الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


شجاعة الابداع

شريف حتاتة

2022 / 11 / 23
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


-------------------------------
نحن نعيش في عصر انتقالي من نمط للحياة إلى نمط أخـر تتبلور معالمه بالتدريج..نشاهد تغييرات جذرية في كل شـي ، وأمام هذه التغييرات التي تهز أركان العالم والحياة ، هناك مواقـف ثلاثة يمكن أن يتخذها الإنسان.. الانسحاب والانعزال خوفـا من نتائج المشاركة الإيجابية.. الهروب إلى الماضي والبحث عـن حلول قديمة يعيد اكتشافها ويحاول تطويرها.. أو التعامل مـع الحاضر والمشاركة في صنع المستقبل استنادا إلى خبرة الماضي، ولكن دون البحث عن حلول فيه..
ويتميز إنسان هذا العصر بقدرته على التأثير في حياته ، مـن خلال وعيه بهذه الحياة.. بأنه لا يتوقف عند دراسـة قـوانـين التطور، والتاريخ، وإنما يستند إلى هذه القوانين وإلى فهمه لها ، ووعيه بها لكي يعمل على تغيير مجتمعه وحياته.. لا يكتفـي بالتفسير، وإنما يسعى أيضا إلى التغيير، إلى صنع مستقبله.
في هذا العصر الذي تتبدل فيه كل الأشياء ، يطل الإنسـان على عالم لم تكتشف أجزاء كبيرة منه ، ويتحرك إلى مناطق لم يتعرف عليها حتى الآن.. يسير فوق أرض مجهولـة إلى حد كبير .. ارض لا يعرف مسالكها ودروبها.. وما يصدق علـى العالم في مجموعه.. يصدق بالذات على البلاد التي توصف بأنهـا "نامية".
ومنْ يفكر في المستقبل يسعى إلى المعرفة المتزايدة حـتى يتبين الطريق.. ولكنه يواجه في بعض الأوقات بضرورة التقدم إلى المجهول. فكل طريق جديد ، لابد أن يرتاده النـاس دون أن يكون أحد غيرهم قد سبقهم إلى ارتياده، ولكل مجتمع سماتـه الخاصة التي لا تتكرر في غيره من المجتمعات، حتى وان كانت ثمة صفات مشتركة تجمع بينها. والنظريات والأفكار والتصـورات مهما اكتمل كثير من جوانبها ، لا تنطبق على الواقع بالشكل المأمول.. بل يصححها الواقع باستمرار .. لذلك فالتعامل مـع المستقبل يتطلب المجازفة، يتطلب أن تكون لدى الإنسان قـدرةعلى الإبداع ، وأن يكون في الوقت نفسه شجاعا.. ألا يبحـث دائما عن الحلول التي تبدو عملية أو سهلة أو واقعيـة ، لأنهـا مطروقة، مستحسنة ، أن يتصف بالقدرة على التعامل مع الواقع المنظور، وأن يتصف أيضا بالقدرة على التعامل مع واقع غير منظور .
وهذا التعامل مع واقع غير منظور هو ركن أساسي في علمية الإبداع، في اكتشاف الجديد، وصنع المستقبل.. وقد يظن البعض أن التفكير العلمي في المستقبل، والتخطيط لـه يـفـي المجهول. ولكن هذا غير صحيح، فلولا الأحلام لمـا تقـدمـت الإنسانية حتى على يد أكثر الثوار وعيا، ومعرفة وإدراكا.. بـل هذا هو أحد الفروق الأساسية بين الرجل أو المرأة الثورية، وبين الرجل أو المرأة العملية.. بين العلم التطبيقي والعلم النظرى وبين الفن المحدود والفن الحقيقي.
الذات والشجاعة
--------------------
إن كل إنسان يعاني من اليأس في لحظـة مـن لحظـات الحياة.. ولا شك أن التطورات التي شهدتها بلادنا، بل والعـالم، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية ، انهارت معها كثير من الأحلام. ولكن الشجاعة لا تعنى غياب اليأس.. إنها تعنى أن الإنسان لا يشعر باليأس على الدوام.. وتعنى أيضا أنه قادر على استشفاف المستقبل والعمل من اجله رغم لحظات اليأس.
