الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مزالق الايديولوجيا ومآزق الايديولوجيين !

ثامر عباس

2022 / 11 / 18
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


من المآخذ التي تساق ضد الايديولوجيا وتتهم بها ، كونها منظومة ذهنية / عقلية تحتوي على الكثير من (المزالق) التي غالبا"ما يخفق الكتاب والباحثين في تجنبها والحيلولة دون الوقوع في مصائدها . ولعل ما يضاعف من احتمالات الانجراف نحو أتونها والانخراط في سجالاتها ، هو ان المفتونين بسحر الايديولوجيا أو المهوسين بنقدها على حدّ سواء ، ينظرون إليها ويتعاطون معها لا من حيث كونها منظومة فكرية تمتاز ب(النسبية) المعيارية ما يجعلها تحتمل الخطأ أو الصواب وفقا"للسياقات العامة ؛ التاريخية ولاجتماعية والاقتصادية والثقافية والنفسية ، بعيدا"عن الأحكام القطعية والتعميمات الفضفاضة ، وإنما من منطلق (نسقية) تصورية كونتها ذوات هؤلاء وأولئك عن طبيعة تلك المنظومة سلبا"كان أم إيجابا". وهو الأمر الذي أفضى – وسيفضي – بمن ينتهج هذا النهج الخاطئ في التحليل والتأويل الى الوقوع في (مآزق) الخلط ما بين الفكر والواقع ، ما بين الذاتي والموضوعي ، ما بين النسبي والمطلق ، مابين الايديولوجيا والسوسيولوجيا .
وهكذا يبدو ان مقالنا المنشور على موقع الحوار المتمدن ضمن العدد (7434) بتاريخ 16 / 11 / 2022 بعنوان (الايديولوجيا ضد الإيديولوجيين) أثار حفيظة أحد الأخوة المهتمين والمتابعين (الدكتور لبيب سلطان) ، حيث اعتبر ان مقالنا المذكور يحتاج الى عدة قراءات – وهذا ما أوافقه عليه مئة بالمئة – للإحاطة بمضامين الأفكار والتصورات التي يسعى المقال إيصالها للقارئ . هذا من جهة ، ولكنه ، من جهة أخرى يرى أن تلك الأفكار والتصورات تبدو له (أحيانا"متقاطعة ، وليست متلاقية ، أي بعضها ينفي البعض) حسب قوله . دون أن يعطي مثالا"واحدا"يظهر لنا ما يؤيد وجهة نظره هذه ، سوى اعتراضه على رأينا بشان استحالة الفكرة (الليبرالية) إلى إيديولوجيا حالها في ذلك كحال (الاشتراكية) و(الشيوعية) و(الفاشية) ، حين تنفصل عن الواقع الذي انبثقت من بين أحشائه ، وتستحيل من ثم على يد الأتباع والمريدين الى قوانين موضوعية تلزم الواقع بحتمياتها المزعومة ! .
والحقيقة إن إسباغ الطابع (الإيديولوجي) على النظرية (الليبرالية) – كسائر النظريات الأخرى - لا يقلل من شأنها أو يحط من قيمتها ، إلاّ في الحالات التي تتحول فيها من فكرة نسبية قابلة للجرح والتعديل ، الى نسق فكري مغلق ومعتقد كوني مطلق . ولهذا فقد كتبت أستاذة الفلسفة والأخلاق والفلسفة السياسية في كلية لندن للاقتصاد (كاترين أودار) عن طبيعة الايديولوجيا تقول (( ان الإيديولوجيات هي من انجازات الفكر ، وليست بالضرورة ودائما"ناجمة عن (الوعي الخاطئ) وإن كانت تتضمنه ، وخصوصا"لأنه لها وظائف عدة ، كما أن الاعتقادات التي أوحتها ليست ذات اتجاه واحد : فهي تؤيد أو تعارض عمل الأحزاب السياسية ، المؤسسات ، إصدار القوانين ، القرارات السياسية ، وهي تملك كذلك وظيفة دمج الفرد في المجتمع وتكوين الهوية الجماعية والوطنية ، وليس فقط الاستلاب والمخاتلة ، وكذلك هي تعطي مقاييس لتحليل المجتمع يفترض بها أن تكون دقيقة كفاية لعملية إقناع الناخبين ، ومن هنا صلتها ، في حالة الليبرالية والاشتراكية والمحافظة ، بالاقتصاد وعلم الاجتماع والفلسفة والتاريخ والقانون ، وأخيرا"هي تخص المجموعات الاجتماعية كلها وليس فقط الطبقات الاجتماعية وصراعاتها ))(1) .
وفي إطار التأكيد على أن (الليبرالية) كما سواها ، هي منتج فكري / نظري بامتياز وبالتالي لا مهرب من الانطلاق من حقيقة كونها (إيديولوجيا) ، لا بل أن هناك من يعتبرها من أسوأ الأنواع الإيديولوجية المعروفة ، كما اعتبرها أستاذ العلوم السياسية والدراسات الدستورية في جامعة نوتردام (باتريك جي . دينين) حين كتب يقول (( على النقيض من الإيديولوجيات السياسية المنافسة الأكثر قسوة ، فان الليبرالية أكثر مكرا"ودهاء : فهي باعتبارها مذهبا"سياسيا"إنما تتظاهر بالحياد ، ولا تدعي أي تفضيل ، وتنكر أي نية لتشكيل النفوس تحت لواء نظام حكمها . وهي تتزلف من خلال الدعوة الى الحريات السهلة ، وهجمات التضليل ، والإغواء بالحرية ، والملذات ، وتكديس الثروة ))(2) .

