الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تاريخ إنجلترا – 02 غزاة الشمال

محمد زكريا توفيق

2023 / 7 / 4
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


الفصل الرابع.

الشماليون، 858-958.


كان هناك الكثيرون من ذوي الشعر الفاتح والعيون الزرقاء في الجانب الآخر من بحر الشمال، الذين لا يزالون يعبدون الإلهين، ثور وودن، ويعتقدون أن عشيرتهم في إنجلترا قد تخلت عن عبادة آلهتهم القديمة.

إلى جانب ذلك، كانوا يحبون تكوين ثرواتهم عن طريق غزو جيرانهم. لم يكن هناك أحد، شجاع أو قادر، في النرويج أو الدنمارك، لم يقم ببعض تلك الغزوات في "قوارب طويلة"، وقاتل بشجاعة، كي يحضر إلى بيته كؤوسا وسلاسل ذهبية أو جواهر ثمينة، تبين أين ومتى كان يقاتل.

كان يطلق على قباطنتهم "ملوك البحر"، وبعضهم ذهبوا بعيدا عن ديارهم، إلى البحر الأبيض المتوسط، كي يسطو على شواطئ إيطاليا الجميلة.

كان الأمر مروعا للغاية، عند رؤية أسطول القوارب الطويلة القادم إلى الشاطئ، وهم يرفعون أعلاما برأس ثعبان أو غراب. يأتون كمحاربين، في حشود شرسة، مدججين بالسلاح، يحملون الفؤوس والرماح، ويتوقون إلى السطو والنهب وسفك الدماء.

كانت الناس، في إنجلترا، تستغيث بالرب، فتلجأ للكنائس، كي تستعطفه، حتى يلين قلبه، بالابتهال والدعاء، للتخلص من غضب الشماليين، إلى جانب حمايتهم من البرق والرعد والسيول.

جاء هؤلاء الشماليون في أسراب كالجراد، وظلوا يأتون زرافات ووحدانا إلى إنجلترا. قادمون بشكل رئيسي من الدنمارك. كانوا يعيثون في الأرض فسادا، يحرقون المنازل، ويطردون الأبقار والأغنام، ويقتلون الرجال، ويسبون النساء ويخطفون الأطفال لبيعهم في أسواق النخاسة.

كانوا دائما يفتكون بقسوة أكثر، عندما يجدون ديرا به رهبان أو راهبات. لأنهم كانوا يكرهون الأديان الأخرى. بحلول هذا الوقت، سقطت الممالك الإنجليزية السبعة، ثم دانت وأذعنت لملك إنجليزي واحد.

"إجبرت"، ملك غرب ساكسون، الذي حكم في وينشستر، يعتبر أول ملك لكل الإنجليز. خاض أحفاده الأربعة معارك مروعة مع الدنماركيين طوال حياتهم، ومات أبناؤه الثلاثة الأكبر سنا وهم صغار السن.

أصغرهم، كان أعظم وأفضل ملك لدى إنجلترا في أي وقت مضى، ألفريد، راو الحقيقة. عندما كان طفلا، أثار ألفريد إعجاب كل من رأى، وبعث داخله الأمل.

بينما كان اخوته، منشغلين برياضاتهم وقنصهم، كان من دواعي سروره أن يتلو لأمه القصص السكسونية، التي تعلمها من معلمه.

هذه القصص، ألهمته في سن مبكرة، معنى حب الوطن، وأججت عاطفته نحو الثقافة والأدب، فتبلورت شخصيته وباتت متوهجة، تضوي في الظلام مثل الشهب.

كان عمره اثنين وعشرين عاما فقط، عندما اعتلى العرش، في الوقت الذي اجتاح فيه الدنماركيون المملكة، وصاروا في كل مكان. في الجزء الشمالي، استوطن البعض وبنوا منازلهم. واستمر المزيد منهم يخرون فلولا قادمة في سفنهم.