والشجاعة التي أتحدث عنها ليست مجرد عناء فردی.. فالشجاعة الحقيقية لا تنشأ من فراغ، وإنما من تماسك، وتـآزر ووضوح رؤية الجماعة.. ومع ذلك فالفرد يستطيع أن يصنع الكثير وان يلعب دوره.. والمبادرة، والإبداع يعتمدان إلى حد كبير على العقل الفردي، والمجهود الفردي، والا لما وجـد المتميزون والأفذاذ، والعباقرة، والقادة الحقيقيون.. وعندما نقول أن المجتمع المصرى يعاني من مشكلة قيادات، فإننا نعنى بالتحديد ضعف أو غياب الأفراد الذين يستطيعون أن يكونـوا بمثابـة الخميرة، والمحرك للعمل العظيم.. والفرد يتأثر بالمجتمع ويؤثر فيه.. ولكن ما تحتاج إليه هو قدر أكبر من الشجاعة الفردية التي بدونها لا يوجد إبداع حقيقى..
إن الإنسان الذي لا يعبر عن آرائه الأصيلة والحقيقية، والذي لا يستمع بالتالي إلى ذاته بل يتجاهلها، إنما يتخلى عـن نفسه ويخذلها، ويتخلى عن مجتمعه . فهو لا يقـدم المساهمة التي يقدر عليها، ولا يعطينا الشئ الذي لا يستطيع غيره أن يعطيه لنا.. فلكل منا ذاته الخاصة التي تختلـف عـن الآخرين.. ذاته التي لا يمكن أن تحل محلها ذات أخرى.
ومن الخصائص المميزة للشجاعة الفردية أنها تعبـير عـن الذات، وأنها تتمركز في الذات، فإذا كانت هذه الذات خاويـة فقيرة، لن تقول شيئا لأنها لن تجد ما تقوله.. فهي لا تستطيع أن تعبر عما ليس موجودا.. إنها تصبح لا مبالية، مفرغة من الحيوية ، لا تتفاعل ولا تنفعل ، إلا بالتفاهات ولا تقدم شيئا ذا قيمـة..
فتجنح في النهاية إلى السلبية والجبن. الشجاعة في إبداء الرأى، وفي تقديم مساهمة مميزة تفترض وجود أشياء يمكن تقديمـها، وهذه الأشياء حصيلة التغذية العقلية والنفسية التي يتلقاهـا الإنسان، حصيلة الثقافة التي يحصل عليها منذ الطفولـة مـن مصادر كثيرة، حصيلة جهد التحصيل المتواصل، والاشتراك في المعارك. الكأس الملئ يفيض.. بينما "فاقد الشئ لا يعطيه"..
وهذا هو السبب أن من مهام الاستعمار الجديد الأساسية ، هى تكريس جهوده الإعلامية والثقافية الواسعة النطـاق هو إفراغ عقول الشعوب من كل ثقافة حقيقية، وخلق فـــــــراغ الناس عن تقديم أي فكر مستقل، وعـن التحليـل والبناء، عن الإبداع وتقديم الجديـد.. فيتحولون إلى مجـرد أدوات، ومقلدين لا شخصية لهم، ولا أصالة.
أن الالتزام الحقيقي بأفكار وقيم معينة لا يمكن أن يعتمـد على النقل، أو التقليد أو الترديد الأجوف لأفكار الآخرين، أو لأشياء موروثة عن الماضي.. لا يمكن أن يعتمـد علـى محـرد الانتماء إلى جماعة ما، وإنما يعتمد على شئ أصيل في الإنسـان.. وهذا الشئ الأصيل في الإنسان هو الذي يعطى قوة للجماعـة. فالجماعة المكونة من نفوس خاوية ، لابد أن تكون هشة، عاجزة عن القيام بمهامها..
