الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تاريخ إنجلترا – 06 ريتشارد قلب الأسد

محمد زكريا توفيق

2023 / 8 / 1
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


الفصل الثاني عشر

ريتشارد الأول، قلب الأسد، 1189-1199.


حزن ريتشارد للغاية لوفاة والده، هنري الثاني. وعندما جاء ونظر إلى جثته، في كنيسة دير فونتيفرو، صرخ قائلا: "أنا الذي قتلته!"

لكن، فات الأوان، ولن يستطيع ريتشارد تعويض ما قد فعله من قبل. وعليه الآن أن يفكر في الحملة الصليبية التي وعد بها. كان ريتشارد شجاعا وقويا، لذلك كان يسمى قلب الأسد.

لقد كان نبيلا وجيدا في بعض النواحي، لكن مزاجه الشرس والعاطفي، ألحق به قدرا كبيرا من الأذى. التقى بالملك فيليب، ملك فرنسا، وبالعديد من الأمراء الآخرين في جزيرة صقلية في البحر الأبيض المتوسط. ثم أبحروا جميعا إلى الأراضي المقدسة.

جاءت خطيبته، بيرينجاريا، لمقابلته وإتمام الزواج، لكن تأجل ذلك بسبب الصوم الكبير. فذهبت تسبقه إلى الأراضي المقدسة في سفينة مع أخته جوان.

حاولت الهبوط في جزيرة قبرص، لكن لم تجد ترحيبا هناك، ولم يسمح لها السكان بالنزول. فقام ريتشارد بغزو الجزيرة، وهو في شدة الغضب، وتزوج من بيرينجاريا هناك.

قاتل المسلمون بقيادة صلاح الدين الأيوبي بشكل جيد دفاعا عن الأراضي المقدسة، لدرجة أن الصليبيين لم يستطيعوا إلا الفوز بقليل من الأراضي، بالرغم من شجاعة ريتشارد قلب الأسد. أخيرا، استولى الصليبيون على مدينة واحدة، هي عكا، على الساحل، ووضع ليوبولد، دوق النمسا، رايته على أسوارها.

الملك فيليب، ملك فرنسا، كان يرى أن ريتشارد متعجرف للغاية، لدرجة أنه لم يعد بإمكانه تحمل البقاء مع جيش الصليبيين.

ادعى فيليب أن الجو حار جدا في الأراضي المقدسة، مما جعله يشعر بالمرض. فعاد بجيشه إلى فرنسا، بينما بقي ريتشارد، بالرغم من قسوة المناخ الذي أضر بصحته، وغالبا ما كان هو الآخر يعاني من الحمى هناك.

عندما كان مريضا، اعتاد صلاح الدين أن يرسل له العنب. كما أرسل له حصانا جميلا كهدية. فطلب من إيرل سالزبوري أن يجربه. ولم يكد الإيرل يعتلي ظهر الحصان، ركض بأقصى سرعته إلى جيش المسلمين.

انزعج صلاح الدين للغاية، وكان يخشى أن يؤخذ هذا على أنه خدعة لأخذ الملك الإنجليزي سجينا، وأعطى الإيرل حصانا أكثر هدوءا كي يعود به.

خاض ريتشارد معركة كبيرة في أرسوف، في 7 سبتمبر 1191، مع المسلمين، ثم حاول المضي قدما في الاستيلاء على القدس. لكنه أراد أن يترك قلعة قوية خلفه في عسقلان. فكلف جميع رجاله بالعمل على بنائها.

عندما تذمروا ، عمل معهم ، وطلب من الدوق أن يفعل الشيء نفسه. لكن ليوبولد قال بفظاظة إنه لم يكن نجارا أو بناء. ثم استفز ريتشارد لدرجة أنه قام بضربه، فعاد الدوق إلى منزله وهو في قمة الغضب.

بعد أن عاد الكثير من الجنود إلى بلادهم، وجد ريتشارد أن جيشه لم يعد قويا بما يكفي لمحاولة الاستيلاء على القدس. لقد كان حزينا للغاية. فصعد قمة تل، يمكن منها رؤية المدينة المقدسة. لكنه أدار ظهره وابتعد قائلا: "الذين لا يستحقون الفوز بها، لا يستحقون أن ينظروا إليها".

