الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


أوهام المتخيل الديني، المنقذ المهدي أنموذجا

عباس علي العلي
باحث في علم الأديان ومفكر يساري علماني

(Abbas Ali Al Ali)

2023 / 6 / 25
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


البعض يظن أن الإيمان بالمنقذ المخلص في أخر الزمان هو الدين اليقين بعينه، ويظن أن التعلق بالأولياء ومتابعة مواليدهم ووفياتهم هو عمود الدين ومنهج الصالحين، ويعتقد أخرون بأن مجرد كون الإنسان على صلة مع النبي أو الوصي المعصوم برأيه نجاة من الحساب، كل هذه بدائل عن الحق لا تنفع يوم يقول يا عبدي ما قدمت ليومك هذا وما صنعت بأمري ونهي، هل كذبت؟ هل سرقت؟ هل ظلمت؟ هل قدمت إحسانا أو أقمت العدل، هل ساهمت بإماطة الأذى عن الطريق؟ سيقول أني كنت مشغولا عن كل ذلك بأنتظار المنقذ ليقيم العدل ويمنع السرقات ويحارب الظلم والجور والعدوان، ومضى العمر فلا منقذ جاء ولا ميزان أعتدل وتركت ورائي يوما ثقيلا، وأنا الآن معتذرا تراني، اليوم لا ينفع عذرة ولا كفارة غير العمل الصالح يرفع المؤمن درجة وقد قدمت لكم من الوعد والوعيد، فها أنت جئت وخرج أعمالك لا يغني ولا يشفع، كفى بنفسك اليوم حسيبا، والله لا يظلم ولكن كنتم أنفسكم تظلمون.
الدين كما أفهمه نموذج متقدم من علاقة طولية بين الإنسان ووجوده المحض، القاعدة فيه أن التكامل والتشارك يجب أن يستند إلى رؤية عقلية تضع طرفي العلاقة في حالة توازن، هذه العلاقة هي الدين وهي القانون الذي يمنح طرفي الوجود تبادلية في التقدير، فكلما سعى الإنسان لحماية وجوده وحماية الوجود ذاته بأفضل طريقة وحل ممكن فقد جسد أحترامه لهذه العلاقة وأطاع القانون الأساس الشمولي الكوني، هنا على الدين أن يبين كما في القانون مبدأ الثواب والعقاب، ليس لأنهما مطلوبان لذاتهما، ولكن لأن طرف من الوجود وهو البشر لا يمكن أن يسير بخط مستقيم ميكانيكيا، لأنه أصلا يعيش حالة من الحراك المضطرب والمهتز غالبا ذاتيا وداخليا، هذا الحراك ونتائجه أيضا ليست ذاتية محصورة في الداخل الإنساني، بل لها أرتدادات قد تخرج الإنسان من رؤيته السليمة للطريق المستقيم، لذا يحتاج دوما إلى محفزات ومثبطات تحد من هذا الأهتزاز وإن لم تنجح دائما لكنها بالمجمل تخفف من أثرها الوجودي.
لمن يفهم الدين عليه أولا أن يفهم أن الوجود هو قضية الدين الأولى وليس الإنسان ذلك الجزء المتناهي في الصغر بالنسبة إلى المكونات الكبرى للوجود وهما الطاقة والمادة ومنهما الأثرين الأكبرين الزمن والحركة، كلاهما في علاقة طردية وعكسية في آن واحد، وكلاهما يفرضان على الإنسان نوعا من التحدي والأستجابة والأثر والتأثر، ولكن العقل الإنساني لمحدودية قدرته وعدم قدرته على النظر بعمق الأمر الطولي في العلاقات الكونية، جعل من وجوده مركز الكون ومحور ضروريته البعيد "العلة الأولى"، وما المادة والطاقة سوى تفسيرات لمادية الوجود عنده، والزمن والحركة إنما ينفعلان حتى يتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود ليجعل منهما نقاط دلالة فقط، هذا التفكير القاصر أفقيا والمقتصر على الذاتية البشرية قلصت أيضا عنده فكرة الدين، وبدلا من أن يتحرر الإنسان من ذاتيته الضيقة مع الوجود ومع الله، قام فربط الوجود والله به وكأنهما معادلة واحدة لا تتكرر محوريها الله والأنا البشرية.
