الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


القلشاني

محمد زكريا توفيق

2023 / 4 / 9
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


عندما كنت أترك منزلنا وأنا طفل صغير، للذهاب لزيارة والدي في مكان عمله بشونة بنك التسليف الزراعي بمدينة فاقوس، كنت أرى المسافة طويلة والبيوت والمحلات كبيرة ومرتفعة والناس طويلة كالعمالقة. كل شيء كان ضخما في الحجم حتى الزمن كان أطول وأبطأ.

لاحظت ذلك عندما ذهبت منذ عامين لزيارة هذه الأماكن بدافع الحنين للماضي. لدهشتي الشديدة، وجدت أن كل شئ، كما نقول بالبلدي، مسخوط. الشوارع التي كانت واسعة أصبحت ضيقة. المسافات الطويلة صارت قصيرة. المباني العالية باتت منخفضة. الناس تحولوا إلى أقزام بعد أن كانوا عمالقة. الزمن أيضا يمر بسرعة شديدة كلما تقدمنا في العمر.

أثناء ذهابي أو عودتي لزيارة الوالد، أقوم بتسلية نفسي بالفرجة على كل شيء أمر به. هذه طوبة أقوم بركلها برجلي لكي أشعر بوجودي. هذا حائط خشن أقوم بتمرير إصبعي على سطحه لمعرفة مقدار خشونته وملمسه. هذه يافطة لمحل مكتوبة بالخط الرقعة، وأخري مكتوبة بالخط النسخ. وثالثة مكتوبة أي كلام بخط ردئ.

هذه معصرة لعصر السمسم. يُربط فيها رجل مكان البغل لإدارة حجر المعصرة. أمام بابها منطقة غامقة اللون بسبب اختلاط الزيت بتراب الشارع. ابن صاحب المعصرة كان معنا في المدرسة.

قام صاحب المعصرة بشراء مطحن قريب من منزلنا. المطحن مبني على مساحة لا تقل عن الفدان، وكان ثمن الشراء ألفين جنيه في ذلك الوقت.

كان هناك شاب أبيض أحمر الوجنتين زائد الوزن في العشرينات، يلبس الجلباب الأبيض المكوي. يضع في أصابعه الخواتم الذهب ويقوم بتصفيف شعره ودهنه بالفازلين. لا أعلم علاقة هذا الشاب بالماكينة، ربما كان يمت بصلة القرابة لصاحبها.

في يوم من الأيام ذهب هذا الشاب إلى الغرفة التي بها ماكينة المطحن. ماكينة المطحن تعمل بالسولار وتنقل الحركة عبر سيور طويلة إلى أماكن الطحن. لسوء حظ هذا الشاب، شبك طرف جلبابه بأحد السيور. فجذبته الماكينة إليها وعصرته عصرا، وهو يصرخ بأعلى صوته. لكن صوت الماكينة كان عاليا ولم يسمعه أحد. مشاهد الرعب ليست مقصورة على أفلام هيتشكوك فقط.

أحد محلات المانيفاتورة التي أمر بها، كان يملكه رجل له أربع بنات وولد واحد اسمه رشاد. كان الرجل سعيدا بابنه رشاد هذا إلى درجة الهوس. إذا ذهبت لشراء قطعة قماش، يبادرك بالتحدث عن ابنه الشاب الذي سوف يخلفه في إدارة المحل. ثم يقول لك، أنا غيرت اسم المحل باسم رشاد، وآخذه معي للتعرف على تجار الجملة،...إلخ.

طبعا الأمور لا تسير كما نحب ونهوى. لكن لها قوانينها الخاصة التي لا تسير في اتجاه الخير دائما. يسميها هيجل "رعب التاريخ"، حيث تقيد الضحايا وتقتل بدم بارد كقرابين في كثير من الأحيان.

في يوم زفاف أخت رشاد هذا، ابن صاحب الدكان. نصب السرادق وجاءت الفرقة الموسيقية والمطربون والراقصات والمدعوون والمأذون والشهود، وذبحت الذبائح وفرق الشربات. وبدأت طلقات الأعيرة النارية تسمع من حين إلى حين.

