الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


المحكمة الاتحادية العليا وضوابط العدول الذاتية عن الاحكام القضائية تعليق على قرارها المرقم (158/اتحادية/2022) في 16/8/2022

احمد طلال عبد الحميد
باحث قانوني

(Ahmed Talal Albadri)

2022 / 10 / 11
دراسات وابحاث قانونية


العدول عن الاحكام في القضاء الدستوري ظاهرة قضائية مستقرة في معظم المحاكم العليا ، والسبب يرجع الى الى ماتتمتع به هذه احكام هذه المحاكم من حجية مطلقة ترجع الى كونها غير قابلة للطعن بطرق الطعن القضائية المعروفه على مستوى القضاء العادي ، والمحكمة الاتحادية العليا في رغم حداثة تشكليها نسبياً الى انها اخذت بما انتهى اليه القضاء الدستوري في العالم ومنه الاخذ بمبدأ العدول القضائي استجابة للمتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والانسانية ، والعدول عن الاحكام القضائية والذي يطلق عليه الفقه احياناً مصطلح ( التحول في الاحكام ) يعني تغير اتجاهات المحكمة القضائية وتبني حكم او حل جديد متناقض مع حكم قديم بسبب ظروف سياسية او اجتماعية او اقتصادية او قانونية وعادة مايكون هذا التحول بأرادة القضاء الدستوري ، وقديكون هذا التحول على مستوى تفسير نصوص الدستور فيتبنى القضاء الدستوري بارادته تفسيراً جديداً لنص دستوري متناقض او متعارض لتفسير سابق لذات النص ، وهذا التحول في الاحكام اساسه سنة التطور وماكان مقبولاً في الامس لايمكن قبوله اليوم في ظروف معينه وهذه العلة الاساسية للعدول او التحول في الاحكام القضائية ، ولذلك فأن مبررات العدول متنوعه مابين دعم القضاء الدستوري للحقوق والحريات العامة ومابين دعم للمبادىء الاساسية الواردة في الدستور وما بين تصحيح الاحكام الدستورية السابقه ، ولذلك نجد ان تطبيق مبدأ العدول القضائي اختلف وتباين بين تشكيلة المحكمة السابقة وتشكيلتها الحالية التي كانت اكثر استجابه لمبدأ التفسير المتطور للدستور في مجال الرقابه على دستورية القوانين ، فالمحكمة الاتحادية العليا تتاثر بالظروف الخارجية لعمل المحكمة وحتى الظروف الداخلية ، فهي تتاثر بالظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، كما تتأثر بالاراء الفقهية والقضائية الداخلية والخارجية ، ورغم التشكيلة القضائية للمحكمة الاتحادية العليا الذي يجعلها في منأى عن التأثيرات السياسية الا ان العدول القضائي يشكل احياناً اداة توافقية بين اعضاء المحكمة اتجاه ما يعرض عليها من قضايا فقد يتبنى اعضاءها اراء مخالفة للاحكام التي صدرت ضمن هيئة سابقه كانت تتبنى رؤى اخرى في ذات الموضوع ، الا ان التحول القضائي يجب ان يكون محاطاً بضمانات تقلل من تأثير العدول المفاجىء للمحاكم العليا باعتبار ان الاخيرة هي المسؤولة عن تحقيق الامن القضائي ، وسنحاول الاشارة الى دور المحكمة الاتحادية العليا في بلورة منهاجها الخاص وضوابط العدول او التحول القضائي فيما يأتي :
اولا: دأبت المحكمة الاتحادية العليا ومنذ بداية تشكيلها على الاحتفاض بقدر من المرونه للعدول عن احكامها ، فهنالك قرارات صدرت في بواكير تشكيلها تشير الى مبدأ العدول رغم خلو قانون المحكمة ونظامها الداخلي انذاك من حق المحكمة في العدول عن الاحكام ، حيث ذهبت المحكمة الاتحادية في قرارها المرقم (13/اتحادية /2007) في 31/7/2007 الى حصر اختصاص مجالس المحافظات في اصدار القوانين المحلية بما يمكنها بادارة شؤونها وفق مبدأ اللا مركزية الادارية دون ان يكون لها حق اصدار قوانين اخرى ، الا انها عدلت خلال مدة وجيزة عن هذا القرار بموجب قرارها المرقم (16/اتحادية /2008) في 21/4/2008 عندما اجازت لمجالس المحافظات الغير مرتبطه باقليم باصدار القوانين الخاصة بفرض وجباية الضرائب والرسوم والغرامات وانفاقها ، وكذلك عدولها عن قرارها الذي يعد المادة (113) من قانون اصول المحاكمات الجزائية لقوى الامن الداخلي رقم (17) لسنة 2008 والتي تمنع احالة منتسبي وزارة الداخلية الى