الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تاريخ إنجلترا – 03 الغزو النورماندي

محمد زكريا توفيق

2023 / 7 / 10
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


الفصل السادس
الغزو النورماندي، 1035-1066.

ترك كنوت ثلاثة أبناء. أحدهم كان راضيا بحكم مملكة الدنمارك فقط، وتوفي الآخران بعده بوقت قصير. لذلك قام أحد النبلاء الإنجليز العظماء ، يدعى إيرل جودوين، بإعداد الملك، إدوارد، وهو أحد أبناء إثيلريد، غير الجاهز، الذين تم نفيهم سابقا في نورماندي.

لقد كان رجلا طيبا وصالحا وتقيا، يحب فعل الخير. بدأ ببناء كنيسة كبرى في دير وستمنستر، وكان متدينا لدرجة أنه كان يدعى المعترف، وهي درجة إيمانية تقل قليلا عن درجة القديسين.

لقد كان لطيفا للغاية. في أحد الأيام ، عندما كان يرقد في سريره، رأى لصا يتحسس خطاه بحذر في غرفته، ويفتح الصندوق الذي به كنزه، ويخرج أكياس المال.

بدلا من الصراخ واستدعاء الخدم، أو القبض على اللص، قال الملك وهو يتثاءب ويفرك عينيه: "انتبه، أيها المارق، قبل أن يمسك بك الحرس، ويقومون بإشباعك ضربا".

بالطبع لم يكن هناك من يعبأ كثيرا بملك حنون مثل هذا ويأخذه على محمل الجد. لذلك، شهد عصره العديد من الاضطرابات والثورات.

فقد نهض بعضهم، بسبب ظهور ملك في نورماندي، التي تقع في غرب فرنسا في مواجهة إنجلترا، كان يحب النورمان أكثر من الإنجليز.

لقد كان النورمان حقا أكثر ذكاء وعقلانية، لأنهم تعلموا الكثير من فرنسا ، بينما نسي الإنجليز الكثير مما تعلموه من ألفريد وأبناؤه. وطوال فترة حكم إثيلريد الطويلة الحزينة، التي كانت مملة وكئيبة.

علاوة على ذلك، تعلم الإنجليز من الدنماركيين الإفراط في شرب الخمر والسكر. لكنهم والدنماركيين، كانوا يعتقدون أن الفرنسيين والنورمان، هم أكثر حضارة ورقيا، فكانوا يغارون منهم ولا يتحملون رؤيتهم.

لذلك، غضب الجميع عندما بدأ يقال إن الملك إدوارد أراد التنازل عن مملكته في إنجلترا لابن شقيق والدته النورماندي، الدوق ويليام، لأن جميع أقربائه، كانوا لا يزالون أطفالا صغارا.

كان العديد من الإنجليز، يتمنون أن يرث الحكم هارولد، ابن إيرل جودوين. وهو رجل شجاع مفعم بالحيوية والنشاط. لكن إدوارد كان قد أبعده إلى نورماندي، وهناك جعله الدوق ويليام، يقسم على عدم فعل أي شيء يعوق وراثته لحكم إنجلترا.

توفي الملك العجوز إدوارد بعد فترة وجيزة، وقال هارولد على الفور بأن وعده لويليام كان خدعة. لقد أجبر عليه. هو الآن في حل من وعده، ولا يحتاج إلى الوفاء به. ومن ثم، توج هارولد نفسه ملكا على إنجلترا.

عظم الأمر على ويليام، بادئ ذي بدء، وهاجت الحَميّة في جوفه، وامتلأ صدره بالغضب. فدعا جميع مقاتليه النورمان، وجهز السفن، ليشق عباب البحر، عبر القناة الإنجليزية إلى دوفر.

كان رأس سفينته يشبه ولده الصغير الثاني، ويليام. هبط في بيفينسي، في ساسكس، وأقام معسكره هناك. بينما كان هارولد بعيدا في الشمال، يقاتل شقيقه الهارب، الذي جلب النرويجيين لمهاجمة يوركشاير.

كان هارولد قد فاز للتو في معركة كبيرة على هؤلاء الأعداء، عندما سمع أن ويليام والنورمان قد جاءوا ، وكان عليه أن يسرع بالعودة بطول إنجلترا لمقابلتهم.

لم ينضم له الكثير من الإنجليز، لأنهم لم يكونوا يريدونه ملكا لهم. لكن، بالرغم من أن جيشه لم يكن كبيرا، إلا أنه كان شجاعا مقداما. عندما وصل إلى ساسكس، وضع جميع رجاله على قمة تل منخفض، بالقرب من هاستينجز، وجعلهم يصنعون سياجا حولهم، أمامه خندق.