في هذا الجو البهيج، جاء رجل غشيم لم يستخدم البندقية من قبل وأصر على أن يجامل. طبعا الواحد لازم يجامل في الظروف اللي زي دي. صوب البندقية إلى أعلا دون أن يعرف أن لكل فعل رد فعل، مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه. قام الغشيم بالضغط على الزناد، وإذا بالبندقية تدور في يده وتأتي إلى صدر رشاد وفي القلب بالتحديد. طبعا الباقي لا يحتاج إلى وصف.

مررت بالدكان بعد هذا الحاث الأليم مباشرة، فكان مغلقا. وظل مغلقا لفترة طويلة. عندما فتح الدكان، لم تعد الأمور إلى سابق عهدها.

اختفت الفرحة والابتسامة من الشارع كله. كان يدير الدكان أحد العمال في غياب الأب. حينما يظهر الأب المكلوم، كانت تبدو عليه علامات الإحباط الكامل واليأس. يتعجل الرحيل للحاق بابنه وحبيبه الوحيد.

بجوار محل المانيفاتورة، أمر بمحل ترزي أفرنجي. يملكه الأسطى عبد الفتاح. الأسطى عبد الفتاح ترزي ما في منه. إديه تتلف في حرير كما يقول المثل الشعبي. لكن فيه عيب واحد. المواعيد. يعطيك ميعاد بعد أسبوع. تذهب لاستلام الملابس في الميعاد فيحلف بالطلاق أنها جاهزة على تركيب الزراير، وفي الحقيقة، هو لم يلمس قطعة القماش قط.

ذهب عبد الفتاح هذا مع أخيه الفلاح وصديق ثالث إلى الغيط بالليل لشرب الحشيش. طبعا الغيطان والمراكب أحسن أماكن لشرب الحشيش لأنها بعيدة عن أعين البوليس. جلسوا في عشة في الغيط وأوقدوا الفحم في الدفاية الفخارية أو "الشالية" كما نسميها في الشرقية. وأخذوا يتبادلون الشفط من غابة الجوزة، وإخراج الدخان من المناخير، بعد وضع قطعة الحشيش (التعميرة) فوق فحم الجوزة.

السكون لا يشقه سوي نقيق الضفادع وصرير الهوام. الهواء معتدل وعطر زهور البرتقال يهب مع النسيم بين الفينة والأخرى. عبد الفتاح ورفاقه مختفون في العشة بعيدا عن الأعين وملتحفون بجنح الظلام. السماء تتلألأ بالنجوم في غياب القمر. لا يظهر سوى أضواء خافته في الأفق من بعيد.

فجأة سمعوا صرخة مدوية، تقشعر لها الأبدان، شقت سكون الليل البهيم. "أنا في عرضك يا عم القلشاني". ثم صمت مطبق كصمت القبور. طبعا أصحابنا الثلاثة ماتوا في جلدهم من الخوف والرعب. أطفأوا الفحم وتجمدوا في مكانهم حتى الصباح.

بعد ثلاثة أيام، وجد الأهالي جثة غريق في الترعة أوقفها الهويس. ذهبت وأنا طفل مع مئات الأطفال لنشاهد الجثة. الرجال بعصي طويلة يحاولون دفع الجثة جانبا حتى يمكن جذبها واستخراجها من الماء. رائحة العفن والغرق تملأ المكان.

القلشاني رجل متزوج من سيدة تمتلك أرض زراعية. له ابن كان يعمل مع والدي كمساعد في الشونة. في أحد الليالي، كان القلشاني يسهر في بيته مع أصحابه لشرب الحشيش. وكانت مجموعة من الأطفال تلعب كعادتها تحت عمود النور القريب من بيت القلشاني.

خرج القلشاني غاضبا لطرد الأطفال وشتمهم لكي يلعبوا بعيدا عن داره، لأنه لا يريد شيئا يعكر مزاجه في هذه اللحظة. لكن الأطفال أطفال. بعد فترة، عادوا للعب مرة أخرى تحت عمود النور نفسه ولم يعبأوا بشتيمة القلشاني لهم.

