الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


إشكالية مجهولية المالك بين النص والأجتهاد. ح5

عباس علي العلي
(Abbas Ali Al Ali)

2022 / 10 / 6
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


الملكية في الإسلام /1
القاعدة الأساسية التي يتبناها الإسلام كدين وشريعة هي أن الوجود كله ملك لله وحده، فهو ملك فردي له على وجه الأستقلال لا يشاركه أحد في ذلك ولا يرثه أحد ولا يستورث من أحد، فهو مالك الملك بلا منازع ولا منافس ولا مزاحم كقاعدة عامة لا تقبل الجال، المال إذا في الحقيقة لله سبحانه وتعالى كما في النص التالي {لله ملك السموات والأرض وما فيهن} المائدة:120/ 5، والناس جميعاً مخولين بأذن الله في الأنتقاع والحيازة والأستعمال، فهم شركاء في توزيع مال المخول وفق مشيئة الله وإرادته دون إلتزام من الله يحدد كيفية التوزيع ومقداره وطريقته، لكن ما يتمتع به العباد إنما هو حق موقوف مرة ومعلق مرة أخرى لسبب أو ظرف يتعلق بمشيئة المالك المطلق، فلا يمكن بعد ذلك أن نجد ملكية حقيقية بالمعنى السلطاني على الشيء وفقا للفهم الديني عند الإسلام للملكية.
وتملك الإنسان للمال وفقا للنظرية الدينية الإسلامية يعتبر تملكاً مجازياً بالظاهر، أي إن المالك الحائز أو المتصرف به أنما هو بالحقيقة مؤتمن على المال ومستخلف فيه ونائب أو خليفة عن الله فيه {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} الحديد، أو في النص التالي {هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها} هود، فالأستعمار هو تكليف المستعمر بما كلف فيه أن يكون ضمن حدود الوكالة الأستعمارية وليس تمليكا لما يستعمر {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض، ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم} الأنعام، هنا يكون الأستعمار إيتاء وأستخلاف لا يصل إلى حد التنازل عن الملكية كما ورد في نص أخر {قل اللهم مالك الماك تأت الملك لمن تشاء وتنزع الملك ممن تشاء} الملك، فالملكية إذا خلق من الله لوظيفة تتعلق أصلا بوجود الإنسان الخليفة {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} البقرة.
ويترتب على هذا التصور للملكية واستخلاف الإنسان فيها، أو وكالته عليه أنه يجب التقيد بأوامر الله تعالى، في التملك حسبما يريد صاحب الملك الحقيقي، وبذلك سكون الناس على السواء لهم حق في تملك خيرات الأرض ولكن ليس كحق ثابت ولا واجب مفروض إنما الأمر متعلق بالتمكين فقط، والملكية ليست غاية مقصودة لذاتها بذاتها، وإنما هو وسيلة للانتفاع بالمنافع وتأمين الحاجات لضمان ديمومة الوجود وأستقرار العلاقات داخل المجتمع الإنساني، وإذا كانت الخلافة عن الله في المال للجماعة أصلا بأعتبار أن الله يخاطب الإنسان مفرد قاصدا الإنسان كنوع وجنس، فإن الملكية الخاصة والفردية تعتبر أسلوباً من أساليب قيام الجماعة بمهمتها في الخلافة، وبما لها من صفة اجتماعية لا صفة حق مطلق وسيطرة واستبداد، وللجماعة حق مراقبة ذوي الملكيات الخاصة لاستخدامها في سبيل الصالح العام فيعتبر صاحب المال حينئذ مسؤولاً أمام الله عن ملكية التخويل بأعتبار العلاقة بين المالك والنائب المستخلف، ومسؤولاً أمام الجماعة أيضا بأعتبار أن الملكية وظيفة أجتماعية.
أما حق التخويل في الملكية عند الإسلام كشريعة منظمة ومرتبة للحقوق والواجبات فهو نزعة فطرية ثابتة وحق شخصي نسبي أقرته الشريعة وصانته الديانات السماوية من قبل أيضا، لقوله تعالى {زُيِّن للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة} آل عمران، وكل ما هو فطري يكون أساسي وثابت ولا تعارضه الشريعة بأي حال، إلا أن هذا الحق الشخصي مقيد بقيود كثيرة كما ذكرنا من قبل، ومن أهمها عدم جواز الإضرار بالغير، مما يدل على أن لحق الملكية الفردية في تقدير الإسلام صفتين مزدوجتين، هما صفة الفردية السلطانية المباحة بالتخويل، وصفة المسئولية الوظيفية للملكية تجاه الجماعة العامة في وقت واحد.