والشجاعة فضيلة، كالحب أو الإخلاص.. إنها أساس كل الفضائل وهي وحدها القادرة على تحويلها إلى أشياء واقعية ، محسوسة ، لها وجود حقيقي .. فالحب الذي يفتقـد الشجاعة يتحول إلى مجرد تبعية لشخص آخر .. والإخلاص أو الالتزام الذي تنقصه الشجاعة يصبح نوعا من الطاعة العمياء أو الجمود، أو التكيف الاجتماعي ..
الشجاعة في الإنسان ضرورية ، إذا أردنا أن يكون وجـوده حقيقيا وليس شكليا.. وإذا أردنا أن يكون قادرا علـى النمـو والتطور.. وتصبح مسالة تأكيد الذات وبلورتهـا وتدعيمـها، وقدرة الشخص على الالتزام بقضية، أو بأفكار ومبادئ معينـة، مسألة أساسية للذات حتى تخلق كينونتها . وهـذا فارق جوهري بين الإنسان والكائنات الحية الأخرى.. فـالبذرة تصبح نباتا بحكم قوانينها الداخلية المتفاعلة مع البيئة، وبحكــم نموها الحتمي، وهي لا تحتاج إلى الشجاعة، أو الالتزام بشئ معين لتصبح كذلك. والمهرة الصغيرة تكبر لتصبح فـرسـا بالاعتماد على عملية حيوية، غريزية محضة، لا دخل للإرادة أو الشجاعة فيها.. لكن الرجل أو المرأة ، لا تصبح إنسانا متكاملا إلا نتيجة سلسة من الخيارات، وتنمية القدرة على الالتزام بها.. مجموعة من القرارات تتضمن رفض أشياء وقبول أشياء أخـرى.. وبهذا يتطور الإنسان ويصير جديرا بالاحترام.
وهذه القرارات مرتبطة على الدوام بممارسة الشجاعة .. فبالشجاعة يغدو الإنسان إنسانا حقيقيا.. الشجاعة هي التي تولد القدرة على الفهم، وعلى النمو، وعلـى عـدم التمسك بالأشياء التي ينبغي رفضها.
الشك واليقين
-----------------
السمة الغريبة في الشجاعة الحقيقية ، هي أنها تجمـع بين الشك وبين القدرة على الالتزام الفكري.. بين الإحساس بأن الإنسان ليس على صواب دائما ، وأن احتمال الخطأ موجود، وبين اليقين الراسخ. وهذه العلاقة الجدلية بين اليقين والشك ، هي التي تميز أعلى درجات، وأرقى أنواع الشجاعة.. فالشـك فيما هو قائم، الشك في صحة المعطيات والأفكار التي نؤمن بهـا ، هو أساس اكتشاف الجديد وهو أساس الإبداع.. إن الرضى بما وصلنا إليه ، يتنافى مع القدرة الإبداعية . وهذا الشـك يحتـاج إلى شجاعة وقدرة على الاقتحام ، يسمح لنا بان نعبر عن أفكارنا وأعمالنا الخلاقة ، ويفتح أمامنا باب الخروج عن المألوف والاختلاف مع الأغلبية، عن الأنماط التي نتمسك بها، والتي تدافع عنها قوى اجتماعية عاتية. ويحتاج إلى استعداد من الإنسان لان يجد نفسه في الأقلية، أو حتى وحده أحيانا عندما يسير في بداية الطريق منبوذا مـن الآخريـن، معرضا للضغوط والاضطهاد.. ومع ذلك فهذا هو سبيل كـل عمـل وفـكـر جديدين لهما قيمة .. إن كل تطور حقيقي في الفن، وفي العلـم وفى المجتمع ، يتطلب أن يعي المبدع هذه الحقيقة الهامة، أن يكون قادرا على معايشتها.. حقيقة أن العمل الخلاق لن يجد طريقـه مفروشا بالورود.
