الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


السلام العالمي لكانط والرؤية البهائية لمستقبل النظام العالمي- (11-14)

راندا شوقى الحمامصى

2023 / 8 / 28
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


قضية أخرى هي مشكلة "المتعال the transcendent". و بوضعها فى أوضح تعبير، فإن الصعوبة تدور حول هذا السؤال، "هل يمكننا تحقيق السلام الدائم عن طريق العقل الحضورى immanent reason وحده؟" [يعتقد بعض الفلاسفة أن عقل الإنسان الحضورى/المحايث يمكن أن يصل العقل الإلهى و بالتالى لا حوجة للدين]. فالعقل الحضورى يرفض أي إقتراح من المتعال، أي الله، بإعتباره عاملاً ضروريا في السعي من أجل السلام و يجعل حدود نفسه فى عالم اعتيادي. غير ان، إذا أريد للسلام الدائم ألا يوجد لديه أسس أفضل و أكثر موثوقية من العقل البشري، فثم إن عاجلا أو آجلا سيتم تحدى هذا السلام من خلال فكرة أخرى. و ربما أن إعتقاداً سوف ينشأ بأن الحرب هى نظافة جيدة للأمة والأنواع good hygiene، و ذلك بأنها تخلصنا من الضعفاء وغير الصالحين و غير المؤهلين وتؤسس للهيمنة الطبيعية للأقوى بيولوجياً و فكرياً. فإذا الأفكار ليس عليها سلطة أخرى غير نفسها، فمن ذا الذي يقول إن هذا البديل الأخير بأنه خاطئ أو شر؟ و كل ما يمكننا القيام به هو القول على هذا الأساس أنه لا زال هناك فكرة أخرى بعد و التي لديها أيضا سلطتها في حد ذاتها فقط. وبالتالي، فنحن عالقون في تراجع لانهائي مما يجعل الحل مستحيلا - و هذا هو الوضع الذي يجعل السلام الدائم إحتمالاً غير مرجح. فإذا ما العقل الحضورى ليس كافياً ليعمل بمثابة أساس لحسن النية و السلام، إذن فنحن على الأقل مضطرون لدراسة البدائل.
وفقا لحضرة عبد البهاء، فهناك أدلة جيدة لرفض العقل الحضورى بأنه كافٍ. فمقترحات كانط تعمل في إطار ما يدعوه حضرة عبد البهاء "الحضارة المادية material civilization" (PUP 11) و التي تتعلق بالعلمية والتقنية والإقتصادية، والحكومة والقانون وهلم جرا. لكن، وكما يشير حضرة عبد البهاء، وكما تعلمّنا في القرن العشرين، وحتى على درجة عالية من الحضارة المادية فإنها ليست على يقين حصنا متراساً ضد الهمجية:
"التقدم والهمجية يسيران جنبا إلى جنب، ما لم يتم تأييد الحضارة المادية بالتوجيه الإلهي، من قِبل ظهورت الرحيم و الفضائل الإلهية، وبتعزيزها بالسلوك الروحاني ... و لذلك، ينبغي الجمع بين هذه الحضارة والتقدم الماديين و الرشاد الأعظم" {ترجمة تقريبية} (SWAB 284).
ويضيف في مكان آخر،
"من بين تعاليم حضرة بهاءالله أنه على الرغم من أن الحضارة المادية هي واحدة من الوسائل لتقدم العالم البشري، ولكن حتى تصبح مجتمعة مع الحضارة الإلهية، فالنتيجة المرجوة، والتي هى السعادة البشرية، لن تتحقق. أنظروا الى هذه البوارج الحربية التي تحول مدينة الى أنقاض فى مدى ساعة هي نتيجة للحضارة المادية." {ت ت} (SWAB 303)
إذن، فالعقل الحضورى وما ينتج عنه من الحضارة المادية هما غير قادرين على تقديم السلام للعالم لأجل المرحلة المقبلة من تطوره لأنهما لا يمكن أن يفعّلا التحول و التغيير الداخلي/الباطنى، أي الحب العالمي و النية الحسنة، اللازمين لإحلال السلام. لذا، في حين أنهما أمر لازم، فهما ليسا كافيين لتحقيق هدف السلام الثابت و الدائم.
و هذا الإستنتاج يقود إلى سؤال جديد: "ما الذى يمكن للدين توفيره بينما لا يمكن للعقل الحضورى؟" فالأكثر وضوحاً، أن الدين يمكن أن يوفر عنصر "المتعال the transcendent"، أي الإعتقاد، و كيفما قد تبيّن، فإن هناك شيئا ما وراء حدود الإدراك البشري و الخبرة الإنسانية العادية و الذي معه يمكننا و يجب تطوير علاقة إيجابية. فالوجود العالمي للإعتقاد في المتعال في جميع الثقافات المعروفة من جميع العصور التاريخية و الأماكن، ناهيك عن العودة القوية للإيمان الديني بعد عقود من القمع المنهجي في الكتلة السوفياتية السابقة، يقدم أدلة قاطعة على أن الإعتقاد في المتعال متأصل في الطبيعة الإنسانية. [46 : في الفصول الدراسية فى الإتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية، كانت دورات دروس "الإلحاد العلمي scientific atheism" إلزامية في كل المدارس. و أن التجدد المفاجئ للدين في هذه البلدان بعد 50- 80 سنة من التعليم ضد الديني الصارم يبرز فشل الإلحاد العلمي في إقناع أجزاء كبيرة من السكان ويقوي الحجة لتلبية الإحتياجات الدينية المتأصلة فى البشرية.]