الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تاريخ فرنسا 14 – شارل السادس، المجنون

محمد زكريا توفيق

2023 / 2 / 20
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


الفصل الحادي والعشرون

شارل السادس، 1380-1422.

في عام 1380، كان الوقت عصيبا بالنسبة للشاب شارل السادس، عندما كان في الثانية عشرة من عمره. لقد صار ملكا يتيما، وترك لرعاية أعمامه. دوق أنجو، ودوق بري، ودوق بورجوندي. الذين كانوا يتشاجرون بسبب التنافس على المناصب الحكومية، فأهملوا العناية بتربيته وتعليمه.

خلال فترة حكم أعمامه، تبددت ثروة المملكة، التي جمعها الأب بعناء، على الملاذ الشخصية للدوقات، الذين كان جل اهتمامهم في كثير من الأحيان، متشعبا ومغرضا في ذلك الوقت.

زادت قوة الإدارة الملكية، وأعيد فرض الضرائب، وشهدت السياسة اللاحقة انقلابا في القرارات التي اتخذها الملك شارل الخامس من قبل، وهو على فراش الموت حول إلغاء الضرائب. مما أدى إلى ثورة ضريبية عرفت باسم "هريل".

ثم أنهى شارل السادس وصاية أعمامه عام 1388، لكي ينفرد بالحكم. إذ أعاد سلطة كبار المستشارين الاختصاصيين للملك شارل الخامس، الذين بشروه بحقبة جديدة. وكثيرا ما كان يشار إلى شارل السادس، بالملك المحبوب من قبل أتباعه.

كانت الضرائب ضرورية، للإنفاق على سياسات الخدمة الذاتية لأعمام الملك، والتي كانت في كثير من الأحوال، في صدام مع سياسات ولي العهد، وبين بعضهم البعض أيضا.

تزوج من إزابو من بافاريا عام 1385. عندما كان في السابعة عشر من عمره، وكانت هي في الرابعة عشر. أنجبت زوجته 12 طفلا، مات معظمهم في سن الطفولة.

تواصلت حرب المائة عام، أثناء حكم شارل السادس. هنري الرابع، ملك إنجلترا، استغل فترة عدم الاستقرار بالنسبة لملك فرنسا وجيشه. وفاز في معركة أجنكورت عام 1415.

ثم استولى على نورماندي، وتحالف في معاهدة تروى مع دوق بورجندي الشاب، فيليب الطيب، عام، 1420. وذلك انتقاما لمقتل والده، وتحالف مع ملكة بافاريا إزابو نفسها.

كانت الكنيسة في حالة غير مستقرة للغاية. الباباوات، أثناء إقامتهم في أفينيون، كانوا تحت تأثير الملوك الفرنسيين، وهذا أمر لم يكن يرضي سكان المناطق الأخرى التابعة للكنيسة الغربية.

أيضا، لم يكن لدى الباباوات والكرادلة، أية وظيفة يمكن القيام بها في هذه البلدة الصغيرة. هذا الفراغ، أدى إلى جميع أنواع الشرور. تركهم لمكانهم المناسب في روما، تسبب في كل أنواع الاضطرابات والارتباكات.

لذلك، في عام 1376، قرر البابا جريجوري الحادي عشر، العودة إلى روما. فقام شارل الخامس، وجميع الكرادلة من أصل فرنسي، بفعل ما في وسعهم لمنعه من فعل ذلك. إلا أنه قد توفي بعد وصوله إلى هناك.

الكرادلة، الذين أرادوا أن يكون مكان البابا هو إيطاليا، قاموا باختيار أحدهم، والذين أرادوا أن يكون المكان هو أفينيون، اختاروا بابا آخر.

لذلك كان هناك اثنان من الباباوات، البابا الحقيقي وآخر منافس له. مما تسبب فيما يعرف بالانشقاق العظيم للكنيسة.

الفرنسيون كان لهم بابا في أفينيون. أما الإنجليز، فلهم بابا آخر في روما. لكن الأمور ازدادت سوءا أكثر من أي وقت مضى، لأن كل الباباوات كانوا فقراء للغاية، وفي أمس الحاجة للأموال.

كانوا يخشون الإساءة إلى الملوك أو الأساقفة الفرنسيين، خوفا من ردود الفعل. لهذا، انتشرت الخطيئة والأعمال الشريرة بدون رادع.

كان لويس، كونت فلاندرز، لديه العديد من المدن الغنية في مقاطعته، حيث كان ينسج أفضل القماش والكتان والدانتيل. وكان المواطنون في بحبوحة من العيش أثرياء. لكن، كان هناك دائما الكثير من الكراهية وعدم الثقة المتبادلة بين الكونتات وأهالي المدن.