إن الذين يدعون الإيمان الكامل بموقفهم، ويرفضـون الشك، واحتمالات الخطأ، ويستريبون في كـل مشـكك أو ناقد.. أناس خطرين للغاية.. فمثل هذا اليقين الذي لا يحتمـل الشك هو أساس الجمود الفكري. والجمود الفكري يتنافى مع التطور والتقدم والانفتاح ، ويغلق الباب على كل إبداع حقيقى.. ويقود إلى التكرار والتقليد ونقل النمـاذج الجاهزة.. ثم في النهايـة إلى التعصب مهما كان الاتجاه الفلسفي أو الفكري الذي يستند إليه.. انه يضع سدا منيعا أمام اكتشاف الحقيقة.
أن العلاقة الجدلية بين اليقين والشك ، علاقة بين قطبـــين متناقضين.. ولكن وجود كل منهما يفترض وجود الآخر كما شأن الحقيقة دائما.. فإذا غاب أحدهما غاب الآخر . الصراع بين هذين القطبين هو أساس التطور الفكري. غياب أحدهما يؤدى إلى اليقين المطلق.. أو الشك المطلق، إن كانت هناك مطلقات، مما يعرقل، ويمنع كل تفتح على الإبداع وعلى الجديد.. فلابد من أن يكون الالتزام الفكرى ، مؤسسا على احترام الحقيقة والبحث الدائب عنها، مما يفترض الشك فيما هو موجود.. الحقيقة تتجاوز ما هو قائم، تتجاوز ما يمكن أن يقال، أو يعمل، أو يكتشف في لحظة ما. إنها عملية غير قابلة للتجمد أو التوقـف أو الفنـاء، تجعلنا ندرك مغزى تلك المقولة الشهيرة:" أنا على استعداد لان اذهب سيرا على الأقدام مسافة عشرين ميلا لالتقى بألد أعدائي إذا كنت سأسمع منـه شــنا جديدا ".
الشجاعة الإبداعية
-----------------------------
توجد أنواع مختلفة من الشجاعة مثل الشجاعة الجسمانية والشجاعة المعنوية والشجاعة الاجتماعية.. ولا يوجد فاصل منيع بينها، بل هي مرتبطة فيما بينها بأوثق الروابط.. وتتوقـف كل منها على الأخرى في لحظات وظروف معينة.. ولكن ربمـا تكون الشجاعة على الإبداع أهم أنواع الشجاعة الإنسانية، لأنها ضمان التقدم المستمر للفرد، والمجتمـع. وإذا كـانت الشجاعة المعنوية ضرورية لمقاومة الظلم، فان الشجاعة الإبداعية ضرورية لاكتشاف الأشكال الجديدة، والأنماط الجديدة والرموز الجديدة التي يمكن أن يبنى عليها المجتمع، وتتطلب كل المهن دون استثناء وجميع مجالات العمل ، قدرا أو أخـر مـن الشجاعة الإبداعية.. فلا يمكن أن يتقدم الطـب مثلا، أو التعليم، أو المعمار، أو التكنولوجيا، أو فنون إدارة المجتمـع لمؤسساته، وهيئاته ، إلا إذا وجد أولئك الأشخاص الذين لديهم الشجاعة ليجددوا ويدافعوا عن التجديد في مواجهة كل قوى التقليـد والركود.
وهنا يوجد قاسم مشترك بين كل المبدعين ، وهو قدرتهم على الخيال بلا حدود.. فالشئ الجديد لا يولد في الواقع قبل أن يتخيله صاحبه في ذهنه، ويرى صفاته، وتضاريسه، وعلاقاتـه الداخلية والخارجية. انه يتطلب أن يترك لخياله الفرصة لتصـور كل الاحتمالات بجرأة ، مما يستلزم التعود على الحرية، والاقتحام الذهني ، وفي التركيبة النفسية للإنسان.. فالاكتشـاف هو اكتشاف المجهول، والمجهول ليس له حدود..