إذا العلاقة في الدين ليست علاقة ثنائية قطبية المستوى بين خالق ومخلوق وعابد ومعبود، بل هي أكبر حتى من مجرد علاقة متشعبة مع كل شيء، فوجود الإنسان في هذا الكون المترامي الأطراف يمنحه صلات لا حدود لها مع كل شيء فهو عنصر سريع التأثر والتفاعل مع الوجود، لكنه بطيء جدا في أن يؤثر في كل شيء، لذا يعد تابعا وليس متبوعا وليس مركزا لشيء ما، عكس ما فهم من خلال ذاتيته في قراءة الدين أو كما وصل لفهمه، الله من خلال الدين لم يطلب من الإنسان أن يقتصر في علاقته معه، ولم يطلب منه أن يجعل كل طرق الوجود تفضي إليه، هذا وهم المعبد الذي تقمص صورة الرب وجعل من نتائج التقمص قوانين الدين المعروف اليوم، هذا المعروض الديني الشائع لا يمثل الدين الكوني ولا يعبر عن رؤية كونية لله، بل هي جزء من هواية التلهي عند الإنسان ليقضي وقته.
هنا نسأل عن ما ورد في مفتاح المقالة هل كل ما يجري من أستعباد للعقل وتطويقه بالطقوس والعبادات بأي شكل من الأشكال جزء من ثقافة الإلهاء والأشغال الكهنوتية، التي تدمر مفهوم الدين وتدمر مفهوم كون الإنسان جزء من عالم لا يمكن حتى إدراك حدوده الذهنية، فكيف تم ربط هذا الكون بأشخاص أو حركات أو أفكار لبس فيها أدنى مقومات التمثيل الحقيقي لإرادة واجد الوجود وخالق القوانين وصانع معادلاتها الكبرى، لو كان المنقذ يملك القدرة على التغيير وقلب القوانين السائدة في أي وقت أو وفق ما يملك من قوة أو تفويض، فكان الأولى أن يقدمه الله باكرا وقبل مراحل الأنبياء والمصلحيين الكونيين ولأنهى في ذلك نزاع وصراع الإنسان الداخلي والخارجي وأرسى قواعد كبرى لحماية الوجود، الله لم يفعل ذلك ولن يفعل ذلك لأن ذلك جزء من كونية البقاء والديمومة الوجودية الضرورية، وليس ترفا ولا قرار مؤجل إلى إشعار أخر مرتبط بتهيئة ظروف أو أحداث مرتبطة بحركة الوجود أصلا مما درج علة تعريفها أو تسميتها بعلامات الساعة.
ليس من العيب ولا من الكفر أن نفضح الأفكار المنحرفة التي تجعل من الإنسان كائن مازوشي وسادي في آن واحد، فهو يعذب حاله ويحاول أن يسوق التعذيب لغيره من خلال فكرة تحمل الألم بأنتظار طهور المنقذ المهدي، هذا ليس من دين الله وليس من تعقلات العقل السليم الذي يفترض به أن يرى الزمن والحركة في دائرة الفعل المادي والطاقوي، أما أنه يفترض التوقف أو العمل الجزئي في حركة محدود وحبس الزمن عن فعل أشتراطاته على أنه هو الدين، هذا هو اللا مقبول واللا جائز في كونية الدين وعقلانيته الوجودية، الله يريد أن نتغير ونتطور ونعمل ونتحرك ونبني كل شيء على قاعدة المصلحة والمنفعة والخير للإنسان، وأن ندفع الفساد والإفساد عن قوانين ومعادلات الوجود، إذا ما قيمة أنتظار وهم كهنوتي لا حدود له ولا مقدرات حقيقية في لإصلاح ما أفسد الدهر وعارض أساسيات المادة والطاقة والزمن والحركة








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. «توأم الروح والتفوق» ظاهرة مشرقة بخريجي 2024


.. تغطية خاصة | إيهود باراك: في ظل قيادة نتنياهو نحن أقرب إلى ا




.. تغطية خاصة | المقاومة الإسلامية في لبنان ترفع مستوى الإسناد


.. لماذا تخشى الكنيسة الكاثوليكية الذكاء الاصطناعي؟




.. الرئيس السيسي يستهل زيارته للأراضي المقدسة بالصلاة في المسجد