كان لويس قاسيا وشرسا، لدرجة أن الناس في جينت ثارت ضده، وأغلقوا أبواب المدينة. ثم اختاروا فيليب فون أرتيفيلده زعيما لهم، وهو ابن صانع الجعة، الذي كان صديقا لإدوارد الثالث، ملك إنجلترا.

قادهم أرتيفيلده للقتال مع لويس، وحقق انتصارا كبيرا، وقام بمطاردته في مدينة بروج. هناك، كان مكروها بقدر ما كان في جينت.

وانتفض الناس في الشوارع ضده، ولم يجد أحدا يعطيه المأوى، إلى أن وجد أخيرا نفسه في منزل أرملة فقيرة، كانت تتلقى في بعض الأحيان الصدقات عند بوابة قصره.

توسل لها لكي تقوم بإخفائه، فدعته يتسلل تحت سريرها، حيث كان أطفالها الثلاثة الصغار نائمين. وعندما اقتحم الأعداء المكان للبحث عنه، رأوا الأطفال وهم فوق السرير، فانصرفوا لكي يبحثوا عنه في مكان آخر.

في الصباح، تمكن من الخروج من المدينة، وهرب إلى باريس، حيث توسل إلى الملك وأعمامه لمساعدته. لم يكن لديه سوى ابنة واحدة، كانت ستتزوج ابن دوق بورجوندي.

كان من مصلحة الفرنسيين إخضاع المدن الفلمنكية لهم، وكان الملك الشاب، شارل السادس، حريصا جدا على القيام بحملته الأولى.

فخرج المواطنون الثائرون لقتال الفرسان والجنود، لكنهم لم يتمكنوا من التغلب على زعيم قديم له تجارب جيدة مثل الكونستابل دي كليسون، بالرغم من أنهم كانوا يقاتلون وهم يائسين.

في معركة روسبيك، قتل ستة وعشرين ألف رجل. وتم سحق فيليب فون أرتيفيلد حتى الموت أثناء هروبه. فأعجب الملك الشاب بالكونستابل دي كليسون أكثر من أي شخص آخر.

لكن الكونستابل كان مكروها جدا من قبل الكثيرين، بسبب شراسته وقسوته. وفي أحد الليالي، أوقفه بعض القتلة في شوارع باريس. وقاموا بالاعتداء عليه وإصابته بجروح بالغة.

لم ينقذه من موت محقق، سوى وقوعه في مدخل منزل، وسقوطه في ممر مظلم، فتركه أعداؤه ظنا منهم أنه قد قتل. وفروا هاربين إلى بريتاني.

وعندما طالب الملك بالقبض عليهم، وإعادتهم حتى يتم إعدامهم، رفض دوق بريتاني تسليمهم، الذي كان يكره كليسون.

تأكد شارل من أن الدوق هو الذي أرسلهم لاغتيال الكونستابل، فغضب غضبا شديدا، وأعلن أنه سوف يدمر كل بريتاني.

جمع شارل قواته وانطلق، لكن، في يوم صيف حار، حدث شيء غريب وهو راكبا حصانه عبر غابة مانز. هرع رجل، ربما كان مجنونا، من بين الشجيرات، وأمسك بلجام فرسه، وصرخ قائلا: "توقف هنا أيها الملك. لقد تمت خيانتك"

أبعد الرجل، وواصل الملك المسير. بعد فترة قصيرة، غلب النعاس على حامل رمح الملك، فسقط من على ظهر حصانه. واصطدم رأس الرمح بخوذة أحد الجنود في المقدمة.

جعل هذا الحادث الملك يتوهم أن الخيانة قد بدأت. وصار محموما منذ تلك اللحظة. فاستل سيفه واندفع إلى أتباعه وهو يبكي ويقول: "يسقط الخونة. ثم قام بقتل أربعة من جنوده. لكن الآخرين أنقذوا أنفسهم، عندما تظاهروا بأنهم قتلى، ماتوا بالسكتة القلبية.

أخيرا، عندما تبددت قوته، انطلق فارس قوي طويل القامة، على حصانه، وجاء من خلف الملك وأمسك به. وتم نقله إلى مانس، حيث تبين أنه كان يعاني من حمى الدماغ.