جاء النورمان بخيولهم الحربية لمهاجمته، لكن خيولهم تعثرت ولم تستطع عبور الخندق، وقتلت رماح الإنجليز الطويلة الغزاة وحيولهم.

ثم أمر ويليام رماته بإطلاق سهامهم عاليا في الهواء. فنزلت كالمطر على وجوه ورؤوس الإنجليز. هارولد نفسه، قد أصيب في عينه بأحد الأسهم.

ثم هاجم النورمان السياج مرة أخرى، واخترقوها. وعندما غربت الشمس، وأرخى الليل سدوله، كان هارولد ومن معه من الإنجليز الشجعان ماتوا جميعا. . لم يولوا الأدبار، بل صمدوا أبطالا كالصخر، إلى أن فنوا عن آخرهم. حدث ذلك عام 1066.

لقد شاهدت إنجلترا عدة غزوات كبيرة. الغزو الروماني، الغزو الإنجليزي، والآن الغزو النورماندي، وهو آخرها. منذ ذلك الحين، باتت تحكم بطابور واحد طويل من الملوك والملكات. بداية من ويليام النورماندي إلى الملكة فيكتوريا.


الفصل السابع

وليام الفاتح، 1066-1087.


كان الملك، الذي غزا إنجلترا، رجلا شجاعا وقويا. اعتاد على القتال والنضال منذ أن كان طفلا صغيرا. لكن لم يكن من حقه أن يأتي ويغزو شعبا آمنا بالقوة. فالقيام بعمل واحد خاطئ مثل هذا، كفيل بأن يجعل الناس يزدادون سوءا.

كان العديد من الإنجليز غير راغبين في أن يكون ويليام ملكا لهم، وكان أصدقاؤه النورمان غاضبين، لأنه لم يسمح لهم بالحصول على المزيد من الأراضي الإنجليزية، ولم يكن يخالف القوانين الإنجليزية.

لذلك كانوا في كثير من الأحيان ينتفضون ضده. وفي كل مرة كان يقوم بإخماد ثوراتهم بقسوة وصرامة. لم يكن يريد أن يكون قاسيا. لكنه كان مضطرا، لأن القسوة كانت الطريقة الوحيدة للحفاظ على مملكته في ذلك الوقت.

عندما انتفض شعب نورثمبرلاند ضده، وحاول الرجوع للنظام الملكي القديم، أخضع البلاد بأكملها بالحديد والنار، حتى لم تبق بلدة أو قرية قائمة على عروشها.

لقد فعل ذلك لمعاقبة شعب نورثمبرلاند، وكذلك لتخويف البقية. إلى جانب ذلك، فعل شيئا آخر، لا لشيء سوى متعته الشخصية.

في هامبشاير، بالقرب من قلعته في وينشستر، كانت هناك مساحة كبيرة من الأرض الخصبة، تنمو بها غابة أشجار الزان والبلوط، وتجري خلالها الحيوانات، وتغرد في سمائها الطيور. مكان جميل لصيد الغزلان، فقط كان هناك العديد من القرى، التي تقوم في بعض الأحيان بصيد حيوانات الغابة.

كان ويليام يحب الصيد أكثر من أي شيء آخر. كان يقول إنه يحب الغزلان كما لو كان هو والدها. ولحمايتها، أخرج جميع السكان من الغابة، وهدم منازلهم هناك، ثم سن قوانين ضد أي شخص يقتل حيوانات الغابة. لا تزال هذه الغابة تسمى "الغابة الجديدة"، بالرغم من مرور أكثر من ألف عام على تسميتها.

كان القانون النورماندي القديم، الذي تذمر منه الإنجليز كثيرا، ينص على أنه بمجرد دق الأجراس في الكنائس، في الساعة الثامنة مساء كل يوم، على الجميع إطفاء الشموع واخماد النار، والذهاب إلى الفراش. كانت تسمى أجراس حظر التجول، ولا تزال العديد من الكنائس القديمة تقرعها.

كما أن ويليام، قام بحصر جميع الأراضي في البلاد، وقام بتدوينها في سجلات، واحتفظت بها لنفسه. ولا تزال لدينا هذه القائمة، وتسمى سجل يوم القيامة. وعلى ما يبدو، أخذ ويليام الكثير من الإنجليز وأعطاه للنورمان.

لقد بنى ويليام القلاع ، بجدران سميكة للغاية وقوية، ونوافذ ذات فتحات، حيث يطلق منها السهام. وجاء بالنورمان لإذلال الإنجليز.

لقد كان النورمان أكثر جموحا من الإنجليز. وكانت فقط يد ويليام القوية هي الكفيلة بالسيطرة عليهم. كانوا يضعون الدروع على صدورهم والخوذات على رؤوسهم، وشرائح الحديد الرقيقة، تلبس كقمصان فوق أجسادهم.

