الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تحليل الوثائق والمستندات كأداة للبحث السوسيولوجي، نموذج لدراسة حالة

إدريس الخلوفي
أستاذ باحث

(Lakhloufi Driss)

2022 / 11 / 17
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


- تحليل الوثائق والمستندات:
حاولنا خلال هذا المحور، جمع جملة من النصوص والتشريعات القانونية المنظمة لعمل الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، وهي عبارة عن مراسيم وزارية، صادرة بالجريدة الرسمية، والتي تبين وتحدد اختصاصات الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، وقرار وزاري بشأن اختصاصات وتنظيم مصالح الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة فاس- مكناس ومصالحها الإقليمية. وقرار لوزير التربية الوطنية والتكوين المهني، بخصوص تفويض الإمضاء لمديرات ومديري الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين. بالإضافة إلى الهيكلة التنظيمية للأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين فاس- مكناس .
1- تقديم الحالة:
- منذ التقسيم الاداري الجديد للمملكة المغربية سنة 2015، والذي أصبحت معه جهات المملكة اثنتي عشر جهة بدل ستة عشر، ظهرت إلى الوجود جهة فاس - مكناس، التي انصهرت فيها جهتين كانتا بالسابق هما: جهة فاس بولمان، وجهة مكناس تافيلالت. لهذا فإن الجهة تجمع بين مدينتين لهما تاريخ سياسي، وثقافي عريق ضمن جهة واحدة هما العاصمة العلمية للمغرب فاس، والعاصمة الإسماعيلية مكناس. وتتكون الجهة من عمالتي فاس ومكناس، وسبعة أقاليم هي: بولمان، والحاجب، وإفران، وصفرو، وتاونات، وتازة، ومولاي يعقوب.


*مونوغرافيا الجهة:*
أ- التقسيم الجهوي الجديد:










ب- الجهات والأقاليم المكونة لجهة فاس- مكناس:








ج- التقسيم الإداري:












د- السكان والمساحة:














هـ - توزيع وتطور الساكنة:
* تطور الساكنة:











* توزيع الساكنة حسب الوسط:











نلاحظ إذن أن الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين فاس- مكناس تسير تسع مديريات إقليمية، بمجموع مؤسسات تعليمية يتجاوز الثلاثة آلاف، بما فيها الفرعيات التابعة لمجموعة مدارس، ومجموع تلميذات وتلاميذ بلغ خلال الموسم الدراسي (2015-2016) 851863، يدرسها 22958 مدرسة ومدرس.


















*الهيكلة التنظيمية للأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين فاس- مكناس:







































