الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تاريخ فرنسا 21 – فرانسيس الثاني

محمد زكريا توفيق

2023 / 5 / 7
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


الفصل الثلاثون

فرانسيس الثاني، 1559-1560.
شارل التاسع، 1560-1572.

العهدان التاليان، هما عهدي فرانسيس الثاني وشارل (تشارلز) التاسع. هما في الواقع عهد والدتهما، كاثرين دي ميديشي. كان فرانسيس في الخامسة عشرة من عمره فقط عندما فقد والده. وكان ضعيفا مرهف الحس.

كانت والدته هي التي تدير شؤون الدولة، ولم يكن يهتم بها أو يراعيها، قدر اهتمامه ورعايته بزوجته الشابة، ماري ملكة اسكتلندا. والتي كانت تحتقر حماتها، لأنها لم تكن من أصل ملكي مثلها، ولكنها كانت تنتمي إلى عرق إيطالي.

كانت والدة ماري زوجة فرانسيس، هي أخت دوق جويس (في شمال فرنسا)، وكانت كاثرين تعلم أن ماري ستكون سندا لخالها، وستحاول مساعدته سياسيا، ودفعه للأمام. فضلا عن أن دوق جويس، كان أشجع رجل في فرنسا في ذلك الوقت، والأكثر وسامة. وهما خصلتان كريمتان، أحبهما الجميع.

وكان دوق جويس، على رأس الروم الكاثوليك المتحمسين، فأرادت كاثرين أن تخفض من شأنه، حتى لا يفكر في منافسة ابنها في الحكم. وبالرغم من أن كاثرين لم تكن تهتم كثيرا بأي دين، إلا أنها كونت صداقات مع رؤساء الهوجونوت، أتباع كلفين، لأسباب سياسية.

الملكة جين، من نافارا (على حدود فرنسا وإسبانيا)، كانت هي الزعيمة الحقيقية للهوجونوت، لأنها جعلت بلدها الصغيرة بيرن، تدين كلها بمذهب كلفين. لكن زوجها أنتوني، دوق بوربون، كان يحب المتعة واللهو أكثر من أي شيء آخر، ولم يكن يهتم كثيرا بأخذ القرارات الجادة.

إلا أن شقيقه لويس، أمير كوندي (في وسط فرنسا)، بالرغم من أنه لم يكن متدينا، قد رأى عيوب الكنيسة الرومانية. والأدميرال دي كوليني، الذي دافع عن سانت كوينتين، كان رجلا جيدا ومخلصا. وكان ينظر إليه كواحد من أنبل الرجال الهوجونوت.

لم يكن أمير كوندي يكره شيئا بقدر كراهيته لدوق جيوس. وكانت لديه خطة للقبض عليه وعلى الملك فرانسيس. لكن الخطة قد تم اكتشافها في الوقت المناسب.

في نفس الوقت، كان دوق جويس لديه خطة مضادة. وهي دعوة الأمير وشقيقه (الذي كان يطلق عليه دائما ملك نافارا) إلى غرفة الملك فرانسيس. ثم يأمر الحراس بالقبض عليهما أو قتلهما.

لم يوافق فرانسيس على هذه الأعمال الغادرة، وترك الأمراء يذهبون في أمان. فغضب دوق جويس جدا، ونعت الملك بالجبن. كان ذلك من حظ الملك الصبي المسكين فرانسيس، لأنه كان آخر عمل قام به في حياته.

فقد توفي من تورم في أذنه، وهو في السابعة عشرة من عمره، عام 1560. ثم عادت زوجته، الملكة ماري، إلى اسكتلندا. وجاء بعده شقيقه شارل التاسع، الذي كان عمره فقط اثني عشر عاما.

لقد فقد دوق جويس السلطة في البلاط، عندما تركته ابنة أخته، وبدأت كاثرين، أم الملك، تستمع أكثر إلى أمير كوندي. ووافقت على أن يقوم رؤساء الهوجونوت، أتباع كلفين، بعقد مؤتمر في باسي مع أساقفة الكنيسة، للتوفيق بينهم، أو للمصالحة إن تعذر الأمر.

