الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تاريخ فرنسا 22 – شارل التاسع ومذبحة الهوجونوت

محمد زكريا توفيق

2023 / 5 / 16
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


الفصل الحادي والثلاثون

شارل التاسع، 1572-1574.

الشاب المسكين شارل التاسع، كان يمكن أن يكون حاكما جيدا لو سمحت أمه له بذلك. لكنها علمته أن الطريق إلى الحكم هو الخداع والغدر، وكان يخشاها جدا، ويكبح عنها كل مشاعره.

كانت تخشى الهوجونوت بشدة، وتعتقد أنهم كانوا يتآمرون ضدها. وكان الشاب الكاثوليكي هنري، دوق جويس، يتربص ويتحين الفرصة للانتقام من كوليني، من الهوجونوت، والمتهم بقتل والده.

لذلك، لكي تضع كاثرين الهوجونوت في بلدها تحت سيطرتها، دعت جميع كبار النبلاء إلى حفل زفاف ابنتها مارجريت من الشاب هنري، الذي أصبح ملك نافارا.

لم يعط البابا الكاثوليكي الإذن للأميرة بالزواج من هنري، لأنه يعتبر خارج الكنيسة. لكن الملكة كاثرين، قامت بتزوير موافقة البابا. العروس المسكينة التي كانت تحب دوق جويس واسمه أيضا هنري، كانت غير راغبة في إتمام هذا الزواج.

في حفل الزفاف نفسه، عندما سئلت عما إذا كانت تقبل هذا الرجل زوجا لها، لم تقل نعم. لكن شقيقها شارل دفع رأسها إلى أسفل في إيماءة، تعني نعم.

جاء كوليني وأصدقاؤه إلى حفل الزفاف. وكان الملك مسرورا جدا بالجندي العجوز الشجاع الصادق. واعتقدت كاثرين أنها لن تستطيع السيطرة عليه.

في أحد الأيام، بينما كان كوليني يسير في أحد شوارع باريس، أطلق قاتل النار عليه. لم يمت كوليني، ولكن أصيب في يده. كان مريضا جدا، وجاء الملك لرؤيته، واحتشد الأصدقاء حوله لحمايته.

عندئذ، كانت كاثرين عند ابنها دوق أنجو، ودوق جويس. وكان الاتفاق أنه عندما يدق جرس كنيسة القديس جيرمان أوكسيروا، في منتصف الليل قبل عيد القديس بارثولوميو، يقوم الكاثوليك في باريس، أتباع الدوق جويس، بالهجوم على الهوجونوت في منازلهم، وقتلهم جميعا في آن واحد.

كان من الصعب الحصول على موافقة الملك شارل، لأن العديد من الهوجونوت كان قد تعلم حبهم. وعندما وجد أنه لا يستطيع إنقاذ كوليني، قال: "دعهم يموتون جميعا. ولا تدع أحدا يعيش لكي يلومني".

ومع ذلك، دعا إلى غرفة نومه الخاصة، أولئك الذين كان يرغب في إنقاذهم. مثل، طبيبه المخلص، وممرضته العجوز. وكان هناك أيضا الكثيرون في القصر، حضروا عن طريق ملك نافارا الشاب. لكن تم ذبح كل منهم، باستثناء رجل واحد، اندفع إلى غرفة الملكة مارجريت مستنجدا بها.

استمر القتال في كل مكان. أتباع جويس الكاثوليك، يرتدون أوشحة بيضاء على ذراع واحدة، وهم يعرفون بعضهم البعض حتى في الظلام. اندفعت قوات منهم لكي تقتل العجوز كوليني وهو نائم في مخدعه، ثم ألقوا بجثته من النافذة.

هرب قسيسه من فوق السطح، واختبأ في كومة قش. وكانت تأتيه دجاجة كل يوم، تبيض له بيضة واحدة، كان في أمس الحاجة إليها حتى يبقى على قيد الحياة.

كل رعاع باريس كانوا يذبحون وينهبون جيرانهم. وفي جميع المدن الأخرى، حيث كان الهوجونوت مستضعفين، لاقوا نفس المصير الرهيب. مذبحة القديس بارثولوميو عام 1572، كانت هي الأكثر دموية ضد الهوجونوت في كل تاريخ فرنسا. ما بين 5000 و30000 قتيل.

الملك الصبي هنري، كان نصف مجنون في تلك الليلة. يقال إنه أطلق النار من نافذة القصر على بعض الذين رآهم يهربون. وبالرغم من أن هذا قد لا يكون صحيحا، إلا أنه بالتأكيد، قد استل سيفه ورفعه ضد ملك نافارا وأمير كوندي، من الهوجونوت.

كان يريد قتلهما، لولا أن ركضت زوجته الشابة إليزابيث، من النمسا، بشعرها المرسل، تتوسل إليه لكي يبقي على حياتهما، بشرط أن يعودا إلى الكاثوليكية. وهذا ما فعلاه، لكنهما كانا يُراقبان وهما يعيشان كسجناء في البلاط.