2- قراءة في قانون إحداث الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين:*
أ- النص القانوني:
• تم إحداث الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، بمرسوم وزاري يحمل رقم 2.00.1016، الصادر في 27 شعبان 1421، الموافق ل24 نونبر2000، وذلك بناء على القانون رقم: 07.00 القاضي بإحداث الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين كما وقع تغييره، تنفيذا للظهير الشريف رقم 1.00.203 بتاريخ 19 ماي 2000.
يتألف مجلس الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين من ممثلي:
- وزارة التربية الوطنية.
- المالية والسياحة.
- التعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي.
- الأوقاف والشؤون الإسلامية.
- إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان والبيئة.
- التجارة والصناعة والمعادن والصناعة التقليدية.
- الفلاحة.
- الصيد البحري.
- النقل والملاحة التجارية.
- التشغيل والتكوين المهني.
- الشؤون الثقافية.
- الصحة.
- التوقعات الاقتصادية والتخطيط.
- الشبيبة والرياضة.
- التجهيز.
- أوضاع المرأة ورعاية الأسرة والطفولة وإدماج المعاقين.
- تقنيات المواصلات والإعلام.
- ممثلي الأطر التعليمية والأطر الإدارية والتقنية.
- ممثلي جمعية آباء وأولياء التلاميذ.
- ممثل جمعيات التعليم المدرسي الخصوصي.
- ممثل مؤسسات التعليم الأولي.
نلاحظ أن تركيبة مجلس الأكاديمية، متنوعة وتشمل أغلب القطاعات الحكومية والوزارية، وإذا كان هذا التنوع والتعدد قد يعتبر قيمة مضافة للمجلس، بحيث يعطيه إمكانية لمناقشة المشاكل المطروحة من وجهات نظر مختلفة، يتم فيها الأخذ بالاعتبار الآثار المترتبة عن القرارات المتخذة، وتأثيرها على مختلف المصالح، والقطاعات الأخرى، فإنه بالمقابل يعد فرصة لتضييق الخناق على عمل الأكاديمية، أو لنقل؛ هو نوع من الوصاية والرقابة التي تفرضها الدولة على الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين. كما أن تعدد المتدخلين والفرقاء المكونين لمجلس الأكاديمية، والذي ينتج عنه بالضرورة تعدد الرؤى واختلاف التوجهات، يمكن أن يساهم في بطء اتخاذ القرارات، ففي حال ما تم الاختلاف حول قضية معينة، فإن إمكانية إرضاء جميع الأطراف أمر صعب للغاية، خصوصا إذا تعلق الأمر بمواضيع حساسة أو تتطلب إجماعا.
ب - صلاحيات واختصاصات مدير الأكاديمية:
تطبيقا لأحكام المادة 8 من القانون رقم 07.00، يتمتع مدير الأكاديمية بجميع السلط والصلاحيات اللازمة لتسيير شؤون هذه الأخيرة.
ولهذا الغرض يقوم المدير ب:
- تدبير شؤون الأكاديمية، والعمل باسمها ومباشرة أو الإذن في مباشرة جميع الأعمال، أو العمليات المتعلقة بها، والقيام بجميع الأعمال التحفظية.
- تمثيل الأكاديمية إزاء كل شخص ذاتي أو معنوي.
- تمثيل الأكاديمية أمام المحاكم، وإقامة جميع الدعاوى القضائية الرامية إلى الدفاع عن مصالح الأكاديمية، غير أنه ملزم باطلاع رئيس مجلس الأكاديمية على ذلك في الحال.
- تدبير شؤون هيئة المستخدمين الخاصة بالأكاديمية.
- تدبير الموارد البشرية المشار إليها في الفقرة العاشرة، من المادة الثانية، من القانون رقم 07.00 طبقا للاختصاصات المفوضة للأكاديمية.
- إدارة جميع المصالح التابعة للأكاديمية.
- إعداد واقتراح مشروع الميزانية على مجلس الأكاديمية مع مراعاة الأولويات والأهداف الوطنية من لدن السلطات الحكومية الوصية.
- مسك محاسبة النفقات الملتزم بها وتصفية وإثبات نفقات الأكاديمية و مداخيلها طبقا للنصوص التنظيمية الجاري بها العمل في هذا الميدان.
و تطبيقا لأحكام المادة 7 من القانون رقم 07.00، تحدد اختصاصات وتنظيم مصالح الأكاديمية بما فيها المصالح الإقليمية، والمحلية بقرار للسلطة الحكومية الوصية على الأكاديميات بعد اقتراح من مجلس الأكاديمية، مؤشر عليه من طرف السلطة الحكومية المكلفة بالاقتصاد والمالية.
وقد صدر مؤخرا بالجريدة الرسمية 20 يوليوز 2017 توسيع لاختصاصات وصلاحيات كل من المديرين الإقليمي والجهوي هي كالتالي:
اختصاص مديري الأكاديميات:
- إعلان مباريات توظيف.
- ترسيم أطر التدريس والموظفين المتدربين غير أطر التدريس.
- الترقية بالدرجة.
- إعادة الإدماج بعد الإلحاق أو الاستيداع.
- الوضع رهن الإشارة.
- الرخص بسبب الأمراض أو الإصابات خلال العمل.
- التقاعد و تصفية المعاشات.
- التأديب بما في ذلك التوقيف والاعتقال و المصادقة على العقوبات.
- تحريك المسطرة التأديبية.
- رخصة المرض متوسط الأمد بعد موافقة المصالح المختصة بوزارة الصحة.
- رخصة المرض طويلة الأمد بعد موافقة المصالح الخاصة بوزارة الصحة.
- التوقف المؤقت عن العمل إثر رخصة المرض متوسط أو طويل الأمد.
- الرخصة بدون أجر.
- التعويض عن مهام الإدارة التربوية.
- تعيين أو إعفاء أطر الإدارة التربوية العاملين بالمؤسسات التعليمية.
- تعيين أو إعفاء أطر عاملة بالتأطير و المراقبة بالمجال التربوي و التوجيه والتخطيط.
- تعيين أو إعفاء أطر التسيير المادي و المالي و المحاسباتي لمؤسسات التعليم و التكوين.
- الإعفاء من مهام التدريس بسبب الإعاقة الصوتية والسمعية والبصرية والحركية بعد موافقة المصالح المختصة بوزارة الصحة.
- تغيير أو إصلاح اسم عائلي أو شخصي او هما معا للموظفين بعد حكم قضائي.
- إصدار عقوبتي الإنذار والتوبيخ.
- توقيف الموظفين المخلين بواجباتهم المهنية.
- تحريك مسطرة التأديب بحق الموظفين والأعوان العاملين بمصالح ومؤسسات التربية والتكوين التابعة للأكاديمية.
- الاستيداع.
- التقاعد النسبي.
اختصاصات المديرين الإقليميين:
- قرارات نقل و تعيين موظفين من أجل المصلحة.
- بيانات التعويض للموظفين المكلفين بالتأطير وتنشيط تداريب التكوين المستمر، و استكمال الخبرة.
- الوثائق المتعلقة بالترخيص لموظفين باستعمال سياراتهم الخاصة للتنقل لحاجات المصلحة خارج مكان عملهم.
- الأوامر الصادرة للموظفين و الأعوان التابعين لهم للقيام بمأموريات داخل المغرب.
- إثبات صحة الشواهد المدرسية المسلمة من مؤسسات التعليم العمومي و الخصوصي.
- تعيين أو إعفاء أطر الإدارة التربوية العاملين بالمؤسسات التعليمية.
- تعيين أو إعفاء أطر عاملة بالتأطير والمراقبة بالمجال التربوي والتوجيه والتخطيط.
- تعيين أو إعفاء أطر التسيير المادي والمالي والمحاسباتي لمؤسسات التعليم والتكوين.
- الوثائق المتعلقة بالمعلمين العرضيين.
إن تأملنا في صلاحيات واختصاصات مدير الأكاديمية، تجعلنا نقف على أمر مهم هو أن هذه الاختصاصات والصلاحيات تنقسم إلى قسمين:
أولا: هناك صلاحيات و اختصاصات عادية متعلقة بالتدبير اليومي للأمور الروتينية، وهي اختصاصات موكولة لمدير الأكاديمية بشكل مباشر، مثل تدبير شؤون المستخدمين الخاصة بالأكاديمية، أو إدارة المصالح التابعة للأكاديمية، أو تمثيل الأكاديمية أمام الأشخاص الذاتيين أو المعنويين، تمثيل الأكاديمية أمام المحاكم وإقامة الدعاوى القضائية... وهذه أمور عادية، أو روتينية في تدبير أي تنظيم إداري.
ثانيا: وهو ما يهمنا هنا ولديه ارتباط وثيق بموضوع القرار وأيضا له أثر في ذلك، فالعنصر الثاني يعد أكثر تأثيرا وأهمية، لأنه يمس القرارات الحاسمة والاستراتيجية، فكل الاختصاصات التي ذكرنا في العنصر الأول، تبنى على ما يتم في العنصر اللاحق، وبالتالي فنتائجه مرتبطة مباشرة بهذا الأخير. إن الأمر يتعلق هنا بمدى استقلالية مدير الأكاديمية، وبالتالي مدى استقلال قرارات الأكاديمية. فلنتأمل العبارة الواردة في النقطة الثالثة من اختصاصات مدير الأكاديمية والتي تقول: "غير أنه يلزم بإطلاع رئيس مجلس الأكاديمية على ذلك في الحال". والسؤال المطروح هنا، من هو رئيس مجلس الأكاديمية؟ الجواب ببساطة هو: رئيس مجلس الأكاديمية هو الوزير أو من ينوب عنه، والذي يكون في الغالب الكاتب العام للوزارة.
ولنتأمل أيضا النقطة السابعة من المادة السادسة" . إعداد واقتراح مشروع الميزانية على مجلس الأكاديمية، مع مراعاة الأولويات، والأهداف الوطنية المحددة من لدن السلطة الحكومية الوصية". نفس الأمر نلاحظه في المادتين السابعة والثامنة، اللتين تؤكدان على تدخل السلطة الوصية، بمعية سلط أخرى تمثلها وزارات كالمالية وغيرها.
- البناء التنظيري للمفهوم:
- بتطبيق منهج التحليل التنظيري القائم على المعطيات، يمكننا أن نستنبط من الفقرة السابقة التي جردنا من خلالها مهام واختصاصات مدير الأكاديمية، مفهوما جوهريا، هو مفهوم "التبعية"، فجل الأمور الأساسية، لا يملك مدير الأكاديمية سلطة التقرير بشأنها دون الرجوع إلى وزارة التربية الوطنية، أو أحيانا وزارات أخرى، لهذا فإن الأساس الذي من أجله جاءت الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، أو لنقل الروح التنظيمي للأكاديمية، والذي يقوم في أساسه على مبدأ الاستقلالية، وتطبيق منهج اللامركزية وعدم التمركز، قصد تحرير التنظيمات الجهوية من تبعية المركز في اتخاذ القرار، هو جوهر لم يتحقق. فالاستقلالية مجرد خطاب يستهلك، لكن على أرض الواقع، فمدير الأكاديمية مجرد موظف سامي ينفذ تعليمات الجهات العليا اللهم في الأمور الروتينية. لهذا فإن التبعية للمركز هي أمر تنظيمي ومؤطر قانونيا بنصوص تنص على ذلك، هذا الأمر كما قلنا يبرز وجود خطابين متناقضين هما: خطاب الاستقلالية كشعار جاءت من أجله الأكاديميات. وخطاب التبعية كأمر تنظيمي مدسوس بين ثنايا القوانين المنظمة لاختصاصات مدير الأكاديمية.
خطاطة مفاهيمية توضيحية:










ج- تشكيلة مجلس الأكاديمية:
يتألف المجلس الإداري للأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، كما تم تحديده بالظهير الشريف رقم: 1.00.203 الصادر في 19 ماي 2000، والقاضي بإحداث الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين ، من:
- ممثلي الادارات المعنية؛
- رئيس مجلس الجهة؛
- والي الجهة؛
- عمال عمالات وأقاليم الجهة؛
- رؤساء المجموعات الحضرية؛
- رؤساء المجالس الإقليمية؛
- رئيس المجلس العلمي للجهة؛
- رئيس أو رؤساء الجامعات المتواجدة في الجهة؛
- المندوب الجهوي لإدارة التكوين المهني؛
- رؤساء الغرف المهنية بالجهة بنسبة ممثل واحد منهم عن كل قطاع؛
- ممثل اللجنة الأولمبية للجهة؛
- ستة ممثلين عن الأطر التعليمية من أعضاء اللجن الثنائية، على مستوى الجهة بنسبة ممثلين اثنين عن كل سلك تعليمي، وممثلين اثنين عن الأطر الادارية والتقنية؛
- ثلاثة ممثلين عن جمعيات آباء وأولياء التلاميذ، بنسبة ممثل واحد عن كل سلك تعليمي؛
- ممثل واحد عن جمعيات التعليم المدرسي الخصوصي بكل جهة؛
- ممثل واحد عن مؤسسات التعليم الأولي.
ويجوز لرئيس مجلس الأكاديمية أن يدعو لحضور اجتماعات المجلس على سبيل الاستشارة كل شخص يرى فائدة في حضوره.
وتحدد بمرسوم طريقة تعيين ممثلي الأطر التعليمية والإدارية والتقنية، وكذا ممثلي جمعيات آباء وأولياء التلاميذ وممثل مؤسسات التعليم الأولي وممثل جمعيات التعليم المدرسي الخصوصي.
قراءة في المعطيات:
إن أول ملاحظة يمكن الإشارة إليها، هي: إن مجلس إدارة الأكاديمية يترأسه وزير التربية الوطنية، أو من ينوب عنه، وبالتالي فإن مدير الأكاديمية يتحول إلى عضو في أي اجتماع.
كما تجدر الإشارة إلى كون أغلب أعضاء المجلس، هم عبارة عن شخصيات معينة (والي الجهة، المدراء الإقليميين، رئيس المجلس العلمي، رؤساء الجامعات، المندوب الجهوي لإدارة التكوين المهني...)، أما الأقلية، فتكون منتخبة (ممثلي الأطر التعليمية من أعضاء اللجن الثنائية، ممثلي جمعيات آباء و أولياء التلاميذ...) لهذا تكون الكفة دائما راجحة لفائدة التوجيهات/ الإملاءات التي تريدها الدولة، لأنه في حالة التصويت، الأعضاء المعينون دائما يصوتون لفائدة توجه الدولة.
وفي حالة ما إذا صوت احد المعنيين ضد مقترحات الوزارة غالبا ما تتم معاقبته، لذلك فالمسألة تكون محسومة مسبقا، وكأننا أمام مسرحية خيوطها ووقائعها محاكة سلفا من قبل المخرج.
- بناء المفهوم (الهيمنة):
انطلاقا من قراءة المعطيات السالفة، نلاحظ تبلور مفهوم أساسي هو مفهوم "الهيمنة". فتشكيلة مجلس إدارة الأكاديمية يهيمن عليه أغلبية الأعضاء الذين يمثلون الدولة، وبالتالي يشتغلون وفق أجندة محددة سلفا، ويحسمون الأمر دائما لفائدة التوجهات، التي ترسمها الدولة، وهكذا يغدوا انعقاد المجلس مجرد آلية صورية، نتائجها محددة سلفا. إننا أمام هيمنة تصور أحادي الجانب، ينحو دائما من الأعلى في اتجاه الأسفل. حيث تكون الأغلبية المعينة المرتبطة بمصالح وامتيازات ومكانة اجتماعية مستمدة من الدولة/ المنصب، دائما متبنية للطرح المنسوج، ومدافعة عن تصور الدولة، أما الأقلية المنتخبة والتي تنبع من القاعدة: الموظفين، جمعية الأولياء....فهي دائما في موقع ضعف، ورأيها قد يدحض باسم الديموقراطية والتصويت. بل أحيانا عديدة نجد أن هذه الفئة نفسها تنخرط في اللعبة إذا كانت مصالح وأهداف واستراتيجيات فاعليها الشخصية تتماشى والطرح المعروض. نشير هنا إلى الامتيازات التي يحصل عليها النقابيون مقابل مهادنتهم للتنظيم وعدم معارضتهم للقرارات التي من شأنها أن تخلف استياء لدى باقي الفاعلين المتواجدين أسفل هرم التنظيم.
والخطاطة التالية تبين ذلك:






د- صلاحيات مجلس الأكاديمية:
يتمتع مجلس الاكاديمة بجميع السلط والصلاحيات اللازمة لإدارة الأكاديمية، وخاصة فيما يتعلق بـ:
- البرنامج التوقعي الجهوي لتكوين الأطر التعليمية والإدارية والتقنية؛
- البرنامج التوقعي للبناء والتوسع والإصلاحات الكبرى لمؤسسات التربية والتكوين؛
- سير مؤسسات التربية والتكوين؛
- تكوين شبكات مؤسسات التربية والتكوين؛
يشترط لصحة مداولات مجلس الأكاديمية أن يحضرها ما لا يقل عن نصف أعضائه في الجلسة الاولى، وفي حالة عدم اكتمال النصاب، يوجه استدعاء ثان ويكون النصاب بالحاضرين وتتخذ القرارات بأغلبية الأصوات. فإن تعادلت رجح الجانب الذي ينمتي إليه الرئيس.
ويجتمع مجلس الأكاديمية بدعوة من الرئيس كلما دعت الضرورة إلى ذلك، وعلى الأقل مرتين في السنة وذلك:
- لوضع حصيلة الإنجازات ومراقبة مدى تنفيذ القرارات المتخذة وحصر القوائم التركيبية للسنة المالية المختتمة.
- لتجديد البرنامج التوقعي وحصر ميزانية السنة الموالية.
- ويقوم المدير بمهام كتابة مجلس الأكاديمية.
قراءة في المعطيات:
تتمثل صلاحيات مجلس الأكاديمية كما وضحنا سالفا في أربع محاور أساسية هي: ـ البرنامج التوقعي للموارد البشرية.
ـ البرنامج التوقعي للبنيات التحتية.
ـ تدبير سير المؤسسات التعليمية.
ـ تكوين شبكات مؤسسات التربية والتكوين.
إلا أن الملاحظ هو أن هذه العناصر الأربعة تقوم في أساسها على الحاجة إلى موارد مالية، على الرغم من ادعاءات استقلالية الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، إلا أنها تظل دائما رهينة بالميزانية التي تخصص سنويا للوزارة الوصية، والحال أن حصة الأكاديمية من هذه الميزانية تكون دون الحاجيات المرصودة والدليل على ذلك هو النقص الهائل في الموارد البشرية، وفي عدد الوحدات التعليمية المستقطبة للتلاميذ (المدارس)، بالإضافة إلى الحالة المزرية التي هي عليها مختلف المؤسسات: من حيث التجهيزات والمرافق.....
إن الأكاديمية تجد نفسها أمام وضع يغيب فيه التوازن بين حجم المتطلبات والميزانية المخصصة للتدبير، وهكذا يتراكم عجز يتوارث سنة بعد أخرى، حيث يصعب تجاوزه.

بناء المفهوم (التصريف):
من خلال قراءتنا للمعطيات السالفة، يتبلور أمامنا مفهوم أساسي يدخل ضمن المفاهيم المستسقاة من الوثائق والمستندات التي نشتغل عليها، إن الأمر يتعلق هنا بمفهوم: "التصريف"، ونقصد هنا ان اختصاصات وصلاحيات مجلس الأكاديمية لا يعدو أن يكون مجرد أداة لتصريف الأعمال، وقراءة وتطبيق المذكرات والمقررات الوزارية، دون إمكانية التأويل أو الخروج عن النص، بل الأكثر من ذلك هو كون الوزارة تجهز أحيانا حتى على هامش تصرف الأكاديمية وتلغي صلاحيتها، أو تقزمها أو تحد منها في تدخل سافر قد يكون أحيانا خارج إطار القانون، (مثال تدبير الحركة الانتقالية سواء منها الوطنية أو الجهوية أو المحلية للموسم الدراسي: 2017/2016).
إن ما نركز عليه في هذه النقطة، هو كون الأكاديمية تمارس مهمة تصريف الأعمال والقرارات الوزارية تحت قناع خادع هو التدبير والتسيير المبنيين على الاستقلالية واللامركزية واللاتمركز، خصوصا وأننا نلاحظ في باب اختصاص الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين، غياب أي حق للمساهمة في صياغة البرامج أو اقتراحها، وغياب أي حق في اقتراح السياسة التربوية. إن كل ذلك يظل حكرا على الوزارة، أو من يدير دواليبها من وراء حجاب.
*ميزانية الأكاديمية :
تشمل ميزانية الأكاديمية:
أ‌- في باب الموارد:
ـ الإمدادات والمخصصات من ميزانية الدولة؛
ـ الإعانات والمساهمات في إطار شراكات مع الجماعات المحلية، وهيئاتها وكل هيئة أخرى عامة أو خاصة؛
ـ التسبيقات القابلة للإرجاع التي تمنحها الخزينة والهيئات العامة أو الخاصة وكذا الاقتراضات المأذون فيها طبقا للنصوص التشريعية الجاري بها العمل؛
ـ الهبات والوصايا والمداخيل المتنوعة؛
ـ مداخيل الخدمات التي تقدمها والمرتبطة بنشاطها؛
ـ كل الموارد الأخرى التي يمكن أن تمنح لها لاحقا بموجب أحكام تشريعية أو تنظيمية؛
ب‌- باب النفقات:
ـ نفقات التجهيز والتسيير؛
ـ تسديد التسبيقات والقروض؛
ـ كل النفقات الأخرى المرتبطة بنشاطها؛
قراءة في المعطيات:
إن أول ملاحظة يمكن تسجيلها في باب موارد ميزانية الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين؛ هي: باستثناء الإمدادات والمخصصات من ميزانية الدولة، والتي تكون بشكل منتظم رغم شحها، تبقى باقي الموارد الأخرى في علم الغيب. نقصد بذلك أنها موارد غير مضمونة وتبقى رهينة بجهات أخرى، فالشراكات مع المجالس المحلية تبقى رهينة بمزاجية رؤسائها والقائمين بأمرها، كما أنها رهينة أيضا بالمستوى المالي لهذه المجالس.
أما بخصوص التسبيقات القابلة للإرجاع، فهي لا تعدو أن تكون مجرد قروض يتوجب على الأكاديمية إرجاعها.
نفس الأمر بالنسبة للهبات والمنح، فهي موارد لا يمكن بناء مخطط عليها، لأنها قد تكون أولا تكون.
تبقى مداخيل الأكاديمية المتعلقة بالخدمات التي تقدمها، ونحن نعلم أن الأكاديمية وكل المصالح المرتبطة بها من مديريات إقليمية ومؤسسات تعليمية، هي مؤسسات ذات نفع رمزي وليست ذات نفع مادي، لذلك فهذه المداخيل رهينة فقط برسوم التسجيل التي تكون رمزية ولا تسمن ولا تغني من جوع.
وبالعودة إلى الموارد المتعلقة بمساهمة الدولة، نلاحظ أنها غير كافية - كما قلنا - بل أكثر من ذلك تتراجع باستمرار، رغم تزايد الحاجة إلى المدرسة الناتج عن النمو الديموغرافي. هذا التراجع ناتج عن تقليص الدولة للميزانية المخصصة لوزارة التربية الوطنية للسنتين الأخيرتين (2017-2018).
وبوضع مقارنة بسيطة بين موارد الأكاديمية ونفقاتها، يتضح بشكل جلي البون الشاسع بينهما. فالأكاديمية ملزمة بتكاليف التجهيز والتسيير، بما فيها تهييئ البنيات التحتية من مؤسسات تعليمية، ومكتبات، وملاعب وتجهيزات رياضية، بالإضافة إلى أداء أجور المتعاقدين الذين اثقلوا كاهل ميزانية الأكاديمية، بعد أن تخلصت الدولة من تكاليفهم، والدليل على هذا التباين، هو الحالة التي توجد عليها المؤسسات التعليمية التابعة للأكاديمية، والتي وقفنا عليها من خلال زيارات ميدانية، اكتشفنا من خلالها وجود قاعات أو مدارس بأكملها لا تصلح للتدريس، وتجهيزات مهترئة ومتلاشية، ويزداد الوضع سوءا أكثر بالمجال القروي الذي تفتقد فيه المؤسسات لأبسط شروط التمدرس السليم، فجل هذه المؤسسات تفتقد للمرافق الصحية كالمراحيض، وأخص هنا الفرعيات التابعة ل (مجموعة مدارس). والأمر هنا لا يتعلق بفرعية واحدة، بل أغلب الفرعيات تنعدم فيها هذه المرافق. هذا بالإضافة إلى افتقار الفرعيات للأسوار المحيطة، مما يجعل المدرسة وساحتها مجالا لمرور الأشخاص والحيوانات، بل أحيانا هناك من الأهالي من يقوم بربط دابته بنافذة الفصل الدراسي والذهاب لقضاء مصالحه.
هذا الوضع المتردي يبرز بشكل جلي أن الميزانية التي تتوفر عليها الأكاديمية غير كافية، وإذا كانت هذه الميزانية كافية، وحالة المدارس كما وصفناها، فتلك طامة كبرى.
- بناء المفهوم (الإكراه):
يمكننا الحديث إزاء هذا الوضع، عن مفهوم الإكراه/ الضرورة. ونقصد بذلك أن الأكاديمية تشتغل تحت ضغط وإكراه الواقع، هذا الواقع الذي يوحي بشح في الموارد المالية، وبالتالي تجد الأكاديمية ومجلسها نفسيهما مكرهين على التدبير بما توفر، وهذا ما يبرز أن المسؤوليات والمهام المنوطة بها، غالبا ما تنجز بشكل ناقص، فعدم القدرة على بناء مؤسسات أو توظيف أساتذة، يعطينا الأقسام المكتظة، وعدم توفير المرافق الصحية قد يكون سببا في انقطاع الفتيات عن الدراسة.
فهذه العناصر مجموعة تؤثر بشكل كبير على الجودة. فطالما أن قرار البناء أو التوظيف، مقيد بالتكلفة المالية للإنجاز، والحال ان هذه التكلفة غير متوفرة، وإذا توفرت فهي غير كافية، فإن قرارا من هذا النوع يبقى رهينا بالميزانية القمينة بتحقيق ذلك.

