الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تاريخ فرنسا 28 – إعدام لويس السادس عشر

محمد زكريا توفيق

2023 / 6 / 4
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


الفصل التاسع والثلاثون

لويس السادس عشر، 1774-1793.


ولد لويس السادس عشر، يوم 23 أغسطس، عام 1754، بمدينة فرساي شمال فرنسا. جده هو لويس الخامس عشر. كان والده هو وريث العرش. لكنه توفي قبل الجد عام 1765. وكان لويس السادس عشر هو أول اخوته الذكور، الذين عاشوا حتى سن الرشد.

والدة لويس السادس عشر، هي ماري جوزيف، تنحدر من منطقة ساكسونيا بألمانيا. له ثمانية إخوة، أربع بنات وأربع أولاد. بعضهم من أم ثانية. اثنان منهم أصبحا ملكين فيما بعد. هما لويس الـثامن عشر، وشارل العاشر.

أصبح لويس السادس عشر وريثا لعرش جده، لويس الخامس عشر، وهو في سن الحادية عشر. بعد وفاة أبيه، وبعد وفاة أخويه الأكبر سنا، وبعد وفاة جده، تولي الحكم.

في 16 مايو 1770، ولتكريس التحالف بين فرنسا والنمسا، تزوّج من الأرشيدوقة النمساوية ماري أنطوانيت، ابنة ماريا تيريزا، والإمبراطور فرانسيس الأول. غير أن هذا الزواج لاقى معارضة كبيرة في المجتمع الفرنسي.

كان لويس السادس عشر أبا لأربعة أبناء: بنتان وولدان. أحدهما أصبح فيما بعد الملك لويس الـسابع عشر.

أشرف على تعليم لويس الدوق دي لا فوجويون، وكان صارما معه. كما درس على يد رهبان، وتربى تربية مسيحية كاثوليكية.

كان مهتما أثناء دراسته بالتاريخ والجغرافيا واللغات. حيث كان يدرس اللاتينية والإيطالية، ويتقن الفرنسية والإنجليزية. وكان لويس الطالب، يحب أيضا الهندسة والميكانيكا وعلم الفلك، كما كان يهتم بالأشغال اليدوية مثل البناء والميكانيكا وصناعة الأقفال التي كان بارعا فيها. وكان قد التحق بالبحرية، كما تعلّم الرماية وأتقنها.

الملك الشاب لويس السادس عشر وملكته، ماري أنطوانيت، ركعوا على الأرض عندما سمعوا أن جدهم قد مات وهما يصرخان: "يا إلهنا ساعدنا، نحن أصغر من أن نحكم فرنسا"

كما لو أنهما كانا يستشفان أحداث المستقبل، ويعرفان مصيرهما المروع القادم. بسبب أخطاء وسوء إدارة من سبقوهم في الحكم. إلا أنه يكن أحد أكثر حرصا، على تصحيح الأمور ووضعها في نصابها الصحيح، من لويس السادس عشر.

لقد كانت الملكة ماري أنطوانيت فتاة شابة مرحة لطيفة. نشأت في بلاط كانت العادات فيه بسيطة، وأقل صرامة وفخامة، من تلك التي كانت موجودة في فرنسا.

كانت ماري تنتقد دائما تقاليد البلاط الرسمية، تحاول التحرر منها. عندما جاءت السيدات لتقديم واجب الاحترام لها، تعبت بعض السيدات من الوقوف، فجلسن على الأرض. رأت ذلك ببساطة، وأومأت برأسها وابتسمت.

حاولت ذات مرة ركوب حمار عنيد، فوقعت هي والحمار على الأرض. جلست تضحك، إلى أن جاءت الدوقة المرافقة، وقالت لها: "ترى يا سيدتي، عندما تسقط الملكة وحمارها معا، أيهما يجب أن ينهض أولا"

القصر الكبير الذي بناه لويس الرابع عشر في فرساي، كان كبيرا جدا عليها، وغير عملي كي يعيش فيه الملك والملكة براحة تامة. لذلك، قام الملك ببناء قصر أصغر منه في تريانون.

كان هذا أيضا فخما للغاية، بالنسبة لذوق الملكة. فطلبت بناء منزل آخر متواضع أصغر منه، ملحق يه مزرعة ومنتجات ألبان، حيث اعتادت هي وسيداتها على المرح ولبس ملابس الفلاحات وقبعات القش.

لكن كل ذلك لم يجعلها تدخل قلوب الناس. فقد كانوا يكرهونها جدا، لأنها كانت نمساوية، من بلد كانت في حرب مع فرنسا.

ما كان قد اقترف من شرور وفساد، وسوء إدارة، خلال مئات السنين السابقة، لا يمكن محوه بسهولة. كانت البداية صعبة لملك شاب عديم الخبرة. ينقصه الذكاء وعدم الرؤية. خجول يخشى التحدث للغرباء. وكان شعبه قد اعتاد على ظلم الملوك الفاسدين، لدرجة أنهم لم يصدقوا أنه من الممكن أن يكون لويس رجلا طيبا وبريئا.