المحاكم الا بعد موافقة وزير الداخلية لخصوصية عملهم غير متعارضه مع احكام المادة (47) من الدستور التي نصت على مبدأ الفصل بين السلطات ، الا انها عدلت عن هذا الاتجاه وقررت عدم دستورية المادة (113) سابقه الذكر كونها تتعارض مع المادة (47) من الدستور بموجب قرارها المرقم (115/اتحادية/2017) في 24/10/2017 ربما لتصحيح قرارها السابق لان موافقة الوزير المختص في السلطة التنفيذية يتداخل مع عمل السلطة القضائية وبالتالي يشكل خرقاً لمبدأ الفصل بين السلطات ، كذلك رفضت المحكمة الاتحادية العليا قبول الدعوى الدستورية المقامة من قبل النواب شكلاً لعدم توفر شرط المصلحة وهذا ما افصحت عنه في قرارها المرقم (87/اتحادية/2013) في 16/9/2013 ، الا انها عدلت عن هذا الاتجاه وقبلت الدعاوى المقامة من قبل النواب مؤسسسة هذا العدول على تفسير المركز القانوني للنائب بأعتباره ممثلاً للشعب كله وان القانون المطعون به قانون عام يخص المصلحة العامة وليس طلباً شخصياً يستلزم تحقق المصلحة الشخصيه فيه ، وهذا ما افصحت عنه في قرارها المرقم (87/اتحادية/2013) في 16/9/2013 ، الا ان المحكمة الاتحادية العليا عدلت مجدداً عن قرارها السابق في قراراها المرقم (88/اتحادية /2022) في 1/8/2022 لاسباب نراها قانونية تتمثل في ان ليس من مهام النائب المحددة في المواد (60) و(61) و(62) من الدستور اقامة دعاوى قضائية استثناءاً من شرط المصلحة المنصوص عليها في المادة (20/ اولاً) من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا رقم (1) لسنة 2022 .
ثانياً : مع تشكيلة المحكمة الاتحادية الجديدة بدأ يتبلور منهج العدول عن الاحكام القضائية بصورة اكثر نضجاً واحترافية في العمل القضائي انعكس على جودة الاحكام القضائية الصادرة عن هذه المحكمة ومنها قرارها المرقم (90/اتحادية /2019) في 28/4/2022 ، المتضمن العدول عن اتجاهاتها السابقة الخاصة برفع الحصانة البرلمانية عن اعضاء مجلس النواب واعادة تفسير الاغلبية المطلقة والبسيطة حيث جاء هذا القرار مصححاً للقرارات السابقة حيث اعادة تفسير المواد (76/رابعاً) و (61/ثامناً/أ) وهو اتجاه سليم يتفق والتفسير المتكامل للدستور في اطار وحدته العضويه ، وايضاً اعادة تفسير المادة (63) من الدستور وتقليل من نطاق الحصانة البرلمانية بما يسمح للقضاء من تحريك اجراءاته دون الاصطدام بعقبات تحول دون محاسبة النواب مرتكبي الجرائم تحت مظله الحصانة البرلمانية ، وكذلك قرارها المرقم (67/اتحادية/2021) في 29/9/2021 الذي عدلت فيه عن حكم سابق يقرر عدم تعارض المادة (165) من قانون العمل العراقي رقم (37) لسنة 2015 التي حددت تشكيلة المحكمة من قاضي وعضوين يمثل احدهما صاحب العمل والاخر العامل مع المواد (19/اولاً) و (87) و(88) و(89) و(90) و(91) من الدستور، حيث قررت المحكمة عدم دستورية الفقرات (ثانياً) و(ثالثاً) من المادة (165) من قانون العمل سابق الذكر لتعارضها مع مواد الدستور ولكون المحاكم يتم تشكيلها من قاضي اجتاز المعهد القضائي ، وكذلك قرارها المرقم (7وموحدتها 9و10/ اتحادية /2022) في 3/2/2022 الذي عدلت فيه عن رأي سابق الذي يوجب قيام رئيس الجمهورية بتكليف مرشح الكتله النيابية الاكثر عدداً في الجلسة الاولى ، حيث ذهبت الى عدم اشتراط تكليف مرشح الكتلة النيابية الاكبر عددا في الجلسة الاولى ، حيث جاء هذا القرار استجابة للظروف السياسية التي رافقت جلسة انتخاب رئيس الجمهورية الذي يرشح بدوره رئيس الكتلة النيابية الاكبر عددا لتشكيل الكابينة الوزارية وما رافق ذلك من اضطرابات سياسية .