لكنه تعافى بعد ذلك، وعادت له صحته لبعض الوقت. وحكم بطريقة قد تكون غير مثالية، ولكن بنوايا طيبة. ثم تزوج إيزابيل من بافاريا. ولو كانت قد اعتنت به بشكل أفضل، لكانت حياته أكثر سعادة بكثير. لكنها كانت امرأة مملة وأنانية. كان اهتمامها بالملذات، أكثر من اهتمامها بأطفالها وزوجها.

في مهرجان كبير، الملك وخمسة من النبلاء كانوا يرتدون ملابس تنكرية في هيئة حطابين في الغابة. الملابس ممزقة ومغطاة بالرقع وألوان مختلفة.

والرأس مغطاة بطواقي يتدلى منها شرائح قماش طولية تمثل الشعر. ويضعون الأغصان الخضراء حول رؤوسهم وخصورهم.

مقيدين معا بالسلاسل، ويرقصون وهم يطوفون بين السيدات، اللاتي يخمن من هم. أمسك شقيق الملك، دوق أورليانز، بشعلة نار واقترب جدا من أحدهم، لكي يعرف من هو. فاشتعلت النار في الشرائط المثبتة في رأسه، وانتقلت إلى الحفل كله.

تم حرق أربعة حتى الموت، وأنقذ أحدهم نفسه، عندما كسر السلسلة وقفز إلى حوض الماء. الملك نفسه، تم إنقاذه من قبل دوقة بري، عندما ألقت عباءتها عليه.

لكن الصدمة كانت كبيرة، لدرجة أن عاوده الجنون. ولم يعد له عقله مرة أخرى طوال بقية حياته. وبدأت أعراض نفسية عنيفة في الظهور عليه بأشكال مختلفة، مثل نسيانه لاسمه بالكامل، ونسيانه تماما أنه ملك فرنسا.

لم يعد يتعرف على زوجته وأطفاله على الإطلاق. وكان يعتبرهم غرباء، لم يرهم من قبل. وهذا يبرر حرمانه لابنه شارل السابع من العرش، والذي استطاع استعادته فيما بعد.

في عام 1405، أصيب بحالة غريبة. إذ رفض الاستحمام أو تغيير ملابسه لمدة خمسة شهور متواصلة. وبدأ يتبنى نظريات غريبة، مثل اعتقاده أن جسده هش، مصنوع من الزجاج.

وبالرغم من غرابة هذا الاعتقاد، إلا أن الطب النفسي الحديث، أثبت بالفعل أن بعض المرضى النفسانيين، يعانون من نفس المرض. فهم يعتقدون أن أجسادهم مصنوعة من الزجاج، وهي ممكن أن تتهشم في أية لحظة.

لذلك كان شارل السادس، يرفض تماما الاقتراب ولمس أي شخص. ودائما ما كان يرتدي درعا حديديا في كافة تحركاته، حتى لا يتهشم جسده الزجاجي.

وفي أحد الأيام، هاجم شقيقه وكاد أن يقتله. ذيع الخبر في كل أنحاء فرنسا، وتبدل الحال، من شارل المحبوب إلى شارل المجنون. واقترن به لقب المجنون حتى آخر يوم في حياته.

لكنه كان لا يزال من المفترض أن يحكم فرنسا، وبالتالي فإن السلطة أصبحت في يد من له الوصاية عليه. وكان هذا في البداية عمه فيليب، دوق بورجوندي.

توفي شارل السادس في 21 أكتوبر عام 1422 في باريس. وحسب معاهدة تروى، خليفته هو هنري السادس الإنجليزي، ابن هنري الخامس ملك إنجلترا. ولكن الكثير من الناس، مثل جان دارك، كانوا يعتبرون المعاهدة باطلة، لأن الملك وقعها وهو مصاب بالجنون. بالإضافة إلا أن التاج الفرنسي، لا يخص الملك الإنجليزي.

توج شارل السابع ملكا على فرنسا أخيرا في 17 يوليو 1429. ووصفت فترة حكم شارل السادس بالكارثية. فقد انهارت في عهده فرنسا، بالرغم من الإنجازات التي حققها والده شارل الخامس، الذي كان عصره أكثر ازدهارا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. احتفال تاريخي لجماهير ليفركوزن بعد التتويج بالدوري الألماني


.. وزراء الخارجية الأوروبيون يجتمعون الثلاثاء لمناقشة الهجوم ال




.. ماكرون: سنبذل قصارى جهدها لتجنب التصعيد وإقناع إسرائيل بعدم


.. حكومة الحرب الإسرائيلية تجتمع اليوم لبحث الرد على الهجوم الإ




.. إسرائيل تبحث سيناريوهات عدة للرد على الهجمات الإيرانية على أ