"امشوا يا ولاد الكلب والله لأموتكم كلكم". فقام طفل بالرد عليه: "أنت اللي ابن كلب" فجرى القلشاني خلف الطفل ومسكه وضربه، ثم أقسم بالطلاق ليذبحنه بالسكين.

بالطبع شرب الحشيش له دخل كبير في اللي حصل. الرجل لم يكن في وعيه. لكن هناك مشكلة. لقد أقسم بالطلاق، فكيف يبر بهذا القسم دون إيذاء الطفل؟

تدخل أهل الخير لإيجاد حل لهذه المشكلة الوعرة. جاء اقتراح يقول، نأتي بالطفل ويمسك القلشاني السكين بالمقلوب. ثم يمرر السكين على رقبة الطفل. في هذه الحالة يكون قد بر بقسمه ولم يتأذ الطفل. وصافي يا لبن، ويا دار ما دخلك شر. ويصبح الكل أحبابا من جديد.

من يستطيع أن يرفض اقتراحا معقولا مثل هذا؟ في الحال تمت الموافقة. وتكون مجلس صلح من أصدقاء والد الطفل وأصدقاء القلشاني. وجيء بالطفل والسكين. ثم مرت الجوزة بالحشيش كتحية واجبة في مثل هذه المناسبات. دور ثاني وثالث ورابع. الآن حان وقت تنفيذ التمثيلية حتى يبر القلشاني بقسمه.

جاءوا بالطفل أمام القلشاني. وأفهموا الطفل أن هذه تمثيلية لا تستدعي الخوف أو القلق. جلس الطفل على ركبتيه ومال برأسه ومد رقبته إلى الأمام. مسك القلشاني السكين. وبسرعة وأمام ذهول الحاضرين، قلب السكين، وبنصلها الحاد قام بذبح الطفل أمام والده وكل الموجودين.

تم القبض على القلشاني. وباع كل أملاكه وكل أملاك زوجته للصرف على هذه القضية. حكمت المحكمة في النهاية عليه بالسجن سبع سنوات مع الشغل. سبب هذا الحكم المخفف، هو أنه كان تحت تأثير المخدرات أثناء ارتكابه هذا الفعل الشنيع.

خرج القلشاني من السجن لا يملك شروي نقير. لم يجد سوى الإتجار بالأفيون والحشيش كوسيلة لكسب العيش. وكان يتعامل مع تجار خارج المدينة، يأتون لزيارته من حين لآخر لتسليم البضاعة واستلام النقود.

جاء شاب يبدو أنه جديد في الكار لكي يتعامل مع القلشاني. بعد أن سلم القلشاني البضاعة، أخبره القلشاني أن الفلوس سوف تكون جاهزة في الأسبوع المقبل. عندما عاد الشاب، وبعد أن تأكد القلشاني من أن الشاب يعمل بمفرده وليس له سند، أخبره أن المبلغ مدفون في الغيط في باطن الأرض خوفا من هجمات البوليس.

أخذ القلشاني الشاب وذهب به إلى الغيط. وعلى حين غفلة، قام بذبحه وإلقاء جثة في الترعة. هذا هو الشاب الذي كان يصرخ: "أنا في عرضك يا عم القلشاني"

لقد رأيت القلشاني مرارا. كان يسكن في شارع قاطع لشارعنا يبعد عنا مئات الأمتار. جاء مرة يشتكي ابنه لوالدي بصفته رئيسه في العمل. الرجل كان نحيفا قصيرا. يلبس الجلباب البلدي والبالطو والطاقية. في الخمسينات من العمر. وجهه لا يعرف الابتسامة أو أي نوع من الانفعالات. يقول ابنه عنه إنه أب مثالي وزوج مثالي. فهل هذا ممكن؟

بعد مقتل الشاب في الغيط، لم يثبت على القلشاني أي شيء. لكن كل أهل البلدة قد علموا بالقصة. فزادت هيبته وخشيه الجميع. وبدأت تستخدمه العائلات الإقطاعية الكبيرة في مسائل التار والانتخابات والعمليات القذرة.

