الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تاريخ فرنسا 33 – حرق باريس

محمد زكريا توفيق

2023 / 6 / 24
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


الفصل السابع والأربعون

حصار باريس، 1870-1871.


مهما قيل عن الخلاف بين فرنسا وبروسيا، إلا أن الحقيقة هي أن الدولتين المتقاتلتين كانا يشعران بالغيرة من بعضهما البعض. وأرادا قياس قوة كل منهما بالنسبة للأخرى.

لم ينس البروسيون أبدا معاملة نابليون بونابارت السيئة لملكتهم، والقسوة التي عالج بها بلادهم كلها. كما أن جميع الألمان، لم يثقوا في نابليون الثالث، واعتقدوا أنه كان يخطط لضم المقاطعات الألمانية وراء نهر الراين، للإمبراطورية الفرنسية.

لذلك، شعر الألمان كما لو كانوا يدافعون عن وطنهم الأم، وكانوا يلتحقون بالجيش وهم في حالة معنوية مختلفة عن حالة التفاخر والغطرسة الفرنسية.

كان من المقرر خوض المعارك الأولى في مقاطعات نهر الراين. في معركة ويرث، كان الفرنسيون ناجحين. جعلوا الأمير الإمبراطوري يطلق الطلقة الأولى من أحد المدافع. وهو أمر وصفته الصحف بسخرية على أنه معمودية بالبارود.

في الواقع، لم يكن أحد هناك يقول الحقيقة. لقد خدع الإمبراطور بالنسبة لجيشه وتنظيمه. وتم التغرير بالأمة الفرنسية بأكملها، فيما يتعلق بنتائج المعارك. وكانوا يعتقدون أنهم قد هزموا البروسيين، وهم في طريقهم لدخول برلين.

لكن الحقيقة، أنه في جميع أنحاء مدينة سيدان، كانت هناك معركة مخيفة للغاية. استمرت لعدة أيام، تعرض فيها الجيش الفرنسي لهزيمة قاسية. فقد حوصر ومنع من الانسحاب. واضطر الإمبراطور إلى تسليم نفسه سجينا لملك بروسيا.

عندما رأى الإمبراطور الأمور تسير على غير ما يرام، أرسل ابنه إلى إنجلترا. الإمبراطورة تركت أوجيني وصية على العرش في باريس.

لكن، بمجرد أن جاءت الأخبار المروعة، انتفض جميع الباريسيين، وأعلنوا خلع الإمبراطور، وقيام الجمهورية مرة أخرى. كل ما كان في مقدور أصدقاء الإمبراطورة أن يفعلوه لها، هو تهريبها في لباس أسود عادي، لكي تصل بأمان إلى إنجلترا.

تم أسر المارشال مكماهون، وجزء كبير من المجموعة التي كانت في سيدان، وأرسلوا إلى ألمانيا. لا يزال هناك من يعتقد بأن المساعدة في طريقها للحضور، وأن الجيش الموجود في الجزائر، سيعود للوطن، وأن الأمة كلها سوف تنهض من كبوتها وتطرد العدو.

لذا فإن مدن ستراسبورج وفالسبورج ونانسي، أغلقت أبوابها، وتصدت بشجاعة لحصار الألمان. وعندما وجد الباريسيون أن الجزء الرئيسي لجيش العدو يتقدم نحوهم، استعدوا لحصار طويل، تحت قيادة، الجنرال تروتشو. وهو رجل طيب، ولكن ليس مغامرا.

لقد كانوا في هذيان غريب، وخليط من الفرح والحزن، للتخلص من الإمبراطورية. فبدأوا يدمرون النسور المنحوتة، ويمحون الحرف المتوج "ن". وأعلنوا أنه قد جاء وقت الازدهار. كما لو أن العدو لم يضع أقدامه على أرضهم بعد.

التحق كل رجل فرنسي بالحرس الوطني، لكن سيطر البروسيون على قطاع من الفلاحين في قرية صغيرة تسمى بازيل، كانت تطلق النار عليهم، وأحرقوا ودمروا كل مبنى بها، وقتلوا كل من سقط في أيديهم.