خطاطة مفاهيمية:









هـ - التحليل المفاهيمي للمحور:
من خلال قراءتنا للوثائق الرسمية والقوانين المنظمة للأكاديميات، والتي بموجبها أنشئت، نلاحظ أن الميثاق الوطني للتربية والتكوين يعتبر أحد المرجعيات الأساسية التي بنيت عليها هذه القوانين والمراسيم، وذلك في إطار نظرة "شمولية" كانت الغاية منها إصلاح المنظومة التربوية، كما أن الميثاق شكل طفرة نوعية في تبني نهج اللامركزية واللاتمركز كخيار استراتيجي يهدف إلى ممارسة سياسة القرب والارتقاء بخدمات التربية والتعليم.
وقد تجسد هذا النهج في تبني المؤسسة العمومية على الصعيد الجهوي كجهاز متمتع بالاستقلالية الادارية والمالية، وذو هيكلة تستجيب لمتطلبات المهام والاختصاصات المنوطة بالأكاديمية بحكم القانون، كما تم اعتماد هندسة جديدة على الصعيد المركزي ترتكز على تكييف اختصاصات الادارة المركزية لتنسجم مع الأدوار الجديدة التي أنيطت بها.
وفي نفس السياق، تم تبني مبادئ التشارك والإشراك والديموقراطية في مقاربة الشأن التعليمي على المستوى الجهوي من خلال إرساء المجالس الادارية لهذه الأكاديميات وتحديد اختصاصاتها، والنقل التدريجي إلى الوحدات اللاممركزة في ظروف طبيعية.
وقد كانت وزارة التربية الوطنية من بين القطاعات السباقة إلى نهج اللامركزية واللاتمركز في تدبير الشأن التربوي نظرا لطبيعة وخصوصية هذا القطاع الذي يقتضي التواجد الفعلي والقرب من البنيات الجهوية والمحلية.
إن الغاية من ذلك هي التقليص من مركزة القرار، وإعطاء الفرصة للأكاديميات والمديريات الإقليمية لتبير شؤونها واتخاذ قرارتها، وذلك لما توفره هذه العملية من وقت وجهد، وتسمح باتخاذ القرارات الملائمة في الوقت الملائم ودون الحاجة إلى العودة الدائمة إلى المركز، ومما لا شك فيه أن الغاية الجوهرية لتبني نهج اللامركزية واللاتمركز، هي تخفيف الثقل الإداري والتنموي عن المركز، والحد من سيادة البيروقراطية الادارية وتسهيل وتسريع عملية اتخاذ القرار، فضلا عن تنمية روح المواطنة وتعميق الشعور بالمسؤولية لدى المواطن والمسؤول على حد سواء.
فهل فعلا استطاعت اللامركزية واللاتمركز في المنظومة التربوية تحرير القرار من سلطة المركز؟ هل فعلا تملكت الأكاديمية الجهوية للتربية والتعليم هامشا مريحا لاتخاذ القرارات الحاسمة والاستراتيجية في تدبير أمورها؟ وهل النصوص التشريعية والتنظيمية للامركزية واللاتمركز، تمنح الأكاديمية الموقع المريح لممارسة الاختصاصات التي وجدت من أجلها؟.