في نهاية عام 1774، ألغى لويس الـسادس عشر قرار جده الخاص بالحد من صلاحيات مجلس النواب، وأبطل العبودية وألغى بعض الضرائب، بينها الضريبة على الأرض وضريبة العمل، وأوقف حكم الإعدام بحق الفارين من الخدمة العسكرية، وأمر بتعزيز التسامح مع المسيحيين غير الكاثوليك.

كانت هذه القرارات، بمثابة إعلان للعداوة مع طبقة النبلاء الفرنسيين، وفعلا قاوموا هذه الإصلاحات ومنعوا تطبيقها، وأجهضوا محاولة لويس الـسادس عشر تحويل الملكية الفرنسية إلى ملكية دستورية.

في ذلك الوقت، بدأ الأمريكيون حرب الاستقلال مع جورج الثالث ملك بريطانيا. فأرسل لويس السادس عشر قواته لمساعدة الأمريكان. وقد تم ذلك في معاهدة باريس عام 1789، لكنْ النفقات والدين الكبير اللذان ترتبا على ذلك، كادا أن يفلسا البلاد.

كان هناك نبيل فرنسي شاب، الماركيز دي لافاييت، ترك فرنسا، وذهب للقتال مع الجيش الأمريكي. بعد رؤية لافاييت وأصدقائه، للحرية التي اكتسبتها الولايات المتحدة، شعروا بمرارة وغصة، لحالة الأوضاع في بلدهم فرنسا. فالحرية معدية، مثل الضحك والتثاؤب.

حاول لويس السادس عشر، إصلاح الحالة المالية للدولة بفرض المزيد من الضرائب، غير أن طبقة النبلاء الإقطاعيين وطبقة رجال الدين احتكروا الأموال لأنفسهم، ولم يشعر بها الفقراء.

في تلك الفترة، انتشر الجوع بين عامة الشعب الفرنسي، بسبب شح المواد الأساسية، كالخبز، وارتفاع أسعار المحاصيل الغذائية. حيث كان الفقراء وعبيد الأرض، يداسون بالأقدام من قبل أسيادهم، والنبلاء.

هذه الأوضاع الجائرة، لا يمكن تغييرها. ولا يمكن للملك ولا النبلاء ولا رجال الدين، مساعدة الفقراء، ما لم تتغير القوانين الظالمة. ولم يكن أحد يشعر بذلك، أكثر من الملك نفسه.

في عام، 1789 ، دعا الملك كل رجاله ونواب المدن والمحافظات إلى عقد اجتماع، لمناقشة ما يمكن القيام به في هذا الصدد.

لم يكن الاجتماع مثل البرلمان الإنجليزي، الذي يتشكل من مجلسي العموم واللوردات. لكنه كان مكونا من ممثلين لثلاث فئات: رجال الدين، طبقة النبلاء، والعامة.

عقد الاجتماع وسط باريس. والناس في المدينة، كانوا فقراء جدا، وبؤساء، يتضورون جوعا. وكانوا عندما يرون شخصا ما، يعتقدون أنه ضد تغيير القوانين، يصيحون في وجهه: "إلى أعمدة الإنارة"، أي اشنقوه في القضبان الحديدية لأعمدة الإنارة.

هرع الفقراء والغوغاء إلى سجن الباستيل، حيث يلقي الملوك السابقون سجناءهم، وقاموا بهدم السجن. لكنهم لم يجدوا أي شخص هناك، لأن لويس السادس عشر، كان قد أطلق سراح كل سجناء جده.

ثم سيطروا على مخازن السلاح والذخيرة بالقلعة هناك، وقتلوا محافظ السجن، ماركيز دي برنارد، ووضعوا رأسه على رمح، وساروا به في شوارع المدينة.

كان معظم الرجال مسجلين فيما يسمى بالحرس الوطني. يرتدون الشارات، والأوشحة الحمراء، والزرقاء، والبيضاء. وأصبح لافاييت جنرالا لهذا الحرس.

ثم أطلق المجتمعون على أنفسهم اسم الجمعية الوطنية، وباشرت في تغيير القوانين. واضطر الملك، تحت تأثير تصاعد أعمال الشغب في الشارع، إلى الاعتراف بالسلطة التشريعية للجمعية.

استقر في البداية على أنه لا يمكن تمرير أي قانون دون موافقة الملك. لكن فكرة أنه يمكنه إيقاف أي قانون، أضافت المزيد من الكراهية للملك. وكانوا يخشون أنه سيقوم بإحضار جنوده لوقف أية تعديلات على القوانين.

أخيرًا، هرع الغوغاء إلى قصر فرساي، رائعة القصور الملكية، الذي بناه لويس الرابع عشر، وأنفق على نقوشه ولوحاته وأثاثه خزائن الدولة، والذي تطل بواباته الحديدية على شارع الأشجار الطويل، المؤدي إلى باريس.