بالرغم من أن ألفريد قد هزمهم وصدهم قسرا في المعارك مرارا وتكرارا، إلا أنهم زادوا احتداما، ولم يكفوا عن المجيء والغزو.

أخيرا، لم يتبق لديه سوى عدد قليل جدا من الرجال المخلصين. فاعتقد أنه من الحكمة أن يرسلهم بعيدا، ويختبئ هو في مستنقعات سومرسيتشاير.

هناك قصة جميلة تروى عنه، أنه كان مختبئا في كوخ راع فقير، اعتقدت زوجته أن ألفريد ما هو إلا جندي بائس. وبينما كان يجلس بجانب النار يصلح قوسه وسهامه، طلبت منه أن يراقب الخبز الذي وضعته على الموقد كي ينضج. وعندما وجدت أن الخبز يحترق، صرخت بغضب: "كسول مارق. ألا يمكنك قلب الخبز، بينما تلتهم الطعام بسرعة تحسد عليها".

في نفس الربيع، حقق الإنجليز المزيد من الانتصارات. خرج ألفريد من مخبئه وجمع شملهم، فهزموا الدنماركيين، وأجبروهم على السلام.

قال إنه سيسمح لأولئك الذين استوطنوا واسقروا في شمال إنجلترا بالبقاء هناك، شريطة أن يصبحوا مسيحيين مثل الإنجليز. ثم صار الأب الروحي لرئيسهم، وأعطاه اسم إثيلستان.

بعد ذلك، قام ألفريد ببناء سفن قوية لمقابلة الدنماركيين في عرض البحر قبل أن يتمكنوا من الهبوط على ساحل جزيرته. وهكذا أبعدهم طوال بقية حكمه. ثم حكم ابنه وأحفاده من بعده.

لفترة طويلة، لم يتمكن ملوك البحر وغزاة الشمال، من فعل الكثير من الأذى لإنجلترا. لكنهم كانوا يذهبون لنهب بلدان أخرى، لم تكن تحت حراسة جيدة من قبل حكام أو ملوك شجعان.

لكن، لم يكن ألفريد مجرد محارب شجاع. كان رجل خير وقداسة، حاول بذل قصارى جهده لخدمة شعبه. وضع لهم قوانين جيدة، وحرص على إحقاق العدل، ورفع الغبن. فلا ينبغي أن يجور أحد على جاره دون عقاب، أو يتعدى على حدود غيره دون رادع.

بعد أن تم حرق الكثير من الأديرة، وقتل العديد من الرهبان على يد الدنماركيين، ندرت الكتب، وأصبح الحصول عليها مطلبا صعبا، وباتت حاجة العلماء لها أمرأ ملحا.

لهذا، دعا ألفريد الرجال المتعلمين من خارج البلاد، وقام هو بالإشراف على كتابة الكتب وترجمتها بنفسه. وكانت له مدرسة، أقامها في بيته. لتعليم النبلاء الشبان مع أبنائه. وكان يبني الكنائس، ويعطي الصدقات للفقراء. الذين كان دائما على استعداد لسماع شكواهم.

كان يعمل بجد، بالرغم من إنه كان يعاني من مرض، يسبب له آلاما مبرحة بصفة مزمنة. كانت سنواته الأخيرة أقل سلاما من باقي أيام عهده. لأن الدنماركيين حاولوا المجيء مرة أخرى. لكن أسطوله قابلهم وهزمهم في عرض البحر.

توفي ألفريد في هدوء، وهو في الثانية والخمسين من عمره، عام 901. وهو يعتبر واحد من أعظم وأفضل الملوك الذين حكموا إنجلترا، في تاريخها، أو في تاريخ أي بلد آخر.

استمر أولاده من بعده في حكم بلادهم، بنفس أسلوبه وقوانينه. فازدهرت البلاد وعم الرخاء، وعاش الجميع في سلام بدون أعداء. كان هذا كله خلال ابنه وحفيده، وأبناء أحفاده.