لم يكن من المفيد، بقائه مع عدد قليل من الجنود. إلى جانب ذلك، جاءت الأخبار بأن الملك فيليب وشقيقه جون كانا يفعلان كل ما في وسعهما لعقد سلام لمدة ثلاث سنوات مع المسلمين. على أمل العودة مرة أخرى بعد ذلك لإنقاذ القدس.

أثناء عودة ريتشارد، كانت هناك عواصف رهيبة. قامت بتشتيت سفنه، ودفع سفينته الخاصة إلى البحر الأدرياتيكي، حيث قام القراصنة بمهاجمته وإغراق سفينته.

لم يجد ريتشارد طريقة للعودة إلى بلده إلا عبر أراضي ليوبولد النمساوية. لذلك تظاهر بأنه بائع جوال يخدمه صبي. لكنه مرض في نزل صغير. وبينما كان يرقد في السرير، ذهب الصبي إلى المطعم وهو يلبس قفاز الملك وحزامه. كان القفاز مطرزا بطريقة فاخرة. فتساءل الناس، وخمنوا أن سيد الصبي يجب أن يكون رجلا عظيما.

سمع دوق النمسا بذلك، وأرسل جنودا لأخذه من الفندق، وقام بسجنه في إحدى قلاعه. بعد ذلك ، تخلى عنه الدوق مقابل مبلغ كبير من المال لإمبراطور ألمانيا.

طوال هذا الوقت، كانت زوجة ريتشارد ووالدته في حزن وخوف شديدين، تحاولان معرفة ما حدث له. يقال إنه تم العثور عليه أخيرا من قبل صديقه، المنشد بلونديل.

المنشد، هو الشاعر الذي يضع الكلمات ويغنيها. وكان العديد من النبلاء والفرسان في دوقية أكيتاين للملكة إليانور من المنشدين.

كان ريتشارد نفسه منشدا جيدا. وكان يسلي نفسه في أسره بالغناء. ويقال إن بلونديل، ظل يغني في جميع قلاع ألمانيا، إلى أن سمع صوت سيده يغني وهو يرد على أغنيته.

جمعت الملكتان، إليانور وبيرينجاريا، مبلغا من المال كفدية، ثمنا لحريته، بالرغم من أن شقيقه جون حاول منعهما. كما بذل ملك فرنسا قصارى جهده لمنع الإمبراطور من إطلاق سراحه.

لكن البابا أصر على إطلاق سراح ريتشارد، فعاد إلى وطنه، بعد عام ونصف من الأسر. وبعد وصوله، غفر لجون كل الأذى الذي سببه له أو حاول القيام به، بالرغم من أنه كان لا يثق به، قال عنه: "أتمنى أن أنسى الأضرار التي سببها جون لي بمجرد أن ينسى هو عفوي عنه."

عاش ريتشارد عامين فقط بعد عودته. كان يحاصر قلعة في أكيتاين، حيث كان هناك كنز، اعتقد أنه أخفي عنه بشكل غير قانوني. ثم توفي، عند إصابته في كتفه بسهم طائش من أحد جنود الحراسة.

عالجه الطبيب بالجراحة، لكن الجرح كان قد تلوث وأحدث غرغرينا تسببت في وفاته في غضون أيام قليلة. تم سجن الحارس الذي أطلق السهم، لكن آخر عمل قام به قلب الأسد، كان الأمر بعدم إلحاق أي ضرر بالحارس. إلا أن الجنود، في نوبة حزنهم وغضبهم لوفاة الملك، قاموا بقتل الرجل شر قتلة.

أوصى ريتشارد بأن يحرق جسده عند قدمي والده، في دير فونتيفرو. والآن يرقد جسده إلى الأبد، مع الأب والأم والابن، الذين تشاجروا كثيرا أثناء حياتهم. تحت نصب تذكاري واحد، ومعهم شقيقة ريتشارد الصغرى، جوان، التي توفيت في نفس الوقت الذي توفي فيه تقريبا، ربما حزنا عليه.