كانت مدينة فاقوس في الأربعينات بها عائلات في غاية الثراء والنفوذ. وكانت تتنافس للحصول على العمودية ودخول البرلمان. أحد أطفال هذه العائلات كان معي في الفصل اسمه علاء.

في يوم زفاف أم هذا الطفل على أبيه، كانت هدية الجد عبارة عن 200 فدان وعربية بكار بمفاتيح ذهب. هذا يعطينا فكرة عن مدي ثراء هؤلاء الناس.

كانت أمه تسير للتريض وقت الغسق بفستانها الأبيض المرصع بالجواهر وأمامها خفيران وخلفها خفيران يحملان البنادق. هذا ما رأيته بنفسي. وكان العروسان يسكنان في قصر منيف. محاط بأشجار الزينة، المرصعة بالأضواء التي تقاد بالليل. القصر ملحق به حدائق المانجو والبرتقال الكبيرة والمصورة بالأسوار العالية.

ابنهم الصغير كان يحضر إلى المدرسة مع غفير للحراسة وخادم خصوصي يحمل له الحقيبة الجلد. في أول يوم دراسي له، جاء أحد المدرسين ودخل الفصل مناديا باسمه. وعندما وجده يجلس في الصف الثاني مثل باقي الطلبة، نظر المدرس شذرا إلى أحد تلاميذ الصف الأول في الوسط، وصرخ في التلميذ: "قوم يا ابن الكلب أقعد ورا. تعال يا علاء أقعد هنا". ثم نظر إلى الطفل الذي يجلس بجواره، وتفحصه مليا. عندما وجد أن شكله لا يعجبه، طلب منه هو الآخر أن يجد مكانا خلفيا. وقام باختيار أنظف وأشيك طفل، لكي يجلس بجوار علاء ابن الأكابر.

لم أشعر في حياتي بأن الناس طبقات إلا في ذلك اليوم. فكانت باقي الطلبة تلبس نفس الملبس. سراويل متشابهة وأحذية مكعوبة أو صنادل مقطوعة بدون إبزيم، لم تر الورنيش في حياتها.

بعض البنطلونات بحمالات منه فيه، أي من نفس قماش البنطلون. وبعضها بدون حمالة أو حزام. القمصان غير مكوية والبلوفرات إن وجدت مصنوعة باليد بطريقة رديئة. الشعر مقصوص وبعضنا يترك مربعا في وسط الرأس للتزين.

ناهيك عن العماص في العيون والدمامل في الوجوه والجروح والخرابيش في البشرة والأرجل، من لعب الكرة في الشارع. الزكام والبربرة في بعض الأحيان. لكن علاء مختلف.

الشكل مثل الملك فاروق وهو صغير. يلبس بدلة كاملة مكوية وحذاء لامع وقميص أبيض ناصع برباط عنق. الشعر مفرود مثل شعر الخواجات، طويل ممشط مفروق من الجنب ومدهون بالفازلين. والشنطة جلد فاخر والقلم باركر 51 أو شيء من هذا القبيل. أطفال شكلها يفرح ويجبرك على الاحترام.

يدخل مدرس الفصل في أول حصة قائلا: "فين علاء؟ كيف حالك يا علاء؟ عامل إيه يا علاء؟". أما الباقون، فأقعد يا ابن الكلب. واسكت يا حمار. عندما يقوم المدرس بالشرح، لا يشرح إلا لعلاء. وعندما يسأل، لا يسأل إلا علاء. كأن الفصل لا يوجد به أحد سوى علاء هذا.

طبعا هذا لم يكن يشكل أي مشاكل نفسية لنا ونحن صغارا. لأننا كنا نشعر أن هؤلاء لا ينتمون إلى جنس الشعب المصري. أولا، كان عددهم قليل جدا، ويسكنون بعيدا عنا. لذلك، الضغوط الاجتماعية لم تكن موجودة.