كانوا يعاملون الجنود النظاميين كسجناء حرب، وأولئك الذين لا يقاتلونهم، لا يمسونهم بضر. لكن القرى التي تطلق النار عليهم، تلاقي منهم الأمرين.

حاول البروسيون أن يكونوا عادلين، لكن عدالتهم كانت من النوع المتغطرس. بالرغم من أنهم لم يكونوا يحبذون استخدام العنف ضد الأشخاص، كان وازع النهب لديهم أكثر مما ينبغي.

في الواقع، كانوا يكرهون الفرنسيين بمرارة، منذ استبداد نابليون بونابارت، وكسره لقلب الملكة لويزا، والدة الملك وليام، الذي كان يقود قواته الآن إلى باريس.

الكثيرون من البروسيين، كانوا يدعون إلى القصاص والانتقام. ثم أخذ الملك وليام مقره في قصر فرساي، وقام بحصار باريس. فقطع جميع الإمدادات والاتصالات عنها، إلا عن طريق المعسكر الألماني.

لا يمكن لأحد الدخول أو الخروج، إلا عن طريق استخدام البالونات. في الواقع، واحد من القادة الجمهوريين، جامبيتا، خرج من باريس في بالون. كي يرفع الروح المعنوية للفرنسيين، ويحثهم على الإسراع بإغاثة العاصمة.

وكانت الرسائل تتبادل عن طريق الحمام الزاجل. تكتب بحروف صغيرة على ورق خفيف، أو على صحف مطبوعة صغيرة جدا، لا تقرأ إلا بعدسة مكبرة.

في هذه الأثناء، أكل الناس كل شيء في متاجرهم. وبعد الانتهاء من لحم الضأن ولحم البقر، تم الاستيلاء على جميع الخيول، ومطاردة القطط والكلاب. وتم خلط الدقيق بنشارة الخشب. وأصبحت المجاعة أكثر قسوة مع حلول فصل الشتاء.

كانت هنا كحاجة ملحة للوقود، مثل حاجتهم للغذاء. في نفس الوقت، كانت القذائف الألمانية تتطاير في سماء العاصمة كالألعاب النارية باستمرار، لتدمر المنازل، وتقتل كل من يتعرض لشظاياها.

كان الأمر سيئا في مدينة ستراسبورج. وصار الباريسيون يواسون أنفسهم بتقديم أكاليل الغار لتمثال المدينة في ساحة دي لا الكونكورد.

لكن ستراسبورج وميتز وفالسبورج، قد سقطت كلها، وتم أخذها، وتلاشى أي أمل في المساعدة من الخارج. جيش الجنوب لم يظهر على الإطلاق، وجيش الغرب، حقق في البداية بعض النجاح، لكنه سرعان ما هزم. واحتل الجيش البروسي المزيد من الأراضي الفرنسية.

وبالرغم من أن قوات الحرس الوطني الباريسية، قد حاولت الخروج ومهاجمة المعسكر الألماني، لكن اتضح أن هذا كان عبثا. فلم يكن لدى القوة الفرنسية أي فكرة عن الانضباط وإطاعة الأوامر.

بالنسبة للشجاعة، فقد أظهروا عكس ما كانوا يدعون، ولم يثبت أحد أنه جندي، سوى الجنود البريتون. لكنهم قتلوا، جميعا عندما لم تدعمهم قوى أخرى.

ومما زاد الأمر سوءا، انعدام الثقة المرير بين الجمهوريين الحمر وحزب المعتدلين، وكان كل منهما يتوقع خيانة الآخر. الشيء الإيجابي الوحيد في هذه الحرب، هو الرعاية التي نتجت من تعاون المجتمعات الأوروبية، وخاصة السويسرية والألمانية والإنجليزية، لإرسال الممرضات إلى الجرحى ومساعدة المرضى، ومن هدمت بيوتهم. كانوا معروفين من قبل الصليب الأحمر، وأينما شوهدوا، كانوا ينالون احترام الجميع.

كانت إحدى الصعوبات، هي تكوين حكومة تستطيع صنع السلام مع البروسيين؟ وبعد نصف عام من الحصار، تيير والجنرال تروشو، وآخرون من حزب المعتدلين، توصلوا لشروط استسلام باريس.