. و سواء كان هذا الإيمان متطوراً فكريا أم لا – و هو أمر غير ذي صلة - فإن الضرورة التى يفى بها هى نفسها. فالمتعال يمكن ان يسمى الله، الآلهة، تاو، البراهمي، الواحد، الغيب أو أي شيء آخر ولكنه في كل حالة فإنه موجود خارج حدود كل شيء إعتيادي والبشر المحدودين. و يبدو أن الأفكار التى ترتكز على "المتعال"، أي الأفكار التي "تأتي من الله فهى أيضا تظهر قوة تحويلية تغييرية أكبر بكثير من الأفكار النابعة من البشر. و يؤكد حضرة عبد البهاء ذلك عندما يقول أن تأثير أعظم الفلاسفة لا يصل لأي مكانة قريبة من تأثير المظاهر الإلهية (الرسل) الذين هم يتحدثون باسم المتعال. (PT 164, SAQ 14). وأن الأصل المتعال لتعاليمهم يعطي هذه الأفكار الشرعية والسلطة و النفوذ و التي لم تكن لأفكار الإنسان المجردة فى أي وقت مضى.
و هذا يؤدي إلى خط من الفكر مشوق. فحتى إذا كان أحد لا يعتقد في الحقيقة الوجودية للمتعال، نظرا للقوة الهائلة التي لها إعتقاد فيه بشكل واضح، فهناك أسباب للتصرف كما لو كان موجودا حقا. فلماذا لا نستفيد من هذه الفكرة، ما دام أنها ستكون دائما عاملاً في الشؤون الإنسانية ؟ في الواقع، إن كانط قد قام بشيء مثيل جدا لهذا في نقد العقل العملي Practical Reason. و يناقش كانط "وجود الله كإفتراض مسلم به للعقل الخالص العملي pure, practical reason." ووفقا لكانط ، فإن العقل العملي "يجب عليه إفتراض وجود الله، كشرط ضروري لبلوغ إمكانية أعلى الخير summum bonum ( موضع الإرادة التي ترتبط بالضرورة مع التشريعات الأخلاقية للعقل الخالص )". فالإيمان بالله الواحد (التوحيد) الإفتراضى لكانط يحمل بأنه على الرغم من أننا لا نستطيع إثبات وجود الله فكرياً تأملياً، أي عن طريق حجة منطقية، فيجب علينا، مع ذلك ، أن نفترض وجود الله كمسألة عملية بحتة، أي كأساس للأخلاق. وإلا كيف يمكن أن الأوامر و الوصايا الأخلاقيه تكسب الشرعية و السلطة النهائية ؟ فهناك حاجة إلى الله لأن الأخلاق مرتبطة بتحقيق أكبر فائدة /خير ممكن (summum bonum) و أن الله هو الوحيد الذي يمكن أن يجعل هذا الخير الأعلى مسألة من الواجب الأخلاقي المطلق. و كخالق لكل شيء، فهو وحده الذى لديه، أو يمكن أن يكون له الشرعية والسلطة الأقصى للقيام بذلك. وهذا هو السبب "من الضروري أخلاقيا أن نفترض وجود الله." ونتيجة لذلك، على أساس عمل كانط نفسه، يمكننا التأكيد على أن الدين يمنح سبباً عملياً لإرتكاز ضرورة الحب العالمي و النية الحسنة على وجود الله.
لكن، فإن كانط لم يستفد من هذا الجانب الديني من فكره في مقالة "السلام الدائم". و هذا هو الفرق الرئيسي عن الآثار (الكتابية) البهائية المقدسة التي، بطبيعة الحال، ترفض تماما فكرة "التوحيد الإفتراضى postulatory theism" المجرد و تعترف بالحقيقة الوجودية لله، و حتى من وجهة نظر منطقية صارمة بحتة. يقول حضرة عبد البهاء:
"إن وجود الكينونة الإلهية قد تقرر بشكل واضح، على أساس من البراهين المنطقية، ولكن حقيقة الألوهية هى أبعد من متناول العقل." (SWAB 46)
"الألوهية Godhead" غيب منيع و لا سبيل لمعرفتها، ولكن الضرورة المنطقية لمثل هذه الكينونة يمكن ان تكون معروفة من قِبل الإنسان في حدود التجربة البشرية والعقل. و من المناقشة السابقة، يمكننا أن نستنتج أن النهج الديني لتأسيس وصيانة السلام العالمي هو أكثر إحتمالا للنجاح من النهج العقلاني المحض مثل الذي إتخذه كانط.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. زفة الأيقونة بالزغاريد.. أقباط مصر يحتفلون بقداس عيد القيامة


.. عظة الأحد - القس باسيليوس جرجس: شفاعة المسيح شفاعة كفارية




.. عظة الأحد - القس باسيليوس جرجس: المسيح متواجد معنا في كل مكا


.. بدايات ونهايات حضارات وادي الرافدين




.. شاهد: المسيحيون الأرثوذوكس يحتفلون بـ-سبت النور- في روسيا