الهوامش
1. كاترين أودار ؛ ما الليبرالية – الأخلاق ، السياسة ، المجتمع ، سلسلة ترجمان ، ترجمة سناء الصاروط ، ( قطر – الدوحة ، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ، 2020 ) ، ص33 .
2. باتريك جي . دينين ؛ لماذا فشلت الليبرالية ، ترجمة يعقوب عبد الرحمن ، سلسلة عالم المعرفة (483) ، ( الكويت ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، 2020 ) ، ص14 .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - مصطلح الايديولوجيا بين النظرية والواقع
د.لبيب سلطان ( 2022 / 11 / 19 - 08:43 )
تحية للسيد الكاتب
ان الكثير من المصطلحات والنظريات تؤل وتفهم باشكال مختلفة ومنها مصطلح الايديولوجيا و طرحها اكاديميا يخضع لوجهات نظرالباحثين ولكن المهم هوالأستخدام الواقعي والشائع لها فادلجة الدين او ادلجة الماركسية او الليبرالية هي بمفهومها العام تحويل افكارها الى مقولات دوغماتية ومسلمات غير قابلة للنقاش، والانسان المؤدلج هو المعبأ بوحدانية النظرة وفق مقولاتها وينصاع لها حتى وان خالفت الواقع وحتى المصلحة..مثلا المؤدلج الديني الولائي في العراق لا يقر بوجود مصالح تتقاطع مع مصالح دولة اية الله بل يراها واحدة والشيوعي العراقي مثله لم ير مصلحة العراق ربما تتناقض مع مصالح الاتحاد السوفياتي ومعهم القومي الناصري .. الليبرالية تختلف عن بقية المدارس الفكرية مثل الملركسية او القومية و الدينية انها لاتعترف بالحقائق المطلقة ومنه فهي عكس الايديولوجيا وفق تعريفها التحرري (بعدم وجود حقائق مطلقة) ولكنها رغم ذلك يمكن استغلالها سياسيا كما يشير له مقالكم ومايشير له الباحث من نوتردام ولكن ذلك لايجعل منها ايديولوحيا بل هو استخدامها المزيف لأغراض سياسية وهذه غير الايديولوجيا
مع التقدير

اخر الافلام

.. أردوغان: لدينا حق مشروع في الدفاع عن أمننا خارج الحدود


.. نشرة الصباح | إيران.. استدعاء إصلاحيين بـ -تهم التحريض-




.. الصومال.. انفجارات تستهدف مسؤولين في الحكومة والبرلمان قرب ا


.. اللواء فايز الدويري يوضح إمكانية تنفيذ العملية العسكرية التر




.. أردوغان يعلن عن اجتماع تركي مصري على مستوى الوزراء ويرجح تحس