بعد ذلك، وعد ملك بروسيا بعدم إذلال الفرنسيين أكثر من ذلك، واكتفى بدخول مقاطعتي لورين و الألزاس، التي كانتا ألمانيتين.

كان من المقرر ترك حامية بروسية لمدة عام في فرنسا، ودفع غرامة مالية. في نفس الوقت، تم إمداد الجائعين في باريس، بالمواد الغذائية، وإطلاق سراح الأسرى الفرنسيين، بما فيهم الإمبراطور نفسه. الذي ذهب إلى إنجلترا ليلحق بعائلته.


الفصل الثامن والأربعون

الشيوعيون، 1871.


ما أن عرفت شروط معاهدة السلام، وإذا بمعارضة الجمهوريين الحمر تندلع. معلنين أنهم قد تعرضوا للخيانة، وتم بيعهم للعدو. فذهبوا إلى مكان مرتفع بمدافعهم، وأغلفوا البوابات، وتحصنوا بالشوارع مرة أخرى.

انسحبت الحكومة إلى فرساي، في انتظار وصول جميع القوات التي كانت في الأسر. وتم إنشاء نوع من الحكومة، أطلقوا عليه "كوميون". وهي كلمة قديمة لمجلس المدينة، عندما يحكمون أنفسهم. وبالتالي، أصبح الجمهوريون الحمر يعرفون باسم الشيوعيين.

لقد كانوا إما كتاب صحف، أو عمال وميكانيكيين. وكان بينهم نبيل واحد. كل الفخر السابق بانتصارات بونابرت الأولى، قد تحول إلى كراهية شرسة إلى نفس الشخص. حتى العمود العظيم في ساحة فاندوم، المقام تكريما لانتصارات نابليون، تم تحطيمه.

كان الشيوعيون غاضبين ضد القانون والنظام والممتلكات والدين، كما كان أجدادهم في عهد الإرهاب وحكم روبسبير. لقد طردوا رجال الدين من الكنائس، وراهبات المحبة من المستشفيات، وكانوا يسبون ويلعنون كل ما هو جيد أو عظيم.

لم تكن النساء أقل عنفا من الرجال. وكانت تغني مع الرجال أغاني الحرية، ويحملن السلاح، ويقمن بتهديدات مخيفة. وقام الشيوعيون بالقبض على بعض القادة، واحتجازهم في فرساي.

كما قبضوا على رئيس الأساقفة، مونسينيور داربوي، وخمسة رجال دين وقديسين آخرين، قضوا حياتهم كلها في هداية البائسين، وتخفيف معاناة الفقراء والمساكين. ثم تم إلقاؤهم في السجن.

وعندما وجدت حكومة الشيوعيين، أن أعضاءها لم يتم إطلاق سراحهم، وأن المارشال مكماهون والجيش يحاصرون عن كثب باريس، تم إحضار كل رجال الدين إلى سجن لاروكيت، وهناك أطلق عليهم الرصاص بدم بارد، وتم دفنهم على عجل. لقد مات رئيس الأساقفة، ويده مرفوعة، كما لو كان يبارك قاتليه. كان هذا في 24 مايو عام 1871.

كانت كل فرنسا ضد المجانين الذين اختطفوا باريس المحبوبة. لكن صمد الشيوعيون وهم يائسين، وكانوا يجبرون الكثيرين على القتال، في مقابل حصولهم على الغذاء.

أخير، بدأ الجنود في فرساي في شق طريقهم بالقوة نحو باريس. إلا أن الجمهورين الحمر، في جنونهم الأخير، قاموا بإشعال النار في المدينة.

سرعان ما اشتعلت النيران في فندق المدينة، وكذلك القصر الملكي، تويلري، في باريس، الذي قيل إنه بني بواد غير قابلة للاشتعال. كما أن نساء الشيوعيين ذهبن لكي يلقين البترول في نوافذ المنازل لإشعال النار فيها.

حكومة فرساي، وقواتهم، وكل من رأى مشهد الحريق، انتابته نوبة غضب وحزن على مدينتهم الجميلة الحبيبة ومفخرة كل فرنسي. رأوها وهي تدمر أمام أعينهم.