ويتميز العاملون في مجال الفن مثل كتاب الرواية والمسرحية والشعراء، والملحنين، والنحاتين، والرسامين ، بـأن عملهم يفترض التقدم المستمر بأشكال، ورموز جديدة، وعـدم وضع قيود على التجربة.. وهم يبلورون هذه الرموز الجديدة بصور شعرية، وصوتية، ودرامية، وتخيلية حسب مجـالهـم . فبينما العامة من الناس لا يرون رموزا جديـدة إلا في أحلامهم أثناء النوم أو اليقظة ، يختلف الأمر مع الفنـائين المبدعين.. فهم يحولون هذه الرموز إلى أشكال ملموسة.. هـذا هو الخلق، والخلق نتاج عملية إبداع. وتذوق العمل الفني أيضـا يفترض قسطا يزيد أو يقل من القدرة الإبداعية في الشخص، لأنه يتلقى جديدا لم يتلقاه من قبل، ويمارس إحساسا لم يمارسه من قبل، ويرى آفاقا لم يستكشفها من قبل. انه يكتشف مـع الفنان المبدع حقائق غير مألوفة . ولذلك فـان العمـل المبدع يطلق الطاقات المبدعة في الآخرين.. والفن الجيد مفجـر للطاقات الفنية في الآخرين.. والفن العظيم يولد فنا عظيما عنـد الآخرين.. وهذه العدوى الفنية بعرفها الفنانون جيدا..
ولكن إلى جانب ذلك ، فالعمل الفني الجيد بمثابة أداة التنبيه لما يحدث في المجتمع دون أن تراه، ونوع من الإنذار لما هو آت سواء كان رديئا أو جيدا، باعثا على الأمل، أو على التوجس . انه ضوء كشاف يلقى على حقائق الحياة. ولذلك فـان الـفـن الحقيقي ناقد وصادق ولكنه أيضا ليس الهزاميا ولا ضعيفا ، ولا قبيحا.. انه جميل حتى عندما يتعرض للقبح.. انه مـوجة ترفع الإنسان إلى مستوى ارقى من الإدراك والحس، ولكن الصدق لايتأتى إلا بالشجاعة مع الآخرين، وأساسا مع النفس. إن الفنـان المبدع هو المعبر الواعي عما يدور في أعمــاق الجماهير، ولى لاوعيهم بالذات.. لأنه يحول هذا اللاوعى إلى وعى.. انه مثـل كل قائد أو مفكر حقيقي ، يواجه خميرة وعي في عجينة اللاوعي ثم يجعلها ترتفع إلى مستوى آخر من الإدراك.. ولان الفنان المبدع يتعامل أكثر من أي شخص آخر مع النفـس الإنسانية، ودوافعـها وبالتالي مع الجزء اللاواعي منها ، فان دوره خطير، لأنه يكشـف هذه الأعماق اللاواعية ويقدمها للناس حتى يروها .
ان الفن المبدع هو الذي يحفـر جذور هذا التغيير الذهني في أعماق النفس.. ويخلق الانسجام بين الوعي واللاوعي، بين التفكير الذهني، والإحساس الوجداني اللذان يتمركزان في العقل. انه يلغي الازدواجية التي تعاني منـها النفس، ليصل بالإنسان إلى أعلى درجات الوعى.. فالفن هـو قمة العمل الواعي، لأنه مبنى على الفهم العميق للواقع ودوافعه.
إن الفن المبدع هو إحدى أدوات الإنسان للخلود.. يحول الثقافة أداة تغيير اللحظة العابرة التي قد تضيع ، إلى لحظـة حيـة مـن الإبـداع الملموس.. انه أداة من أدوات التغلب على الموت..
ومن كل هذه العوامل تأتي العلاقة الوثيقة القائمة بين الإبداع والشجاعة.
