ السما فوگك
سنتين خادم هلك كلو لاجل شوگك
والله ان ما اعطوني هلك بالليل لابوگك
حسّو علي الصبح گالوا حرامية
وفي الحكاية أيضا أنقذ الدركي الخيّال عبد الله فتاة كردية أخوتها مطاردون، جاء بها أخوه سالم من القامشلي مكرّمة لتكون زوجة للقائم مقام. ساهم موت أبناء زهرة في اقتراحها سلطانة زوجة ثانية لعبد الله، عسى أن تكون قُصتها خيرا، وكان ما كان من ذرية بالعشرات منهما.
******* ********
تناوبت الحبابتان رعاية الأبناء والأحفاد حدّ عدم التمييز بينهم أحيانا إلى أي أم تنتمي هذه البنت أو ذاك الابن.
وبفارق ألمي على مسطرة الزمن غادرت حبابته زهرة الدنيا مع بدايات ثورة الشعب في سورية متجاوزة المئة بخمس سنوات، لحقتها بعد سنوات قليلة حبابته سلطانة متجاوزة المئة بسنوات أيضا. ولها من الحكايات ما يختلف عن حكايات زهرة، في المضمون والأسلوب والطريقة والهدف. تطول الحكاية وينعس الصوت مادامت العيون نصف مغمضة، وتقصر مع لحظات صمت حين تميل الرؤوس على متكئ من تعب اللعب نهارا أو من خشية من الشخصيات الخرافية الشريرة غالبا. ونادرا ما تحمل الحنافيش والسعليات والغيلان سمة الخير، إلا لغرض يتضح في الخواتيم:

"كان يا ما كان
كان في بنية ضايعة بالغابة
وجدت قصر كبير
فيه أربعين سرير
عرفت بعدين انها لأربعين حنفيش
لما رجعوا للقصر لقوها تحت سرير
قالوا لها: أنت أختنا
وعاشت معهم
بحثوا أهلها عنها ولقوها
رادوا يأخذوها ما قبلت
بعدين أخذها واحد من الحنافيش لأهلها
محملة بالذهب والفضة والألماس
وقالوا لها: إن ضامك ضيم نحن موجودين".
******* ********
خلال عزاء حبابته زهرة شارك الشاعر والصحفي أبناء بلدته البوكمال في مظاهرة سلمية للمرة الأولى، لم تكن مقررة بل ارتجلوها لقدومه عند الساحة العامة أمام مخفر الشرطة، امتزجت فيها الشعارات مع الأغاني، واختتمت بصوت رجاء من أحدهم " يا شباب ما في مظاهرة بكرا. جماعة النظام عندهم مسيرة، ما نريد مشاكل يتهمونا بيها".
قبلها في الشام بجانب بيته وليس بعيدا عن عمله، سبقتها مشاركتان، في قدسيّا وجد الناس ينتظمون في صفوف على الرصيفين، ووجد نفسه معهم، حاملا أكياس التسوق إلى الأعلى هاتفا بصوت مجروح من الدموع:" اللي ما بيشارك ما بي ناموس" وفي قلّة الناموس ما فعله معه زعران أمام جامع دمّر البلد، حيث أمضى شبابه وله علاقات اجتماعية مع الأهالي، واتضح له الأمر لاحقا أن تكسيرهم موبايله الهدية مع أنه لم يصور به، وعدم السماح له بالمشاركة كما لآخرين، هو جزء من اتفاق أمني مع تجار المخدرات يقضي بالسماح لهم بالبيع، مقابل تقزيم المظاهرات والتلاعب بها والسيطرة عليها.
لم يخبر أحدًا بهذا، وحده عمه الذي التجأ إلى بيته شهد الاعتداء وتعهد لهم بعدم مجيئه مرة ثانية. مسرعا نزل إلى وسط العاصمة حيث نصب وزير الحربية في ميسلون يوسف العظمة شاهرا سيفه باليمنى ومخفيا اليسرى خلف ظهره، مع بداية انحناءة وأكثر. لم يدر ظهره لأبي ليلى شهيد ميسلون التي مضى إليها وهو يعلم أن معركته الآنية خاسرة، بل طاف حوله، مستذكرا حماسة الشبان الذين رافقوه وخذلان من أذعنوا. قبالة مبنى محافظة دمشق حيث أشار السيف اختار واجهة محل مناسبة واشترى موبايلا شبيها، حمله لاحقا مع علبته إلى المنفى، وسماه الموبايل السوري، وحفظ رقمه في الموبايل السويدي الهدية باسم "الغريب منسيات".
ظل محتفظا به للطوارىء، ولازمه والموبايل السويدي وكمبيوتره الشخصي في إقامات المشفى، هناك حيث وزعهم مع الأورق وأقلام الرصاص على طاولة في زاوية من غرفته، بادئا (البث) من صفحته الفيسبوكية بين إذاعتين لهما لازمة ملتبسة "هنا دمشق".
في القصص حوارات وتداعيات ومونولوجات، يفتح المنفي فيها أحيانا الموبايل السويدي ويتحدث مع الشاعر الصحفي في الموبايل السوري.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تميز بنمط غنائي خاص.. رحيل الفنان ذياب مشهور عن عمر ناهز 76


.. الممثل اللبناني بديع أبو شقرا يتحدث لـ-الحرة- عن شغفه المستم


.. عبير.. فنانة تشكيلية لبنانية تروي تجربتها مع زيارة الطبيب ا




.. تتويج -زنقة كونتاكت- بالجائزة الكبرى للمهرجان الوطني للفيلم


.. تحية من -صباح العربية- للفنان الراحل هشام سليم.. ترك بصمة لا