الفصل الثالث عشر

جون، لاكلاند، 1199-1216.


كنوع من المزاح ، كان جون، الابن الأصغر للملك هنري، يسمى لاكلاند، أي الذي لا أرض له. لأنه لم يكن لديه شيء عندما كان لكل إخوته دوقية عظيمة يمتلكها. الاسم يناسبه جيدا في نهاية حياته.

جعله الإنجليز ملكا في الحال بعد وفاة أخيه، ريتشارد قلب الأسد. لم يكن لدى ريتشارد أي أطفال. وشقيقه جيفري، الذي كان أكبر من جون، ترك ابنا اسمه آرثر، كان يبلغ من العمر اثني عشر عاما تقريبا، وكان بحق دوق نورماندي وكونت أنجو.

أخذ الملك الفرنسي فيليب، الذي كان يسعد دائما بإزعاج من كان ملكا لإنجلترا، آرثر تحت حمايته، ووعد بإخراج نورماندي من يدي جون.

إلا أن جون، عقد معه اجتماعا، ونجح في إقناعه بالتخلي عن آرثر، وزواج ابنه لويس من ابنة أخت جون، بلانش، التي كانت لديها فرصة لتكون ملكة على جزء من إسبانيا.

كان لا يزال آرثر يعيش في بلاط الملك الفرنسي، وعندما كان في السادسة عشرة من عمره ، ساعده فيليب على تكوين جيش والذهاب لتجربة حظه ضد عمه.

حاصر آرثر ميرابو، وهي بلدة كانت تعيش فيها جدته الملكة إليانور. فسارع جون، الذي كان آنذاك في نورماندي، لإنقاذها، وقام بهزيمة جيش آرثر وأسره.

نقله أولا إلى روان، ثم إلى قلعة فاليز القوية. لا أحد يعرف تماما ما حدث له هناك. فقد وجده الحاكم، هوبير دي بورج، ذات مرة يقاتل بشدة، للدفاع عن نفسه بدون سلاح مع بعض الحمقى الذين تم إرسالهم لسمل عينيه.

أنقذه هوبير من هؤلاء الأوغاد، ولكن بعد فترة وجيزة، تم نقله إلى مكان آخر. ثم جاء جون بنفسه إلى فاليز. لم يشاهد آرثر على قيد الحياة مرة أخرى بعد ذلك، ويعتقد أن جون، كان قد وضعه في قارب في النهر ليلا، ثم قام بطعنه بيده، وإلقاء جثته في النهر.

لم يكن هناك شك، بأي حال من الأحوال، في أن جون هو المسؤول عن موت ابن أخيه آرثر. وكان معروفا تماما بأنه من أكثر الرجال أنانية وقسوة، الذين عاشوا على الإطلاق.

كما أنه كسول جدا، لدرجة أنه سمح لفيليب بأخذ نورماندي منه، دون أن يحرك ساكنا، لإنقاذ الدوقية القديمة الكبرى ملك أجداده. ومن ثم، لم يتبق له شيء الآن سوى الجزر الأربع الصغيرة، جيرنسي، جيرسي، ألديرني، وسارك.

ساءت الأمور كثيرا في إنجلترا، عندما تشاجر جون مع البابا، إنوسنت، حول من يجب أن يكون رئيس أساقفة كانتربري. أراد البابا رجلا يدعى ستيفن لانجتون أن يكون هو الرئيس، لكن الملك أقسم بأنه لن يسمح له بالقدوم إلى المملكة أبدا.

فقام البابا بعقاب المملكة، بمنع جميع الخدمات الكنسية في جميع الكنائس التابعة. لم ينزعج جون كثيرا من هذا الإجراء، بالرغم من أن شعبه كانوا كذلك.