مجلس الرجال العظام (الحكماء)، كانوا يستدعون لبحث شئون المملكة. لم تكن زوجة الملك تسمى الملكة، بل السيدة. فما معنى كلمة سيدة باللغة الإنجليزية (Lady)؟ كلمة سيدة تعني "مانحة الرغيف" - مانح الخبز لمنزلها وللفقراء. لذا فإن وظيفة السيدة العظيمة هي أن تكون خيرية.



الفصل الخامس

الغزو الدنماركي، 958-1035.


كان آخر الملوك الإنجليز العظام هو إدجار، حفيد ألفريد، الذي كان سيدا على باقي الملوك البريطانيين في ويلز واسكتلندا. ذات مرة ، جاء ثمانية من هؤلاء الملوك لمقابلته في تشيستر، وقاموا بتجديف قاربه على طول نهر "دي". وكان أروع يوم استمتع به ملك إنجلترا لسنوات عديدة.

كان يطلق على إدجار لقب المسالم، لأنه لم تكن هناك هجمات من قبل الدنماركيين على الإطلاق خلال فترة حكمه. في الواقع، كان الشماليون والدنماركيون يتقاتلون فيما بينهم في بلادهم.

وكانت هذه المعارك تنتهي عادة عندما ينطلق شخص كملك البحار، مع جميع أصدقائه، ويحاول الحصول على وطن جديد في بعض البلدان الأخرى.

مجموعة واحدة رائعة من الشماليين بقيادة رئيس طويل القامة وقوي، يدعى رولو، ذهبوا إلى فرنسا، وأجبروا الملك هناك على النازل عن قطعة أرض من بلاده، تقابل إنجلترا مباشرة، تسمى نورماندي.

هناك تعلموا التحدث بالفرنسية، وأصبحوا مثل الفرنسيين، لكنهم ظلوا أكثر شجاعة وحماسة من كل جيرانهم.

كانت هناك باستمرار أساطيل من السفن الدنماركية، قادمة إلى إنجلترا. وكان ابن إدجار، واسمه إثيلريد، عاجزا وجبانا، من النوع البطيء. حتى اسمه، يعني "غير الجاهز".

بدلا من تجهيز السفن للقتال ضد الدنماركيين، أخذ الأموال المخصصة لذلك، كي يرسل سفنه بعيدا بدون هدف. وبالنسبة لأولئك الذين دخلوا البلاد دون إذن منه، اعتبرهم حراسه، وخصص لكل منهم راتب شهري.

كما أنه سمح لهم بالإقامة كضيوف دائمين في منازل المواطنين الإنجليز، حيث كانوا وقحين. جعلوا الإنجليز يطعمونهم كل ما لديهم من أفضل اللحوم والخبز والبيرة. ودائما يعتبرون أنفسهم، لوردات دنماركيين.

أقام إثيلريد صداقات مع الشماليين، أو النورمان، الذين استقروا في فرنسا، وتزوج من إيما، ابنة دوقهم. لكن لم تنجح أي من خططه.

فقد ساءت الأمور أكثر وأكثر. وشعر هو وشعبه بمرارة شديدة ضد الدنماركيين. لدرجة أن سكان جنوب إنجلترا، قد اتفقوا في النهاية، على الثورة والنهوض مرة واحدة، والقيام بقتل جميع الدنماركيين المقيمين في منازلهم.

من بين هؤلاء الدنماركيين الذين قتلوا على هذا النحو، كانت أخت ملك الدنمارك. بالطبع كان ملك الدنمارك غاضبا، عندما سمع بهذه الأنباء. وجاء إلى إنجلترا، عاقدا العزم والنية، على معاقبة الملك القاسي، وشعبه الغادر.