لماذا يحتاج الإبداع إلى شجاعة ؟
--------------------------------
في كل عمل إبداعي يخوض الفنان تجربة جديدة.. يلتقـى مع شئ جديد.. مع زاوية جديدة من الحقيقة . وعلى ذلك ففي كل مرة يحتاج إلى شحذ شجاعته مـن جديد، فالخلق مثل الحب، لابد في كل مرة أن يبدأ الإنسان من البداية، وفي كل تجربة إبداع جديدة يواجه الفنـان موقفـا جديدا.. إنها بمثابة لقاء متجدد مع الواقع.. وهذا اللقاء مع واقع التجربة الإنسانية هو أساس عملية الإبداع.. إنها عملية صــر تتم في "فرن" أو في "نفس" الفنان ليستخرج منها شيئا نافعـا وجميلا تستفيد منه الإنسانية.. إنها عملية يخلق فيها الفنان "ذلك الوعى الجماعي الذي لم يخلق بعد" على حـد قـول "جيمس جويس".
والفنان المبدع يشارك في بلورة وعى الشعب والجنس البشرى عموما ، حتى وان لم يكن مدركا لم يقوم به.. حتى وان لم يخطر على باله أن يكون مربيا فاضلا، أو معلمـا يـث في الآخرين تلك القيم والأخلاق التي يؤمن بهـا.. انـه منـشـغـل أساسا، رجلا كان أم امرأة، بالتعبير عن تلك الرؤية الداخلية التي تضطرم في أعماقه ، وتكاد تعصف به إن لم يعبر عنها.. إن عمله الإبداعي هو وجوده، ومع ذلك ففي النهاية، تدخل تلـك اللبنات الرمزية التي يصنعها، والتي هي نتاج كل عمل فنى، في تكوين أخلاقيات وآداب المجتمع..
ولكن ما الذي يجعل الإبداع الحقيقي عملية صعبة؟. وهـل تحتاج هذه العملية إلى شجاعة نادرة؟ . أم أن مثل هـذا القول ، من قبيل المبالغة التي يرددها الفنانون حتى يضفـوا عـلـى أنفسهم صفاتا تميزهم عن بقية البشر ..؟ قد يبدو لأول وهلة أن الإبداع الفنى عملية لا تتعدى مجرد التخلص من الرموز الـتى لم يعد لها مدلول فماتت، ومن الأساطير التي عفى عليها الزمـــن ففقدت سمات الحياة الحقيقية.. وهذه المهمة تحتاج لاشـك إلى جهد، وقدرة على إبداع الرموز، والأساطير الجديدة. ولكنها لا تحتاج إلى قدر غير عادي من الشجاعة..
ولكن هناك حقيقة يصعب إنكارها.. وهي أن الإبداع الحقيقي، والفن الأصيل وان كانا يجلبان لصاحبهما أحيانا قـدرا كبيرا من الحب والتقدير تبديه نحوه قطاعات من جمهرة الناس العاديين، وربما قلة من الملتصقين به . لكنهما في اغلب الأحيان، وخصوصا إذا أصر على موقفه المتميز الصادق، والأصيل، قد يجلبان له متاعب كثيرة.. أقلها السجن، وأكثرها هو الضيق، والنبذ والحنق والغيرة التي يحاط بها.. وهذه المشاعر إذا نظرنـا إليها نظرة سطحية قد تبدو غريبة. ومع ذلك ففي ظل الأوضاع التى مازالت مسيطرة على مجتمعاتنا ينبغي اعتبارها "طبيعية".. ذلك أن أسبابها تضرب بجذور عميقة في المجتمع. إن الإبداع الحقيقي يقابل بمثل هذه المشاعر أساسا من "الآلهة" لأنه يخوض معركـة معها، ومن البديهي أن الصراع ضد "الآلهة" يحتاج إلى شجاعة نادرة .
والفن الذي لا يثير هذه الصراعات، ولا يثير مقاومة"الآلهة"، فن مرضى عنه لسبب من الأسباب ، إما لضعفـه، أو لأنه لم يتعرض للمشاكل من جذورها، أو لأنه لم ينتبه إليها، أو لأنه يخدم غرضا من أغراض "الآلهة"، أو لأنه لم يشكل بعد تيارا ينبغي الوقوف في وجهه.
ولكن كلمة "الآلهة" هذه تحتاج إلى تفسير، والى أن نفهم منابعها.. لقد كتب الرسام الفرنسي "دجا" مرة يقول: "عندمـا يرسم الفنان التشكيلي لوحة ينتابه نفس الإحساس الذي يسيطر على المجرم عندما يرتكب جريمته ...".