ثالثاً: بلورت المحكمة الاتحادية العليا في قراراها المرقم (158/اتحادية / 2022) في 16/8/2022 الضوابط الذاتية لعدول المحكمة الاتحادية العليا عن مبدأ سابق لها حيث جاء في حيثيات قرارها ( .....وللاثر الكبير للمبادىء التي يقررها القضاء الدستوري على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الدول فقد استقر الفقه والقضاء الدستوري على تقرير مبدأ العدول ، وهو احلال لحكم جديد محل حكم سابق في ذات الموضوع ، ويقتضي ان يكون العدول من مبدأ قضائي الى مبدأ قضائي اخر، اي انه لايكون في القرارات والاحكام ذات الطبيعة الشخصية التي تتعلق بشخص او عدد محدد من الاشخاص ، وقد ذهبت التطبيقات القضائية الدستورية في اغلب دول العالم سواء في الدول العربية او في اوربا او في الولايات المتحدة الامريكية الى تقرير العدول لبعض المبادىء التي اكتسبت الحجية بموجب قرارات سابقه لها ، ويكون ذلك استجابة للظروف والمتغيرات التي تفرض على القضاء الدستوري وزن الامور الحادثة بمعايير المتغيرات التي تقع بعد صدور الحكم والتي تقتضي من المحكمة الدستورية اتخاذ رؤية جديدة تنسجم مع الظروف الحادثة من اجل تحقيق المصلحة العليا للبلد ، عدولاً ينعكس اثره ايجاباً على الحقوق والحريات العامة او على امن البلد او تقويم وتحسين عمل السلطات الاتحادية وحسن سير المرافق العامة في الدولة ، وهذا ما اقره النظام الداخلي للمحكمة في المادة (45) منه اذ نصت على ان ( للمحكمة عند الضرورة وكلما اقتضت المصلحة الدستورية والعامة ان تعدل عن مبدأ سابق اقرته في احدى قراراتها على ان لايمس ذلك استقرار المراكز القانونية والحقوق المكتسبة )...) ، ومن الفقرة الحكمية سابقة الذكر يمكن ان نستجلي الضوابط او القيود الذاتية التي وضعتها المحكمة لنفسها للعدول عن قرار سابق وهذه الضوابط تتمثل في ( ان يكون العدول عن مبدأ قضائي سابق الى مبدأ قضائي جديد في ذات الموضوع ، ولم تشر المحكمة الى كون المبدأ الجديد يناقض او يتعارض مع المبدأ الاول في حين اشار الفقه الى ذلك ، ان لاتكون القرارات ذات طبيعة شخصية ، ان يكون العدول استجابة للظروف والمتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، ان يكون هدف العدول تحقيق المصالح العليا للبلد ودعم الحقوق والحريات العامة وحماية الامن وتحسين وتقويم عمل السلطات الاتحادية وضمان حسن سير المرافق العامة للدولة ) فضلاً عما تقدم فأن المادة (45) من النظام الداخلي للمحكمة رقم (1) لسنة 2022 حدد الضوابط القانونية للعدول ولتي تتمثل بـ ( ان يكون اللجوء للعدول في حالة الضرورة وتقدير الضرورة يعود للمحكمة ذاتها ، ان تكون مبررات العدول تتعلق بتحقيق المصلحة العامة والدستورية ، والضابط الاخير هو عبارة عن ضمانة وقيد في ذات الوقت تتمثل بعدم المساس بالمراكز القانونية والحقوق المكتسبة ) .
رابعاً: ندعو المحكمة الاتحادية العليا الى توسيع نطاق ضمانات العدول عن الاحكام القضائية وبلورتها عملياً في قراراتها القادمة مراعاة لمبدأ الامن القضائي المنوط تحقيقه بالمحاكم العليا باعتبار أن الأمن القضائي موكل للمحاكم العليا ويتجلى في جودة الأحكام وسهولة الولوج للقضاء واستقرار الاجتهاد القضائي بهدف ترسيخ الثقة بالمؤسسة القضائية ومن هذه الضمانات المستقرة بالقضاء المقارن هي عدم جواز العدول عن المبدأ الجديد طبقا لقاعدة ( لاعدول على العدول ) ، والعدول التدريجي عن المبدأ القانوني القديم لضمان تقبل المبدأ الجديد وعدم المساس بمبدأ (التوقع المشروع) وعدم مخالفة المبدأ الجديد لنصوص الدستور لان في ذلك خرق لمبدأ الشرعية ، وعدم سريان العدول القضائي باثر رجعي لما له مساس بالمراكز القانونية والحقوق المكتسبة ، وتعميم ونشر الاجتهاد القضائي الجديد ، وعدم الخلط بين تناقض الاحكام والعدول عنها ...والله الموفق
د.احمد طلال عبد الحميد البدري
بغداد 23/9/2022








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تونس: إجلاء مئات المهاجرين و-ترحيلهم إلى الحدود الجزائرية- و


.. ما آخر التطورات بملف التفاوض على صفقة تبادل الأسرى ووقف إطلا




.. أبرز 3 مسارات لحل أزمة اللاجئين السوريين في لبنان هل تنجح؟


.. جامعة فيرمونت تعلن إلغاء خطاب للسفيرة الأميركية بالأمم المتح




.. مسيرة إسرائيلية توثق عمليات اعتقال وتنكيل بفلسطينيين في مدين