لكن، بالرغم من أنهم كانوا قد بدأوا المؤتمر في سلام، سرعان ما احتدم النقاش، وعلا الضجيج وتطاير الشرر، ثم انتهى الأمر بمشاجرة.

لكن، في نهاية المطاف، سمح للهوجونوت بعقد اجتماعاتهم إذا كانت بهدف العبادة فقط، بشرط ألا تكون داخل أسوار أية بلدة، أو في أي مكان آخر، يمكن أن يسبب إزعاجا للكاثوليك.

في غمار فرحة الهوجونوت، واعتقادهم بأنهم قد كسبوا الكثير، غامروا بفعل المزيد، وباتوا أكثر جرأة. فبدأوا يحطمون الصلبان وصور القديسين. وكانوا يفعلون كل ما في وسعهم لإظهار كراهيتهم للكاثوليكية.

في فاسي، في الشمال الغربي لفرنسا، حيث كانت تعيش والدة دوق جويس، كان هناك حظيرة، يستخدمها الهوجونوت للاجتماعات. عندما كان ابنها يزورها، كانت تشتكي من سلوكهم. وعندما ذهب إلى الكنيسة يوم الأحد، سمعهم يغنون.

كان أتباع الدوق غاضبين جدا، مما اعتقدوا أنه سلوك وقح من الهوجونوت. فقاموا باقتحام الحظيرة، ومارسوا أعمال شغب، قتل فيها العديد منهم. كانت هذه هي بداية الحرب العظمى بين الكاثوليك والهوجونوت. وهي حرب حزينة رهيبة ممتدة، تخللتها أوقات سلم قصيرة.

كان دوق جويس دائما على رأس الكاثوليك، وأحد البوربون كان على رأس الهوجونوت. وبالرغم من أن الملكة كانت كاثوليكية، إلا أنها في بعض الأحيان، كانت تميل إلى الهوجونوت في الخفاء.

كان الرجل الأكثر صدقا في البلاط، هو الكونستابل العجوز، دي مونتموريني. لكنه كان رهيبا خشنا وقاسيا. يخافه الجميع. وكانت مدينة روان قد سقطت في أيدي الهوجونوت أثناء الحرب بينهم وبين الكاثوليك. فقام دوق جويس بحصارها.

لكنه، أثناء الحصار، تم إطلاق الرصاص عليه، من قبل قاتل يدعى بولتروت. ابنه، هنري، الذي كان صغيرا في ذلك الوقت، كان يعتقد أن القاتل قد تم إرساله من قبل الأدميرال دي كوليني.

بالرغم من أن هذا لم يكن مرجحا على الإطلاق، إلا أن كل أفراد الأسرة كانوا ضده، تريد الانتقام منه. خلال هذا الحصار، قتل أيضا أنتوني، دوق بوربون، وهو أيضا ملك نافارا. لم يكن ذلك خسارة كبيرة للهوجونوت، لأنه ذهب إلى الجانب الآخر. وكانت زوجته، الملكة جين، أكثر حرية في التصرف بدونه.

قتل الكونستابل العجوز مونتموريني، بعد فترة وجيزة، في معركة مع أمير كوندي، بالقرب من سانت دينيس، واعتقدت الملكة كاثرين أن الهوجونوت منتشرون بكثرة، فقالت لإحدى سيداتها: " حسنا، يجب أن نتلوا صلواتنا بالفرنسية".

بدأ أبناؤها يكبرون. لم ترد إعطاء ابنها الملك فرصة، لئلا يتعلم الحكم ويسلب سلطتها. لكن ابنها الثالث، هنري، دوق أنجو، كان وسيما جدا وذكيا، وهو الابن المفضل لديها. لأنه كان مخادعا وكذوبا وقاسيا مثلها. في معركة جارناك، كان هو القائد.

أمير كوندي، الذي كان على الجانب الآخر، كانت ذراعه مجدوعه، إثر إصابة قبل بضعة أيام. وعندما حاول امتطاء صهوة جواده لكي يقود قواته، تلقى ركلة كسرت ساقه.

لم يستسلم، وركب وسار إلى المعركة كأنه لم يصبه شيء. لكنه هزم، وأخذ أسيرا. أنزل من على حصانه ووضع تحت شجرة، لكنه لم يقو على الوقوف. ثم جاء رجل، هو صديق دوق أنجو، لكي يطلق النار عليه فيصيب رأسه في مقتل.