أما باقي الشعب، فكان يسكن في بيوت متشابهة. مفروشة بنفس الأثاث. نلبس نفس الملابس، ونأكل نفس الأكل. نأخذ نفس المصروف، قرش تعريفة في اليوم أو ما فيش. عندما كنت أذهب للاستذكار مع طفل آخر، كان مسكنه وفرش بيته لا يختلف عن مسكننا بالمرة. هم لا يملكون سيارة، ونحن أيضا لا نملك سيارة. هم يمتلكون راديو فيليبس قديم، ونحن كذلك. السرير بتاعهم نحاس عليه ناموسية، وسريرنا نحن كذلك.

لذلك لم تكن هناك أحقادا طبقية داخل الشارع الواحد أو الأسرة الواحدة. بعكس الموجود حاليا. فإنك تجد بسبب تفاوت الدخل وفلوس البترول، هذا الحقد الطبقي داخل الأسرة الواحدة. هذا يعيش عيشة الملوك، وأخوه يموت من الجوع أو يكاد يجد قوت يومه.

أحد هؤلاء الأكابر، كان عمدة منطقة كبيرة من المدينة. وصار يعمل بالسياسة. قصره المنيف يعج بالحركة مثل خلية النحل. الوقت وقت انتخابات. وهو يقوم بترشيح نفسه في كل دورة للبرلمان.

كان من عادة هؤلاء المرشحين أن يقوموا بدس العيون والبصاصين وسط الخصوم، لمعرفة خطط المنافسين والأعداء. كانت كل الطرق القانونية وغير القانونية تستخدم كوسيلة للفوز في الانتخابات. أسهلها القتل والخطف. الصراع هنا صراع من أجل القوة والسلطة بعد أن تأمنت الثروة. وإذا اقترنت الثروة بالسلطة، فحدث ولا حرج.

جاءت الأخبار بأن أحد الخفر كان يتسلل إلى موقع الخصوم من حين لآخر. بعد مراقبته والتأكد من صحة هذه المعلومة، تمت مساءلته. أنكر في بادئ الأمر. لكن مع ضغط الاستجواب والأسئلة والشهود، اضطر إلى الاعتراف. ووضح أن هناك شيئا يدبر في الخفاء.

كانت العائلة المنافسة تنوي خوض الانتخابات والنجاح فيها بأي ثمن. فقررت التخلص من منافسها القوي الشرس بطل قصتنا. كانت الخطة، قيام القلشاني والغفير بقتل الثري والغدر به على حين غفلة، نظير مبلغ كبير من المال. تم الاتفاق، وتسلم القلشاني مقدم الأتعاب (العربون) ووضعه في جيب البالطو الداخلي.

الثري بطل قصتنا كان له أعداء كثر. وكان من الممكن أن يهدر دمه بين القبائل دون معرفة القاتل إذا نجحت الخطة. بالطبع لن يشك أحد في الغفير أو القلشاني، لأنهما كانا من رجاله الأوفياء.

قيد الغفير من يديه ورجليه وألقي في مخزن للغلال حتى ينظر في أمره. بعد ذلك، تم استدعاء القلشاني على عجل بحجة تنفيذ مهمة من المهام القذرة لصالح الثري.

جاء القلشاني بسرعة. فوجد نفسه داخل مجلس من الرجال، أشبه بهيئة محلفين، يجلس وسطهم الثري. الغضب بادي على وجهه، يتطاير الشرر من عينيه. بهت القلشاني وتوجس خيفة، لكنه ظل رابض الجأش، لا تبدو على وجهه أية من علامات الخوف أو القلق.

تجاهل الثري القلشاني تماما ووجه كلامه إلى رجاله وهيئة المحلفين قائلا: "ما رأيكم يا رجال فيمن يخون العيش والملح، فماذا يستحق؟" أجابوا كلهم في صوت واحد: "القتل طبعا". امتقع وجه القلشاني وأصابت حلقه غصة، لا يستطيع معها بلع ريقه.

ثم توجه الثري إلى القلشاني وسأله نفس السؤال: "ما رأيك يا قلشاني فيمن يخون العيش والملح؟" أجاب القلشاني بتردد وصوت خافت وهو يبلع ريقه: "أيوه مظبوط". فبادره الثري: "إيه المظبوط. عاوز أسمع منك" أجاب القلشاني: "الخاين يستاهل القتل".