لقد حرمت اليهودية، والمسيحية، والإسلام، أي الديانات الثلاث السماوية، وفي مراحل مختلفة من تاريخها تحت التمـاثيل ورسم الصور .. ولا شك أن الغرض من هذا التحريم ، كان منـع ممارسة أي شكل من أشكال الوثنية.. هذا التحريم عكس ذلك الخوف العميق الذي يحمله كل مجتمع في مواجهة الفنانين، والشعراء، وأصحـاب الأفكـار الحرة، بل والمبدعين من كل نوع ، لأنهم يهددون الأوضاع السائدة التي يرى المجتمع ضرورة الحفاظ عليها.. ذلك أن المجتمع منذ قديم الزمان، أي منذ بداية العصر العبــودي والحضـارات الأولى كان مكرسا لخدمة الطبقات، والفئات السائدة، وأى تغيير فيه كان یعنی المساس بمصالح هـذه الطبقـات والفئـات وبمصالح أولئك الذين يمثلونها في مجالات الفكر، والعلم والأدب، والفن. فكان من الطبيعي ان يواجه الجديد مصاعب كثيرة، واضطهادا عندما يحاول أن يشق طريقه في مواجهـة القديم.. مصاعب تتخذ أشكالا مختلفة، ولكن جوهرها واحـد ، هو الاضطهاد الذي يبديه كل مجتمع ، ضد التجديد .
ولنا في التاريخ أمثلة لا حصر لها . نذكر منها موقف الكنيسة من فناني عصر النهضة "الطبيعيين أو الواقعيين" ، وموقف الإقطاع من كتاب وفناني الثورة الفرنسية، ومواقـف القيصرية من الروائيين والمفكرين الروس، وموقف الإنجليز والسراي من على عبد الرازق، وطه حسين، وكتاب آخرين ، وموقف ثورة يوليو من عدد كبير مـن الكـتـاب، والفنـانين، والمفكرين الذين اعتقلوا سنين طويلة.. وموقف الحكم في عـهد السادات ومبارك ، من الذين اختلفوا معهما .
وإذا عدنا إلى الأساطير القديمة نجد أنها جنحت إلى تصوير عمليات الخلق والوعى ، على أنها تولد في صورة تمرد ضد القـوى المسيطرة على الكون، وكأن الآلهة لم تكن تريد أن تكتسب الانسانية المعرفة، والوعي، والفنون المصاحبـة لـكـل تقـدم حضاری.. فنجد أنفسنا مواجهين بلغز غريب ، ربما يمكن تفسيره في أن الفنان المبدع، أو الشاعر الصادق، يضطر إلى العمل والنضال ضد "الآلهة" الذين سادوا في المجتمع حتى الآن.. آلهة الاستغلال، والقهر، والنجاح المادي.. آلهة اللامبالاة، والتكيف، والتوافق مع الظلم.. فهذه مازالت "الآلهة" أو الأصنام التي يعبدها الملايين من الناس في العالم..
ان كل فنان مبدع وصادق يريد أن يحطم هذه الألهة ، ويحطم معها القيم والمثل، والأفكار المرتبطة بها، أيا كانت المدرسة، أو الاتجاه الفكري الذي ينتمي اليه. كل فنان مبـدع يريد أن تسود النظم والقيم الإنسانية ، مكان النظم الـى تمزق الإنسان وتشوهه. ومن هنا تلك المقاومة، وذلك الضيق والحنق والنبذ ، الذي لابد أن يقابل به الفنان المبدع حقا مما يتطلب أن يكـون متسلحا بشجاعة نادرة..