*الشبكة المفاهيمية
الوثيقة المدروسة ملاحظات المفهوم المستنبط علاقته بالفرضيات
ـ خريطة الجهة ـ جهة كبيرة وتتضمن تسعة أقاليم ـ ضعف التواصل ـ غياب التواصل أو صعوبته داخل بنيات التنظيم، أو بين التنظيم ومصالحه الخارجية، يؤثر سلبا في جودة التعليم بالجهة.
ـ القانون 07.00 القاضي بإحداث الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين ـ نصوص قانونية تكرس ضمان تبعية الأكاديمية للمركز.
ـ استنساخ مصالح الوزارة بالأكاديمية مثلا: قسم الامتحانات بالوزارة مقابل قسم الامتحانات بالأكاديمية ، قسم الموارد البشرية، مصلحة التخطيط... ـ التبعية ـ تبعية الأكاديمية للمركز وغياب استقلالية القرار مسؤول عن غياب الجودة.
ـ الظهير الشريف رقم: 1000.203 الصادر في 19 ماي 2000 والقاضي بإحداث الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين ـ يترأس الوزير أو من ينوب عنه مجلس الأكاديمية
ـ الاعضاء المعنيون أكثر عددا من الأعضاء المنتخبين ـ الهيمنة ـ تبعية الأكاديمية للمركز وغياب استقلالية القرار.
ـ غياب التجانس والتواصل داخل التنظيم التربوي مسؤول عن غياب الجودة.
ـ صلاحيات مجلس الأكاديمية ـ صلاحيات مقيدة بمذكرات وزارية وقوانين مركزية ـ التصريف ـ تبعية الأكاديمية للمركز وغياب استقلالية القرار.
ـ ميزانية الأكاديمية ـ ارتباط الأكاديمية ماليا بالوزارة
ـ غياب موارد مستقلة ـ الضرورة والاكراه ـ تبعية الأكاديمية للمركز وغياب استقلالية القرار.


تحليل المفاهيم:
اسفر تحليل الوثائق المنظمة لعمل الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين عن انبثاق ثلاثة مفاهيم أساسية، تنم بشكل جلي عن قصور تنظيمي وتشريعي يشوب هذه القوانين. ويمكن أن نقف بالتحليل عن هذه المفاهيم، والتي تعد مسؤولة بشكل مباشر عن التأثير في القرار بالأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين، فاس - مكناس، وبالتالي مسؤولة عن جودة التعليم بهذه الجهة.
• ضعف التواصل : تعتبر جهة فاس مكناس، من بين الجهات التي تغطي مجالا جغرافيا شاسعا، وذلك بضمها لتسع مديريات إقليمية، فأكاديمية فاس - مكناس مسؤولة عن ما مجموعه 1411 مؤسسة تعليمية، هذا بالإضافة إلى 1594 فرعية تابعة لمؤسسات التعليم الابتدائي. ويمكن أن نضيف 482 مؤسسة للتعليم الخصوصي.
• أما عدد الداخليات فيصل إلى 112 داخلية، و940 مطعم مدرسي.
وحسب إحصاء خاص بالأكاديمية سنة 2016، فإن مجموع المتمدرسين بالجهة بلغ 851863.
وبخصوص الموارد البشرية فهي على الشكل التالي:

أطر التدريس 2015 – 2016
ابتدائي اعدادي تأهيلي المجموع العام
14422 4503 4033 22958

أطر المراقبة التربوية 2015 – 2016
ابتدائي ثانوي
92 143


أطر الإدارة التربوية ونسب التغطية 2015 – 2016
عدد المديرين عدد الحراس العامين عدد النظار
ابتدائي إعدادي تأهيلي إعدادي تأهيلي
المجموع 987 259 137 562 357 97
نسبة التغطية 100% 96.53% 99% 100% 100% 100%

وقد بلغ عدد سكان جهة فاس مكناس حسب آخر إحصاء للسكان سنة 2014 إلى 4236892، موزعة على مساحة 38881 كم2 بنسبة كثافة 108.82 فرد/ كلم2.
هذه المعطيات تبرز أن الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين فاس - مكناس، مسؤولة عن تسيير مساحة جغرافية شاسعة وعدد كبير من المؤسسات والموارد البشرية وآلاف التلاميذ، الأمر الذي يجعل مسألة التواصل أمرا صعبا، فالمسؤول عن القرار بالأكاديمية لا يستطيع أن يكون ملما ومطلعا على كل ما يجري داخل الجهة، إلا من خلال التقارير الرسمية والمراسلات التي تصله، والتي تكون ملزمة بقطع مسارات وقنوات رسمية مرتبطة بالتراتب الإداري، وبالتالي فهو غير قادر على الاطلاع على كل التفاصيل الواردة بكم هائل من مختلف المصالح والإدارات التابعة للأكاديمية، هذا بالإضافة إلى استخدام المرؤوسين المباشرين وغير المباشرين لمدير الأكاديمية، لهذه المعطيات بطريقة تمكنهم من توسيع هامش سلطتهم أو حمايته، سواء باحتكار المعطيات، أو باختيار الوقت المناسب لتبليغها، أو بتأويلها حسب أهدافهم. هذا الأمر يحجب عن المسؤول الأول عن التنظيم جملة من المعطيات التي قد تشكل أدوات ثمينة تساعده على اتخاذ القرارات الملائمة.
 التبعية:
على الرغم من كون تجربة الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين قد تجاوزت العقد ونصف، حيث خرجت إلى الوجود في سياق تطبيق اللامركزية منذ سنة 2000، وذلك بهدف تنفيذ السياسة العامة للدولة، والهادفة إلى تعميم اللاتركيز الاداري واللامركزية في تدبير الشأن العام، فإن القانون 07.00 المنظم لإحداثها، لم يكن في مستوى التطلعات التي تجعل من الأكاديمية مؤسسة عمومية مستقلة ماليا وإداريا، فالتجربة أبانت عن قصور تصور الذين أعدوا النص لمفهوم المؤسسة العمومية في مضمونها، والنتيجة هي سيادة الغموض إذا غاب التصور الواضح عن النص القانوني.
هذا الأمر استدعى إصلاحا للقانون 07.00 حتى يساير التقطيع الجهوي الجديد، لكن السؤال هو: هل هناك فعلا توجه واضح في الاصلاح يساير توجهات دستور 2011 الذي نص على تطوير تجربة الجهوية، وضمنها تجربة الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين لتتجاوز الصيغة القديمة، والدفع بها من خلال تفعيل مالم يفعل في القانون السابق وتجاوز العقبات التدبيرية المالية والبشرية من خلال تصور واضح للإصلاح؟ أم لا زال هناك تخبط بين إنضاج تجربة المؤسسة العمومية وبين الرجوع إلى النظام المركزي القائم على مقاربة عمودية في التدبير من خلال وزارة التربية الوطنية إلى مديرياتها الجهوية ومنها إلى المديريات الإقليمية ثم إلى المؤسسات التعليمية؟
إن أهم الإشكالات التي واجهتها الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين، هي أنها ظلت تتخبط في إثبات ذاتها كمؤسسة عمومية، لكن لم تتمكن من الاستقلال المالي عن وزارة التربية الوطنية ولا من استقلال القرار الإداري، لتكرس بذلك وضعية التبعية.
فبخصوص التدبير المالي، تعتمد الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين في ميزانيتها كليا على الاعتمادات التي تخصصها لها الوزارة والتي يتصرف فيها مدير الأكاديمية كآمر بالصرف عن وزير التربية الوطنية، وفي المقابل يعتبر مدير الأكاديمية كمدير مؤسسة عمومية مستقلا ماليا يتصرف في موارد الأكاديمية بصفته مدير منبثق عن المجلس الإداري.
لقد كان التوجه العام لإحداث الأكاديميات هو سياسة اللاتركيز واللامركزية في تدبير الشأن العام، لكن تسيير المؤسسة بقي في مجمله من الاستراتيجية إلى المهام البسيطة تديره المصالح المركزية للوزارة، بل عرف التسيير نوعا من التخبط في إصدار النصوص القانونية والتنظيمية واستمرار قصور مدير الأكاديمية في اتخاذ القرارات سواء تعلق الأمر بتنظيم الدراسة أو بالحركات الانتقالية أو بتدبير المشاريع التي بقي أغلبها مركزيا، فكل ما يقرر مدير الأكاديمية بشأنه قد تم تقريره مسبقا.