فأخذ الجزيرة بأكملها، وعاقب الناس بالقتل والحرق والنهب أينما ذهب. لكنه لم يستطع أبدا القبض على الملك نفسه. لأن إثيلريد انطلق في الوقت المناسب، عندما استشعر بالخطر، إلى نورماندي، حيث كان قد أرسل زوجته إيما من قبل وأطفالهما، تاركا ابنه الأكبر (من زوجته الأولى)، إدموند أيرونسايد ، كي يقاتل من أجل المملكة، بقدر استطاعته.

توفي ملك الدنمارك في خضم حربه مع الإنجليز. لكن ابنه، كنوت، استمر في الغزو الذي بدأه والده. وقبل مرور فترة طويلة، مات ملك الإنجليز، غير الجاهز، إثيلريد.

قتل أيضا ابنه، إدموند أيرونسايد، وأصبح كنوت الدنماركي ملكا على إنجلترا، وكذلك الدنمارك. ثم اعتنق الديانة المسيحية، وتزوج إيما، أرملة إثيلريد، بالرغم من أنها كانت أكبر منه سنا بكثير.

كان رجلا قاسيا شريرا في البداية، لكنه الآن قد تخلى عن الشر، وأضحى ملكا نبيلا وحكيما وعادلا. ويبدو أن الإنجليز كانوا في وضع جيد تحت حكمه، وسيكونون أسعد حالا، لو كان أحد ملوكهم.

لا يوجد ملك أكثر منه، يتم سرد قصصا طريفة حوله. في يوم بارد جدا من أيام الشموع، أراد الملك كنوت أن يذهب للكنيسة. وكانت تقع على تل في منتصف مستنقع عظيم.

كانت المياه متجمدة، لكن ليست قوية لتحمل ثقل الإنسان البالغ. فخرج مواطن شجاع، كان سمينا جدا، لدرجة أن لقبه كان "مهلبية". تساءل قائلا: "هل أنتم جميعا خائفون؟ سأتقدم أولا"

فقال الملك: "ثم آتي بعدك، لأن كل ما يحملك سيحملني". وانتهى الأمر بأن وصل الملك إلى الكنيسة بسلام، وحصل "مهلبية" على قطعة أرض، مكافأة له على شجاعته.

اعتاد عبيد الملك كنوت أن يتملقوه. كانوا يخبرونه بأنه رب البر والبحر، وأن كل شيء يطيعه. فأجابهم: "دعونا نحاول"، وكان يريد إظهار حماقتهم وتدليسهم.

"ضعوا مقعدي إلى جانب البحر بجوار الماء"، وكان المد قادما. فقال كنوت وهو جالس مخاطبا البحر: "الآن أيها البحر. أنا ربك. فلا تجرؤ على الاقتراب مني وبلل قدمي"

بالطبع جاءت الأمواج وغمرته وتناثرت فوقه. فالتفت إلى عبيده، وأمرهم بألا يقولوا أبدا أنه رب البر والبحر، لأن هذا غير حقيقي.

لم يضع كنوت تاجه مرة أخرى على رأسه بعد ذلك، لكنه علقه في كاتدرائية وينشستر. لقد كان ملكا صالحا، وكان هناك الكثير من الحزن عند سماع خبر وفاته، رغم أنه لم يكن إنجليزي الأصل.

أقام عدد كبير من الدنماركيين بيوتهم في يوركشاير، ولينكولنشاير، منذ زمن ألفريد. ولا تزال بعض عاداتهم متبقية هناك، وبعض مفردات لغتهم. أسوأ عاداتهم أنهم كانوا يشربون الخمور بشراهة، فتعلم الإنجليز منهم هذه العادة السيئة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. السودان: عام بعد اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع..


.. نظام ستارلينك، حبل سُرّي بين السودانيين في وقت الحرب رغم الا




.. غالانت يقول إن إسرائيل ستشكل تحالفا استراتيجيا ضد إيران ردا


.. ترامب أمام أول محاكمة جنائية له في نيويورك قد تفضي نظريا إلى




.. على وقع تبادل الهجمات...طهران وتل أبيب تتبادلان الاتهامات في