كانت القوات المهاجمة تقاتل ببطء. المدافع موجهة للشوارع، تحصد كل شيء أمامها. وقامت بذبح الرجال والنساء بشكل مخيف. وأخذ الحابل بالنابل، فلا فرق بين مذنبين وأبرياء. صرخة واحدة، "بتروليوز"، وتعني "مشعلة النار"، كانت تجعل المرأة مطاردة، يطلق عليها النار بدون محاكمة.

في مقبرة بير لا تشيز الكبرى، مات معظم الشيوعيين موت الذئاب. فقد تم اقتيادهم أسرى في جماعات إلى فرساي، حيث تم إعدامهم بالرصاص في وقت واحد. آخرون، تم محاكمتهم، ثم سجنهم، أو نفيهم إلى كاليدونيا الجديدة.

هكذا انتهى الجمهوريون الحمر، أو الشيوعيون، بالنار والدم، وعاد النظام. وتبين أن الحرائق لم تدمر مدينة باريس، كما كان يظن عند رؤيتها وهي تشتعل.

بعد ذلك، حكم أدولف تيير كرئيس مؤقت. حاول وضع الأمور في نصابها بقدر الإمكان، في بلد ممزق ينزف. في ذلك الوقت، توفي الإمبراطور نابليون الثالث في منفاه في إنجلترا.

وبدأت الأمة تنظر فيما ينبغي أن تكون عليه حكومة المستقبل. الأحزاب القديمة لا تزال موجودة. الشرعيون، الذين لا يزالون موالين لهنري، كونت شامبورد. الأورليانز، المنتمون لابن أو حفيد لويس فيليب. الموالون لنابليون بونابارت، والمحبون لذكرى نابليون الثالث، على أمل تتويج ابنه. والمعتدلون، الذين يسعون بشكل رئيسي للهدوء والنظام.

هنري، كونت شامبورد، ليس لديه أطفال، وكونت باريس، الحفيد الأكبر ل لويس فيليب، كان هو وريثه. وكان هناك اتفاق بين الحزبين الشرعي وأورليانز، على أن يتوج كونت شامبورد ملكا، ومن بعده يتوج كونت باريس.

لكن إجابة كونت شامبورد، كانت هي: أنه سيقبل عرش أجداده فقط، لكي يحكم كما حكموا، أي بالحق الإلهي، وليس كملك منتخب من الشعب.

أي سيكون ملك فرنسا، وليس ملك الفرنسيين. وعلمه سيكون الأبيض البوربون، وليس علم الألوان الثلاثة. وسيكون الابن الأكبر للكنيسة، المطيع للبابا.

لم يكن أحد باستثناء الشرعيين القدامى يقبل بهذه الشروط. وهكذا، عندما تم طرح التصويت لاختيار الحكومة من قبل الأمة، تقرر أن يكون الحكم جمهوري رئاسي، بدلا من الملكية.

بعد ذلك بفترة وجيزة، تم انتخاب المارشال ماكماهون بالإجماع، كرئيس للجمهورية الفرنسية الثالثة، صوت واحد كان ضده. حدث ذلك عام 1873.

ملحوظة:
هذا هو آخر فصل في كتاب "تاريخ فرنسا". أرجوا أن ينول رضاكم، وتكونوا قد استمتعتم بأحداثه، قدر استمتاعي بتقديمه لكم. وكل عام وحضراتكم بخير، بمناسبة عيد الأضحى، أعاده الله عليكم باليمن والبركات.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. احتفال تاريخي لجماهير ليفركوزن بعد التتويج بالدوري الألماني


.. وزراء الخارجية الأوروبيون يجتمعون الثلاثاء لمناقشة الهجوم ال




.. ماكرون: سنبذل قصارى جهدها لتجنب التصعيد وإقناع إسرائيل بعدم


.. حكومة الحرب الإسرائيلية تجتمع اليوم لبحث الرد على الهجوم الإ




.. إسرائيل تبحث سيناريوهات عدة للرد على الهجمات الإيرانية على أ