 الهيمنة:
تتجلى هيمنة الوزارة على تدبير الشأن الجهوي للأكاديمية في النصوص والقوانين المنظمة لاختصاصات وصلاحيات الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، فمن خلال تحليلنا للقانون 07.00 الذي ينص في نظامه الأساسي الخاص بالأعوان، في كون الموارد البشرية لوزارة التربية الوطنية التي تضعها رهن إشارة الأكاديمية هم موظفون تابعون للوزارة، بحيث ظلت وظيفة الأكاديمية مقتصرة على تدبير وضعية الموظفين الذين هم رهن إشارتها ولا يمكنها التصرف سواء تعلق الأمر بالتأديب أو بالترقية أو بالتقاعد .
ولتجاوز إشكالي التبعية والهيمنة، اعتمدت الوزارة - بدل تفعيل النظام الخاص - على تفويض بعض الاختصاصات إلى مدير الأكاديمية الجهوية مع أن صفته كمدير مؤسسة عمومية لا تمكنه من ممارسة الاختصاصات المفوضة إليه، لأن الموظفين غير تابعين له، ثانيا لأنه ليس موظف ولا ينتمي بصفته إلى الوزارة.
كذلك لا يمارس مدير الأكاديمية اختصاصاته في اقتراح النواب على وزير التربية الوطنية ما داموا يديرون مصالح خارجية لمؤسسته، بل ظلت الوزارة تعين النواب الإقليميين وتدبر شأن الموظفين مركزيا في إخلال واضح بالاستقلال الاداري وبالتبعية الإدارية للمديريات الإقليمية كمصالح خارجية للأكاديمية، بل حتى منصب مدير الأكاديمية لا يخضع لمنطق المؤسسة العمومية بل ينتقل المدير من أكاديمية إلى أخرى كأي مدير مؤسسة تعليمية.
ورغم الاصلاح الجديد الذي جاء به القانون 7115 الصادر في 8 فبراير 2016 والنصوص التي نزلت القانون، فلا زال هناك قصور في التصور لمنطق المؤسسة العمومية ويعود بتجربة الأكاديميات إلى نقطة الصفر مع استمرار الإشكالات البنيوية للمؤسسة وذلك من خلال ترقية النيابات الإقليمية إلى مديريات إقليمية وخلق هيكلة عمودية من الوزارة إلى الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، وهذا ما كرس استمرار مفهوم التصريف، إن التعديلات التي أجريت شكلية فقط ولم تمس جوهر المشكل، لأن الوزارة أثناء أي إصلاح تحرص على عدم التفريط في موقعها المهيمن.
 التصريف:
تعتبر المديريات الجهوية ومصالحها الخارجية الإقليمية، مجرد قنوات لتصريف المذكرات الوزارية وتطبيقها، ومراقبة مدى الالتزام بها، ففي سياق إصلاح هندسة الهيكل التنظيمي للأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، نلاحظ اعتماد هندسة عمودية للمصالح والأقسام، سواء للأكاديميات، أو للمديريات الإقليمية، فالصواب في منهجية المؤسسات العمومية أن تكون هناك مقاربة أفقية تعمل من خلالها كل أكاديمية على تحديد الحاجيات والضرورات، ووفقها تحدث مصالحها وبنياتها الإدارية.
لكن الملاحظ هو أن الوزارة عمدت بخصوص تحديد اختصاصات وتنظيم مصالح الأكاديميات إلى انتهاج مقاربة عمودية في هيكلة الأكاديميات بحيث جعلت لكل مديرية مركزية مصلحة تمثلها على مستوى الأكاديميات. مثلا إحداث مصلحة الشؤون القانونية والشراكة بالموازاة مع مديرية الشؤون القانونية والمنازعات، المركز الجهوي للامتحانات بموازاة مركز الامتحانات، المركز الجهوي لمنظومة الإعلام بموازاة مديرية منظومة الإعلام.
لهذا يمكن القول إن الإصلاح كرس ضعف الأكاديميات، فمنذ الإحداث تم تصور الأكاديمية على شكل مؤسسة عمومية، لكن أثناء التنزيل، حصلنا على مؤسسات بروح مديرية جهوية، وظل التطلع إلى تطوير وتحسين التجربة، أما الآن فالتوجه يسير في اتجاه استعادة الهيكلة المركزية وتكريس تبعية الأكاديميات المالية والبشرية للسلطة المركزية، وغياب تصور مستقل للمؤسسة والدور المنوط بها.
 الضرورة والإكراه:
تشتغل الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين، تحت وطأة الضرورة والإكراه، ويتجلى ذلك في مجموعة من المؤشرات التي تؤثر سلبا على جودة التعليم.
* إكراهات في التمويل: إذا كان الركن المالي أحد أهم الأقطاب التي يقوم عليها كل تنظيم اجتماعي أو اقتصادي أو سياسي، فإن أي نقص أو خصاص في هذا الركن، تكون له تداعياته على السير العادي لهذا التنظيم. والأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين فاس - مكناس تعاني من هذا المشكل، شأنها في ذلك شأن باقي الأكاديميات. فمواردها المالية تبقى رهينة بالحصة التي تخصصها لها الوزارة، والتي تكون غالبا غير كافية لتحقيق الطموحات. وما يبرر عدم كفايتها، هو حال جل المؤسسات التعليمية التي تحتاج إلى إصلاحات وترميمات وتجهيزات، خصوصا منها ما يوجد بالهوامش كالفرعيات التابعة للمدارس، هذا بالإضافة إلى النقص في المدرسين واكتظاظ التلاميذ، والأقسام المشتركة. ولعل هذا ما عبر عنه المجلس الأعلى للحسابات الذي وجه رئيسه مذكرة استعجالية إلى وزير التربية الوطنية حول ظروف تهيئ وسير الدخول المدرسي 2016/2017، والذي رصد فيه الخصاص في هيئة التدريس بكل الجهات، حيث يتوزع كما يلي:
- حسب الوسط الحضري نسبة 62% (10318 مدرسا) من مجموع الخصاص، مقابل 38% بالوسط القروي (6382)؛
- حسب الأكاديميات، 46% من الخصاص توجد بأكاديميات الدار البيضاء - سطات، فاس – مكناس، مراكش – آسفي.
وتضيف الرسالة أن الخصاص في هيئة التدريس، أثر سلبا على السير العادي للتمدرس، وهذا ما تم الوقوف عليه من خلال الزيارات الميدانية للمؤسسات التعليمية، وذكرت الرسالة في هذا الصدد ما يلي:
- معدلات مرتفعة من الاكتظاظ؛
- حذف نظام الأفواج بالنسبة للأعمال التطبيقية في المواد العلمية؛
- تخفيض عدد الساعات النظامية المخصصة لتدريس بعض المواد، والذي وصل في بعض الحالات إلى النصف؛
- تعليق تدريس بعض المواد؛
- إسناد مهمة التدريس إلى أساتذة غير متخصصين؛
- تدريس بعض المواد من طرف مدرسين متعاقدين أو مدرسين متدربين بدون تكوين مسبق.
* إكراهات جغرافية: تتمثل في كبر حجم الرقعة الترابية التي تدبرها الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين فاس - مكناس، واشتمالها على تسعة مديريات إقليمية، مما يؤدي إلى الاشتغال تحت إكراهات عديدة، من بينها صعوبة التواصل، فقر أغلب الأقاليم الذي يحرمها من إمكانية الاستفادة من مساعدات الشركاء.
*إكراهات ديموغرافية: تتجلى في ارتفاع عدد التلاميذ وتزايده بشكل مستمر، خصوصا بالعالم القروي، مما يتطلب توسيع البنيات المستقبلة والرفع من عدد الموارد البشرية.