عندما سمعت الملكة الإنجليزية إليزابيث بمذبحة هذا اليوم الصادم، ارتدت هي وكل بلاطها ملابس الحداد، ورفضت التحدث لسفير فرنسا في بلادها.

وألغت إليزابيث مشروع زواجها من هنري دوق أنجو، الذي خططت له أمه الملكة كاثرين دي ميديشي، لأن هذا الزواج يجعل ابنها الثالث ملكا.

لكنه صار ملكا بطريقة أخرى. لأن بولندا كانت تختار دائما الملك بالانتخاب، من قبل جميع النبلاء، وقد وقع اختيارهم على هنري، دوق أنجو.

إلا أنه تردد في أن يكون ملكا لهذا البلد البدائي، ويبتعد عن ملاهي باريس. فأخذ يماطل ويسوف، إلى أن رضخ في النهاية وقبل المنصب.

في هذه الأثناء، كان الملك الشاب المسكين هنري محطم القلب. حاول أن ينسى أهوال مذبحة القديس بارثولوميو، والرجال الطيبين الذين تعلم أن يحبهم ويحترمهم، بينما كان يوقع بهم ويستدرجهم إلى الفخاخ.

خرج يوما للصيد، وركض بعنف لمسافات طويلة، وهو ينفخ بغضب وعنف في بوق الصيد الخاص به. لكن لا شيء أمكنه من التغلب على وخز الضمير، ولم يستطع أن يطرد الهواجس وذكريات تلك اللية الرهيبة. كان يحاول الإضرار بصحته عن عمد. فأصيبت رئته. وعندما بدأت تنزف دما، بدا له أنه دماء ضحايا الهوجونوت.

كل الراحة التي كان يشعر بها، كانت مع ممرضته العجوز وطبيبه المخلص الذي أنقذ حياته. أما بخصوص أمه، فقد كانت مشغولة بمسألة تأمين كرسي العرش. وكانت تراقبه عن كثب، خشية أن يُعرف مدى حزنه على مذبحة الهوجونوت.

إلا أن هنري قد توفي في عام 1574، عندما كان يبلغ من العمر فقط الثالثة والعشرين. وكانت آخر كلماته هي: "فليرحمني ربنا يسوع!".

كانت الحرب مع الهوجونوت لا تزال مستمرة عندما مات هنري. بالرغم من مقتل كوليني، وأن ملك نافارا لا يزال يراقب عن كثب تحت حراسة البلاط، كان هناك ما يكفي من النبلاء الذين لا يزالون على قيد الحياة، وخاصة في جنوب فرنسا، للصمود والمقاومة ضد أعدائهم الكاثوليك.

كان الجميع يزدادون عنفا وقسوة بشكل مروع على كلا الجانبين. كانت الموضة هي التباهي بقتل أكبر عدد ممكن من الجانب الآخر. الكاثوليك ضد الهوجونوت.

عندما تأتي قوات الملكة ودوق جويس الكاثوليكية، وتهاجم أماكن وعظ الهوجونوت، فإنها تقوم بحرق البناء وقتل كل من يخرج منه. وإذا وجد الهوجونوت كنيسة أو ديرا بدون مدافعين، لا يلقى الرهبان أو الراهبات معاملة أفضل كثيرا.

الكونت دي مونتجمري، الذي تسبب رمحه في وفاة هنري الثاني، كان إلى جانب الهوجونوت، وكانت بعض السفن، التي كان يبحر معها، تستولي وتنهب كل السفن التي تقع في طريقه.

لقد كانت أوقات رهيبة بائسة. وكل واحد ينتظر بفارغ الصبر الملك الجديد. لقد كان سعيدا بمغادرة بولندا، وكان يركض بعيدا في جوف الليل البهيم، كما لو كان لصا، خوفا من أن يوقفه البولنديون عنوة.

إلا أنه لم يكن في عجلة من أمره، لتحمل كل أعباء المملكة الفرنسية الملقاة على عاتقه. فعرج إلى إيطاليا، وبقي هناك مسليا نفسه، بينما كان دوق جويس الكاثوليكي يزداد قوة طول الوقت. وهو المفضل لدى سكان باريس، الذين يفعلون أي شيء من أجله.

كاثرين، أيضا، كانت تحاول زواج ابنها الرابع، دوق ألينكون، من الملكة إليزابيث، التي تظاهرت بالتفكير في الأمر، وقامت بإرسال دعوة له لكي يراها وتراه.

كل ذلك كان من أجل الحفاظ على السلام مع فرنسا، فهي لم تكن تعني ذلك حقا. وكان الدوق شابا قبيحا حاقدا، يكرهه الجميع ويخافوه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ما السيناريوهات المحتملة لرد إيران على قصف قنصليتها في العاص


.. -الثعلب الطائر-..9 خفافيش كبيرة تحلّق في هذه -الغابة المطيرة




.. لوحات رومانية جديدة.. شاهد ما اكتشفه علماء الآثار أثناء التن


.. ترقب للرد الإيراني على ضربة القنصلية وتل أبيب تعرب عن استعدا




.. ارتفاع أسعار المواد الأساسية يخيّم على أجواء العيد في المغرب