بصق الثري في وجه القشاني ونعته بالخائن. ثم عاتبه بغلظة، على انخراطه في مؤامرة لقتله نظير مبلغ من المال. أنكر القلشاني بشدة وأقسم بالطلاق أنه برئ مما نسب إليه. وأن هذه مكيده من أعدائه بسبب إخلاصه وتفانيه في خدمة الثري.

حينئذ، قام أحد رجال الثري بتفتيش القلشاني، ولسوء حظه، وجدوا مقدم الأتعاب لا يزال في الجيب الداخلي للبالطو الذي يلبسه.

عندما لم يستطع القلشاني تبرير وجود هذا المبلغ في جيبه. انهار وجثا على ركبتيه، وانحني لكي يقبل قدمي الثري، طالبا العفو والغفران. لكن الثري لم يرحمه، وأمر أتباعه بأن يجهزوا عليه. صرخ القلشاني قائلا: "أنا في عرضك يا سعادة البيه". وهي نفس الصرخة التي صرخها الشاب، ضحيته، في الغيط في منتصف الليل.

بسرعة، قيد القلشاني من يديه ورجليه. ووضعت كمامه على فمه كي لا يصرخ. واقتيد إلى الغيط في الليل حيث كانت تنتظره حفرة عميقة. ألقي القلشاني في الحفرة، وأهيل عليه التراب لكي يدفن حيا. وفي نفس الوقت، تم خنق الخفير وألقيت جثه في الترعة، لكي تطفو بعد ثلاثة أيام. ولقد رأيت بنفسي جثته وهي طافية، يحاول الأهالي إخراجها من الترعة، عندما كنت طفلا.

تفقد الأهل والابن القلشاني. أخذوا يبحثون عنه في كل مكان. لكن لا حس ولا خبر. بعد شهر من اختفائه، جاءت الأخبار تصف ما حدث بالضبط. عُرف المكان المدفون فيه القلشاني. فذهب ابنه لكي يبلغ البوليس.

جاء أحد ضباط البوليس ومجموعة من العساكر إلى المكان المدفون فيه القلشاني، وبدأوا الحفر. اقترب أحد رجال الثري من ضابط البوليس، ونصحه بالعودة سالما لزوجته وعياله. حينئذ، أمر الضابط العساكر بردم ما حفروه، وكتب في تقريره، إن الحفر لم يثمر عن شيء.

جن جنون الابن، وأقسم على الأخذ بالثأر. ظل يبحث عن مسدس. وقام بالفعل بشراء مسدس من تجار السلاح ووضعه أمانة عند والدي. قام والدي بوضعه المسدس على رف علوي في دولاب الملابس. عندما رأتني والدتي ألعب بالمسدس، أصابها الفزع، وطلبت من والدى أن يعيده إلى صاحبه، وقد كان.

كان المسدس صغير الحجم، لا يزيد طوله عن طول كف الرجل البالغ مفرودا، معدني اللون فارغ من الرصاصات. وبعد أن عاد إلى صاحبه، لم يستخدم أبدا. فلم يكن الابن شريرا مثل والده. بعد ذلك، طلب الابن، واسمه إبراهيم، نقل عمله إلى القاهرة ونسى الموضع برمته.

لكنني لم أنس هذه القصة التي كانت تتداول في كل البيوت في نهاية الأربعينات في مدينتنا. ليس الرعب موجودا فقط في القصص والروايات الأدبية، ولكن أيضا، الحياة مليئة بالرعب والقسوة، التي يسميها هيجل "رعب التاريخ".

من كتاب قصص وحكايات من زمن جميل فات.
يمكن تنزيل الكتاب من هذا الموقع بالمجان.
https://archive.org/details/zakariael_att_201609








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. السودان: عام بعد اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع..


.. نظام ستارلينك، حبل سُرّي بين السودانيين في وقت الحرب رغم الا




.. غالانت يقول إن إسرائيل ستشكل تحالفا استراتيجيا ضد إيران ردا


.. ترامب أمام أول محاكمة جنائية له في نيويورك قد تفضي نظريا إلى




.. على وقع تبادل الهجمات...طهران وتل أبيب تتبادلان الاتهامات في