شعرت جين، ملكة نافارا، أنها يجب أن ترأس حزبها. كان لديها ابن واحد، هنري، أمير بيم. بمجرد ولادته، كان جده يحك شفتيه بفصوص من القرنفل والثوم، ويٌعدّه لكي يكون رجلا شجاعا.

سرير طفولته، الذي يُهز فيه، كان عبارة عن قوقعة سلحفاء كبيرة. وفي صباه، كان يركض في التلال مع أولاد الرعاة، لكي يكتسب الخشونة والقوة اللازمة. وكانت الملك جين، تتولى تعليمه وتهذيبه ونشأته الدينية بنفسها. حتى يكون صبيا واعدا.

كان هنري، أمير بيم، في الخامسة عشرة من عمره في ذلك الوقت. ابن عمه هنري، ابن أمير كوندي، كان في نفس العمر تقريبا. وضعتهما الملكة جين على رأس جيش الهوجونوت، وكان الجميع سعداء بالخدمة تحت قيادتهما، في حين أن الأدميرال دي كوليني كان يدير شؤونهما.

تحت قيادة هنري، أمير بيم، والملكة جين، حدث ازدهار أكثر من ذي قبل، ورأت الملكة كاثرين أنه من الأفضل ألا تقاوم هذا الوضع بالقوة. فتظاهرت بتكوين صداقات معهما.

وقامت هي وابنها، شارل التاسع، بمنحهما هبات كثيرة، أدت إلى غضب جميع الروم الكاثوليك المتحمسين. لكن كان ذلك من أجل وضعهما تحت سيطرتها.

ثم عرضت كاثرين زواج ابنتها مارجريت من هنري ابن الملكة جين، وقامت بدعوته للبلاط. الملكة جين، لم تكن مرتاحة لهذه الدعوة، لأنها لم تكن تثق في الملكة جين.

فقد كان لدى كاثرين مجموعة من النساء الشابات حولها. كان يطلق عليهن سرب الملكة الأم، اللاتي يقمن بالغناء والكلام المسلي والأمور الخليعة، اللازمة لإفساد الشباب الذين يقعون في طريقهن.

كان بلاط الملكة جين، الذي نشأ فيه ابنها هنري، صارم وممل. لذلك، استمتع هنري بالبلاط الجديد للملكة كاثرين. وكانت كاثرين تقرأ له الشعر باللغة الإيطالية، ووجدت أنه من السهل إخراجه من الصرامة التي جبل عليها. بينما حاولت أمه المسكينة جين الحفاظ على حبه لها.

كتبت له عن كلابه وخيوله، وكل ما كان يعتني به. لكن الماكرة كاثرين حرصت على عدم بقاء الأم والابن معا في بلاطها. فأرسلت هنري إلى بلده قبل دعوة والدته إلى البلاط.

عندما جاءت جين، قالت كاثرين لإحدى صديقاتها: "لا أستطيع أن أفهم هذه الملكة. انها دائما متحفظة معي". وكان الجواب: "ضعيها في حالة شغف أو حب، وسوف تخبرك بكل ما لديها من أسرار".

لكن جين كانت جادة، لا يستطيع أن يؤثر فيها أحد بسهولة. من ثم، لم تستطع كاثرين الحصول منها على أية أسرار.

بينما كانت لا تزال في البلاط، مرضت جين فجأة، ثم ماتت. اعتقد الجميع أن كاثرين قد سممتها. وكان هناك صانع عطور في البلاط، يتهامس الناس بأنه طباخ السم ببلاط الملكة كاثرين.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. احتفال تاريخي لجماهير ليفركوزن بعد التتويج بالدوري الألماني


.. وزراء الخارجية الأوروبيون يجتمعون الثلاثاء لمناقشة الهجوم ال




.. ماكرون: سنبذل قصارى جهدها لتجنب التصعيد وإقناع إسرائيل بعدم


.. حكومة الحرب الإسرائيلية تجتمع اليوم لبحث الرد على الهجوم الإ




.. إسرائيل تبحث سيناريوهات عدة للرد على الهجمات الإيرانية على أ