الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الماركوتينغ الديني

إدريس جنداري
كاتب و باحث أكاديمي

(Driss Jandari)

2022 / 11 / 28
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


البابا يبارك سيارة فيسكر الكهربائية، و يبدي موافقته على استعمالها !
ماذا لو كان هذا خبرا مروَّجا في الصحافة العربية عن رجل دين مسلم ؟! أكيد، ستقوم الدنيا و لن تقعد، و سيجهز علمانويونا (العلمانوية laïcisme) كل أسلحتهم الإيديولوجية الفتاكة لمجابهة تدخل الدين في الصناعة !!!
الخبر نقلته القناة الألمانية DW في تقرير لها عن ماركات السيارات التي يستعملها البابوات من الميرسديس إلى بي إم دبليو.... و أخيرا و ليس آخرا، سيارة فيسكر الكهربائية التي ينقل التقرير أن البابا فضلها على سيارة تيسلا التي عرضت عليه هدية من إيلون ماسك، في سياق حملة إشهارية يتدخل فيها الدين في الصناعة و التجارة !!!
و لا ينسى التقرير أن يبهدل صناعة السيارات الفرنسية التي لا يتجاوز انتشارها حدود إفريقيا الفرنكفونية ! فقد رفض البابا استعمال علامة رونو صنف كونغو لانعدام شروط الأمان فيها، لكنه استعمل، مضطرا/خائفا على سلامته ! علامة داسيا صنف دوستر من أجل التعبير عن تضامنه مع فقراء العالم !!!
واهم، إذن، من يروج من إيديولوجيينا الرومنسيين لخراب الكنائس و موت البابوات ! الدين المسيحي كان، دوما، في صلب الحياة العامة، في أوربا، منذ انشغال "ماكس فيبر" بالعقلنة الدينية في كتابه "الأخلاق البروتستانتية و روح الرأسمالية " حينما ربط بين الإصلاح الديني و بين نشوء الرأسمالية، و كذلك هو الدين اليهودي الذي يوجه المشروع الصهيوني عن بعد.
هذا، ليس تنظيرا فلسفيا مجردا، كما قد يجادل علمانويونا الرومنسيون، بل إن الفاتيكان، اليوم، هو القلب النابض للنظام الرأسمالي، و البابا يجول العالم، شرقا و غربا، لمباركة الشركات و الترويج للعلامات التجارية، و مباركة كل مظاهر الانحراف الرأسمالي من منظور ديني.
الرأسمالية فرضت المثلية الجنسية لتخريب بنية الأسرة، و فتح الباب لاستهلاك البطن و الفرج، بما يذره عليها من أرباح بتريليونات الدولار، و يأتي البابا لشرعنة هذا الانحراف الرأسمالي عبر إضفاء القداسة على فعل مدنس، إنهم أبناء الله يقول البابا بعدما غرف من الأبناك ما يشبع غريزة الفاتيكان كمقابل ل(فتواه) !!!
نظام القيم كان، و سيظل، موجها للحركية السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية، و في صلب نظام القيم يحضر الدين. و لذلك، فقد بدأ يتبلور حقل فكري جديد، مع تصاعد حركة الانبعاث الديني، يدخل ضمن ما يطلق عليه دراسات ما بعد العلمانية، فقد بدأت أبرز الجامعات الغربية تعكف، بتعمق، على دراسة الحيوية الفائقة للخطاب الديني في عالم العقود الخمسة الأخيرة، و قدرته على اجتذاب قطاعات واسعة من الجماهير في كل مكان. و في منأى عن هذا التحول، ظلت الثقافة العربية أسيرة ثنائية الصراع بين العلمانية و الدين، التي أسس لها التنوير الغربي و نقلها عبر الحقبة الكولونيالية إلى المناطق المستعمرة.
تحديث التفكير الديني: قوة الدين في المجال العام، تأليف: هابرماس، تيلر، بتلر، ويست، تر:فلاح رحيم، دار التنوير للطباعة و النشر، ط:1، 2013، ص: 13(بتصرف)
اغتراب العلمانوي العربي مزدوج، إذن، فهو مغترب عن مجتمعه الملتزم بقيم الدين الإسلامي، و في نفس الآن هو مغترب عن المجتمع العالمي المعاصر الذي تجاوز التأويل الإيديولوجي للدين، كما ترسخ مع الثورة الفرنسية و بعدها مع الثورة الشيوعية، و دخل في حركية نقد ذاتي تقودها تخصصات علمية توظف آليات التحليل الأنثربو-سوسيولوجي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. عظة الأحد | القس قلته شفيق: أي إنسان عايش بعيد عن المسيح هو


.. موازين - ما الذي تحقق من تجربة البنوك الإسلامية؟




.. بابا الفاتيكان يؤدي قداس السلام بجوبا في ختام جولته لهذه الم


.. بعد إساءة مستوطن للنبي محمد.. سائقو الحافلات يدخلون بإضراب ف




.. البابا فرانسيس يلتقي النازحين بسبب الحرب في جنوب السودان