ولكن عندما وجد أن البابا إنوسنت كان يحرض ملك فرنسا ليأتي لمهاجمته، اعتقد أن الوقت قد حان لصنع السلام مع البابا. لذلك لم يوافق فقط على استقبال ستيفن لانجتون، مندوب البابا، بل ركع أمامه وخلع تاجه، وسلمه له، رمزا على أنه يحتفظ بالمملكة فقط عن طريق البابا.

لقد مر يومان أو ثلاثة قبل إعادة التاج إليه. واعتبر البابا نفسه سيدا لإنجلترا، وجعل الملك والشعب يدفعون له ما يريد من أموال.

طوال هذا الوقت، كانت قسوة جون ووحشيته قد جعلت المملكة كلها بائسة. ولم يعد بإمكان البارونات الكبار تحملها. فالتقوا معا واتفقوا على أن يجعلوا جون يقسم على أن يلتزم بالقوانين الإنجليزية القديمة الجيدة، التي كانت سائدة قبل مجيء النورمان.

كانت الصعوبة هي التأكد من ماهية هذه القوانين. لأن معظم نسخها قد فقدت مع الأحداث. ومع ذلك، وضع رئيس الأساقفة لانجتون وبعض حكماء البارونات، مجموعة من القوانين.

بعضها منسوخ من القوانين القديمة، وبعضها جديد أو منقول. لكن كلها تمنح البارونات بعض السيطرة على الملك، وتمنعه من قيادة الجيش واستخدامه لتخويف الناس وسلب أموالهم.

هذه القوانين أطلقوا عليها اسم ماجنا كارتا، أو الميثاق العظيم. جاءوا جميعا في دروع، وأخذوا جون على حين غرة في وندسور.

جاء لمقابلتهم في مرج يدعى رونيميد، على ضفة نهر التايمز، وهناك أجبروه على التوقيع على الميثاق، الذي يحترمه جميع الإنجليز.

لكن جون لم يكن يعني احترام هذا الاتفاق. وعند عودته إلى قلعة وندسور، كان قد بلغ به الغضب حدا، جعله يقضم عصى الملك، ويقسم أنه ليس ملكا.

ثم أرسل المزيد من الجنود الشرسين، الذين كانوا يعملون كعصابات مرتزقة، للانتقام من البارونات. فوجد البارونات أنفسهم غير أقوياء بما يكفي للوقوف ضد الملك جون.

لذلك، دعوا الملك الفرنسي لويس، ابن فيليب، وزوج ابنة أخت جون، كي يأتي ويكون ملكا لهم. جاء، واستقبل في لندن، بينما كان جون وجنوده يتجولون في المقاطعات الشرقية، يدمرون ويحرقون المنازل والحقول، إلى أن وصلوا إلى خليج واش، بين لينكولنشاير ونورفولك، حيث تصب العديد من الأنهار في البحر.

هناك طريق آمن عبر الرمال في هذا الخليج، عندما يكون المد منخفضا، ولكن عندما يأتي المد وتلتقي مياه البحر بالأنهار، يحدث الفيضان.

هذا ما حدث للملك جون. فقد خرج بنفسه مع جيشه، لكن جميع العربات التي تحمل عتاده وكنوزه ضاعت في الفيضان، وفقد العديد من رجاله.

كان مليئا بالغضب والحزن، لدرجة أنه ذهب إلى الدير كي يستريح هناك. وبعد تناوله للخوخ والبيرة بفترة وجيزة، أصبح مريضا جدا. ثم مات في غضون أيام قليلة. وهو في حالة بؤس شديد، حيث كان يقاتل نصف شعبه ضده، وكانت العاصمة لندن، واقعة في أيدي ألد أعدائه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هل تعترف دول الاتحاد الأوروبي بالدولة الفلسطينية المستقلة؟


.. ما السيناريوهات المحتملة لرد إيران على قصف قنصليتها في العاص




.. -الثعلب الطائر-..9 خفافيش كبيرة تحلّق في هذه -الغابة المطيرة


.. لوحات رومانية جديدة.. شاهد ما اكتشفه علماء الآثار أثناء التن




.. ترقب للرد الإيراني على ضربة القنصلية وتل أبيب تعرب عن استعدا