استنتاج:
من خلال تحليلنا للمعطيات، نستنتج أن الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين فاس - مكناس تشتغل كتنظيم في ظروف تحول دون تحقيقها للأهداف المنشودة، وتظل عاجزة عن بلوغ الجودة المنشودة، ونتحدث هنا عن جودة شاملة تهم: الجودة في ظروف التمدرس بالنسبة للتلاميذ والموارد البشرية بكل أطيافها، والجودة في البنيات التحتية، والجودة في البرامج والمناهج، والجودة في المعدات الديداكتيكية، وأخيرا الجودة في المخرجات (أي التلميذ الذي يقطع مسارا دراسيا من الابتدائي حتى الباكالوريا).
هذه الإكراهات والظروف تجعل الكل يبحث عن استراتيجيات خاصة للمناورة، وتمنحه مبررات سواء واعية أو غير واعية لخرق القواعد التنظيمية، فكلما كانت ظروف اشتغال التنظيم غير ملائمة، كلما أعطى الفاعلون لنفسهم الحق في التمرد على قواعد اللعبة، فالاكتظاظ يكون مبررا للغياب، والأقسام المشتركة تكون مبررا لعدم إنهاء البرنامج، وصعوبة التضاريس أو الظروف المناخية في البوادي تبرر غياب الأستاذ أو تأخره، والخصاص في الموارد البشرية يبرر حذف المديريات الإقليمية أو تقليص ساعات بعض المواد.
أمام هذه الظروف، يكون من الصعب الحديث عن القوانين والمساطر التنظيمية التي تجد نفسها أمام اتساع كبير "لمناطق اللايقين" التي يصعب ضبطها. كما أن بعض هذه القوانين تكون عامة وغير دقيقة مما ينتج عنه غموض في تأويل النص القانوني، ولعل هذا ما عبر عنه مدير أكاديمية فاس - مكناس في لقاء نظمته مديرية الشؤون القانونية والمنازعات حول إشكالات الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين ونشر على الموقع الرسمي للوزارة، حيث لخص الإشكالات في:
- ثنائية وضعية المديريات الإقليمية في علاقتها بالوزارة و علاقتها بالأكاديمية.
- عدم مواكبة باقي القطاعات الحكومية لخيار الجهوية المتبع في مجال التربية و التكوين.
- تفاوت أداء اللجن المنبثقة عن المجلس الإداري وحاجتها لمزيد من العمل في أفق مؤسستها و تفعيل أدوار باقي القطاعات الحكومية، انطلاقا من كون العملية التعليمية التعلمية شأنا مجتمعيا .
وهكذا خلص هذا اللقاء إلى ضرورة التطوير المستمر للجانب المؤسساتي فيما يخص النصوص التشريعات والبنيات والهياكل والاختصاصات والمهام والعلاقات بين كل مكونات المنظومة التربوية محليا، إقليميا، جهويا ومركزيا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. 12 مليون طفل لا تعلم سلطات الصين بوجودهم


.. العدالة المفقودة.. المعارضة السورية تنظم وقفات لتخليد ضحايا




.. ماكرون ينتقد الإعانات الأمريكية ويصفها بأنها -شديدة العدواني


.. وزير الخارجية الأميركي يؤكد أن استراتيجية الرئيس بوتين لن تن




.. أزمة الطاقة تكبد أوروبا 724 مليار دولار