إن حق الملكية في الإسلام بطبيعته التي تحدثنا عنها وهي التخويل المتداول بين الناس بحسب الظروف والأحوال والمشيئة الربانية، فإنه يكون دوما حقا مزدوجا يقوم على ركيزتين كما بينا سابقا، وهي الصفة الفردية والصفة الجماعية وتبعا لذلك تكون الملكية إذا على نوعين: ملكية خاصة وملكية عامة، ويكون لحق الملكية الفردية وظيفة اجتماعية تدور ضمن فلك النفع والإحسان والعدل والإصلاح ويوجهها الحق بمقتضاها نحو البر والخير والصالح العام، وليس هو بذاته وظيفة اجتماعية يمنحها المجتمع له وتكون قابلة للزوال، لأن هذا المعنى يؤدي في النتيجة إلى إلغاء فكرة الحق من أصلها التي تعني الديمومية (أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ) فالحق مطلق دائمي لا يتحول ولا يتبدل، لأنه يملك الثبات كونه مطابق للموضوعية المطلقة بذاته.
نعود أصلا لمفهوم الملكية في الإسلام كدين، المعنى والمسمى إصطلاحا ولغة فالمالك أسم فاعل من فعل ملك يملك فهو مالك والمصدر ملكية، مصدر صناعي من المِلك قال في القاموس "مَلَكَه يملِكه مُلكاً أي أحتواه قادراً على الأستبداد به والتصرف فيه"، أما إصطلاحاً فهو "إختصاص بالشيء يمُكن صاحبه من التصرف به إبتداءً مالم يوجد مانع من التصرف"، إذا هنا الملكية هي حق التصرف وحق الاستهلاك والتمتع لشيء ما بصورة خاصة – ونضيف هنا أن هذا التصرف والتمتع يجب أن لا يكون لشيء يحرمه العرف، أو الشرع، أو تمجه الاخلاق.
فمفهوم الملكية إسلاميا هو "التصرف في المال الحلال" فلا ملكية في الحرام وإن تمت الحيازة أو فرض عليها سلطان، فالمحرم من عداد الباطل والباطل لا ينعقد ولا يفيد الإنعقاد أصلا، فالملكية الحقيقية عند الفكر الإسلامي هو المكتسب والمحصل بالطرق المشروعة أبتداء وتواصلا وأستمرارا، والطرق المشروعة المتفق عليها هي (العمل، الارث، الهبة)، فهذه المصادر المشروعة للحصول على المال طبيعيا، وهناك مصادر غير طبيعية مؤقتة ومرتبطة بظروفها مثل الخمس من الغنائم والأنفال والركاز واللقى وإحياء الأرض الموات، المصادر الطبيعية وغير الطبيعية كانت كذلك قبل الاسلام وبعده مع تعديلات في الفرض والنسب والأسباب.
جاء الاسلام وكان عليه أن يجابه بالضرورة أولا عادات العرب وتقاليدهم، أي حياة مجتمع في درجة محدودة من الرقي، ثم ليجابه بعد ذلك عادات وتشريعات أخرى لمجتمعات تختلف كثيرا عن المجتمع العربي في الجزيرة، فمن هذه الجهود ما يعرف ربط الحدود الثلاث ببعضها، وهي حرمة حياة الانسان وحرمة العرض والمال في مقدمة منظومة الحرام الذي لا يغتفر، وما تشريع العقوبة الصارمة للقتل والقذف والسرقة الا دليلا واضحا على تجسيم هذه الحرمة، فالذي يأخذ مال غيره تقطع يده (السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما)، و حرمة صارمة لملك الغير (وآتوا اليتامى أموالهم) ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) فالملكية الفردية لها حرمتها في الاسلام فلا يجوز لأحد شرعا غير صاحب المال أن يتصرف فيه الا بسبب شرعي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أي مستقبل ينتظر السيارات الكهربائية الصينية؟ | عالم السرعة


.. Lunch box كيمو وزان يتفاجئ بأسئلة آية طالب و أطباقها الشهية




.. مجلة تايم الأمريكية تختار الرئيس الأوكراني زيلينسكي شخصية ال


.. قوات إسرائيلية تقتحم مدينة جنين ومخيمها وتقتل 3 فلسطينيين




.. ما هو برنامج الرئيس الصيني في اليوم الثاني من زيارته للسعودي