كانوا يلبسون أيضا قفازات وأحذية حديدية، وتتدلى سيوف إلى جانبهم، ويحملون رماحا في أيديهم. وبالتالي لا تستطيع قوة أن تقف في طريقهم.

أطلقوا على أنفسهم اسم الفرسان. يؤدون اليمين ويعطون العهود، لنصرة الضعفاء والفقراء والمساكين، لكنهم، في كثير من الأحيان، لم يحتفظوا بأيمانهم أو يوفون عهودهم، ، تجاه الرعايا الإنجليز البائسين.

كان لدى ويليام أربعة أبناء:
روبرت، خرطوم البلاط، أو الأرجل القصيرة.
ويليام، روفوس، لأن شعره كان أحمر اللون.
هنري، العالم والمثقف الجيد.
ريتشارد، الذي كان لا يزال فتى عندما قتله ذكر الأيل في الغابة الجديدة.

كان روبرت، الابن الأكبر، شابا متوحشا وقحا وطائشا. كان يحلم بحكم نورماندي، وطلب من والده التنازل له عنها. أجاب الملك ويليام ، "أنا لا أخلع ملابسي أبدا قبل أن أذهب إلى النوم"، وكان يعني أن روبرت يجب أن ينتظر حتى وفاته.

لم يستطع روبرت تحمل المماطلة، وكان غاضبا جدا. بعد فترة وجيزة ، عندما كان في بلاط القلعة، قام شقيقاه ، ويليام وهنري ، بأعمال شغب ضده، وسكبا الماء من النوافذ العلوية عليه وعلى أصدقائه.

استشاط غضبا وجن جنونه، فاندفع إلى الدرج وسيفه في يده، وكان من الممكن أن يقتل أخويه، لو لم يأت والدهم لحمايتهما في الوقت المناسب.

ثم ما لبس أن ألقى روبرت بنفسه على حصانه وركض بعيدا. إلا أنه قد أقنع بعض أصدقائه بالانضمام إليه، وخاض بالفعل معركة مع والده، حيث تم إلقاء الملك العجوز من فوق فرسه، فأصيب في يده.

لكن يجب أن ننصف الأمير، ونقول إنه عندما تعرف على والده بأنه الفارس الذي أسقطه، امتلأ قلبه بالحزن والرعب، وطلب منه العفو والغفران. ثم رفعه بحنان من الأرض.

بعد ذلك، هام روبرت على وجهه، وعاش على المال الذي أرسلته له والدته، الملكة ماتيلدا، بالرغم من أن والده كان غاضبا منها لفعلها ذلك، وكان أول شجار بين ويليام وزوجته على الإطلاق.

لم يمض وقت طويل بعد ذلك، قبل أن يذهب ويليام إلى الحرب مع ملك فرنسا. لقد تسبب ويليام في إحراق مدينة، وكان يركض بين الأنقاض ، عندما داس حصانه على بعض الرماد الساخن، فبدأ في الغطس.

فسقط الملك إلى الأمام، ووقع على السرج. وكونه رجلا ثقيلا جدا، فقد أصيب بجروح بالغة، لدرجة أنه بعد بضعة أسابيع، في عام 1087، توفي في دير صغير، على بعد مسافة قصيرة من روان ، المدينة الرئيسية لدوقية نورماندي.

كان أعظم رجل في عصره، وكان فيه الكثير من الخير. عندما استلقى على فراش الموت، ندم وحزن كثيرا على كل أفعاله والشر الذي جلبه على الإنجليز.

لكن، غالبا لا ينفع الندم، ولا يمحو ما قد حدث وسبب من ألم. إلا أنه قد بنى الكنائس العظيمة، وكذلك فعل أساقفته وباروناته النورمان. أعمالهم تتميز بأعمدتها وأقواسها المستديرة، مع حدود عريضة متعرجة.

في النهاية، كان مجيء النورمان مفيدا جدا للإنجليز. لقد ساهم في تقدمهم وتثقيفهم، وجعلهم أقل خشونة وبدائية. إلا أنهم لم يكونوا راضين عن ملك وبلاط يحكمهم من خارج ديارهم. فهم ليسوا إنجليز، يتحدثون الفرنسية، ويهتمون ببلدهم نورماندي أكثر من إنجلترا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إيران وإسرائيل.. أي سيناريوهات للتصعيد المحتمل؟| المسائية


.. واشنطن وطوكيو ومانيلا تندد بتحركات بكين وتجري مناورات مشتركة




.. رواندا.. ملاحقة المتورطين في الإبادة الجماعية


.. الولايات المتحدة طلبت الضغط على إيران لعدم التورط في حرب الس




.. البطريرك بشارة الراعي يؤكد أن غياب الدولة وراء مقتل باسكال س