القصر يمثل ظلم الملوك السابقة للشعب الفرنسي. لذلك اعتقدت غوغاء باريس أن لويس السادس عشر، وماري أنطوانيت، لهما نفس القلوب القاسية. فجاءوا وهم يتضورون جوعا، وملأوا ردهات القصر، وأخذوا في الصراخ كي تظهر لهم الملكة.

خرجت وأطلت من الشرفة، مع ابنتها البالغة من العمر اثني عشر عاما، وابنها البالغ من العمر ستة أعوام. "لا أطفال"، صرخ الغوغاء، فأعادتهم، ووقفت وحدها، متوقعة أنهم سيطلقون النار عليها. لكن لم ترفع يد واحدة.

ثم غربت الشمس وحل الظلام. أثناء الليل، أصابت الغوغاء نوبة أخرى من الغضب، فاقتحموا غرفة الملكة، التي هربت منها للتو، بينما وقفت سيدة شجاعة واثنان من الحرس كي يمنعوا اقتحام الباب الخارجي.

في اليوم التالي، تم أخذ جميع أفراد الأسرة إلى باريس، بينما كانت النساء تصرخن في وجوههم: "هنا يأتي الخباز وزوجته، والخباز الصغير"

ثم انعقدت الجمعية الوطنية، كي تلغي نظام الإقطاع وجميع حقوق النبلاء، وتؤمم جميع ممتلكات الكنيسة. وتصدر "إعلان حقوق الإنسان"، الذي ينص على الحق في الحرية والأمن والمساواة بين الجميع أمام القانون. وينص على توزيع الضرائب بالتساوي بين أفراد الشعب.

ثم أصدرت أمرا بأن رجال الدين يجب أن يكون ولاؤهم للجمعية الوطنية، بدلا من الكنيسة. الذين يرفضون، يتم طردهم من الخدمة.

الحرس الوطني، جعل حياة العائلة المالكة بائسة للغاية. حاولت العائلة الهرب، وهم متنكرون. لكن خوفا من أنهم قد يعودون بجيوش لإخماد الثورة، قبض عليهم من قبل الحرس الوطني، وتم وضعهم تحت المراقبة.

لم يستطع لويس تحمل إراقة قطرة دم واحدة في دفاعه عن نفسه وعائلته. وكان مرض ابنه الأكبر ووفاته في ذلك الوقت، يشتت أفكاره. ومع ذلك، أعرب عن أمله في إنقاذ أرواح عديدة بالذهاب إلى الجمعية الوطنية مع زوجته وأطفاله وأخته.

لكن، عندما ذهبوا، تم ذبح كل واحد من الرجال الشجعان، الذين كانوا يدافعون عنهم، بوحشية. وحمل الغوغاء رؤوسهم على أسنة الحراب، وطافوا بها في شوارع باريس.

إنه الخوف، الذي جعل الباريسيين شرسين للغاية. لأن الأمراء الألمان، والنبلاء الفرنسيين، كانوا قد كونوا جيشا لإنقاذ الملك.

في عام 1791، أصدرت الجمعية الوطنية دستورا جديدا، يضمن الحريات العامة، ويوزع السلطات توزيعا عادلا، ويؤكد على مبدأ فصل السلطات، لكن أبقت على النظام الملكي مع تحديد سلطات الملك لويس الـسادس عشر. أي الملكية الدستورية.

في 20 يونيو، 1792، هرع الغوغاء إلى القصر، وهددوا جميع أفراد الأسرة المالكة، وقضوا ثلاث ساعات في أعمال شغب وإهانة لهم. وفي 10 أغسطس كان هناك هجوم آخر. كانت الملكة تتوق إلى تدخل الحرس السويسري والسادة المخلصين، كي يقاتلون من أجل زوجها الملك.

ثم احتدم الصراع بين أنصار الملكية الدستورية، وبين الرافضين للنظام الملكي في الجمعية الوطنية، التي صوتت بإلغاء الملكية، وإعلان الجمهورية. ثم تم اعتقال الملك وأسرته.

بعد ذلك، تمت محاكمة لويس السادس عشر، وإدانته، بتهمة التآمر والخيانة، وحكم عليه بالإعدام. ثم نفذ الحكم بالمقصلة في الملك يوم 21 يناير عام 1793، في ساحة الثورة (ساحة الكونكورد حاليا)، وتم دفنه في كاتدرائية سان دوني، في حين أعدمت زوجته، ماري أنطوانيت، يوم 16 أكتوبر من نفس العام.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مكالمة هاتفية بين بايدن ونتانياهو أجلت عملية الرد الإسرائيلي


.. كيف أثرت الضربة الإيرانية على نتنياهو، وهل ساعدته في تحسين ص




.. اشتباكات عنيفة بمدينة الفاشر بولاية شمال دارفور ومقتل العشرا


.. كيلي كيلمنتس: مؤتمر باريس سيبحث إيجاد حل سياسي للنزاع في الس




.. وول ستريت جورنال نقلا عن مسؤولين: إسرائيل قد ترد اليوم على ا