إن الأساطير القديمة ربطت بين رغبة الإنسان في المعرفة في التمييز بين الخير والشر، وفهم قضية الحياة، وبين الخلـود.. ففي الأسطورة الإغريقية حال الإله "زيوس" بين "بروميثيوس" وبين التخلص من القيود التي كانت تربطه بالجبل، عقابا علـى تسليمه سر النار (أي المعرفة) للجنس البشــرى، واشترط أن يتنازل أحد الخـــالديـن مـن الآلهـة عـن خـلـوده، ويهبـه "لبروميثيوس".. وفي أسطورة أدم وحواء اليهودية ، خشـي رب اليهود أن يأكل آدم وحواء من شجرة المعرفة فيصبحا مثله مـن الخالدين.. وهكذا ارتبطت مسالة التمرد على ما هـو قـائـم ، بالرغبة في الخلود وقضية الحياة والموت.. وكأن الإنسان ومـن بعده الفنان لا يقوم بالتمرد على الأوضاع السائدة في المجتمـع والكون فحسب، ولكن أيضا بالتمرد على الموت لأنه لا يريـد أن يتقبله كنهاية حتمية للحياة..
وهكذا كانت المعركة ضد "الألهة" معركـة مزدوجـة .. معركة ضد نظام الكون وتسلط الطبقات والفئات المهيمنة على مصائر البشر ، و" آلهة " العصر الحديث وهى الشركات المتعـددة الجنسية وأعوانها ، والتي تملك وسائل لم يسبق لها مثيل للتحكم في حياة وعقول ومصائر البشر، ومعركة أخرى ضد الموت..
ومن أجل حياة إنسانية حقيقية ، لابد من أن يواجه الفنـان المبدع هؤلاء الأعداء، وان يصارع ضدهم.. ضد الاستغلال والقهر.. وضد كل وسائل الموت التي تهدد سكان العـالم بالفناء.. وهذا الصراع هو الأتون الذي يولـد فيـه الإبـداع الحقيقي ويولد فيه الجديد.. وهكذا تتضح حاجة الفنان المبـدع إلى شجاعة نادرة حتى يقدم الأعمال القويـة والجميلـة ، الـتى تستطيع أن تساهم في القضاء على كل مظاهر الظلم ، وفى خلـق الإنسان الجديد.
الفنانون المبدعون إذاً متمردون، وثوار باعتبارهم رجالا ونساء، يحملون في أعماقهم تصورا للعالم الجديـد.. تصـورا يخطف ألباب الناس بإنسانيته وثورته على الظلم.. لذلك ينقدون ما هو قائم ويسلطون الضوء على مثالب المجتمع، وعوراتـه وتناقضاته ويكشفون الزيف، والكذب، والتضليل.. ويلقـون نورا ساطعا على الحقيقة.. ويغوصون في أعماق الإنسان ليصلوا إلى أبعد غور.. ويستغرقون في الفوضى الضاربة أطنابها في ربوع الدنيا ليعيدوا تربيته في أشكال وأنماط ورموز .. ويثورون على العادي، واليومي، والتقليدي.. على السلبية واللامبالاة في كل الشئون.. ويبثون الثقة في عظمة الإنسان ومستقبله، والأفاق التي تنتظره في الكون..
ولذلك فالفنان المبدع ذو حيوية عظيمة. فيه طاقة الذهـن المفتوح، وطاقة الشعور .. يحمل معه أينما ذهب شحنة الغضـب ضد الظلم.. وكل هذه الصفات هي الـى تـشـكـل شـجاعة المبدع، وقدرته على أن يقتحم، وعلى أن يسير بخطى جريئة في مسالك الفن الوعرة.. وأن يرى تلك الحقائق البسيطة والعظيمـة التي تشكل جوهر الإنسان.
من كتاب : " تجربتى فى الابداع " 2000
-----------------------








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. 12 مليون طفل لا تعلم سلطات الصين بوجودهم


.. العدالة المفقودة.. المعارضة السورية تنظم وقفات لتخليد ضحايا




.. ماكرون ينتقد الإعانات الأمريكية ويصفها بأنها -شديدة العدواني


.. وزير الخارجية الأميركي يؤكد أن استراتيجية الرئيس بوتين لن تن




.. أزمة الطاقة تكبد أوروبا 724 مليار دولار