الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تاريخ إنجلترا – 11 إدوارد الرابع والخامس

محمد زكريا توفيق

2023 / 9 / 25
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


الفصل الثاني والعشرون

إدوارد الرابع، 1461-1483.


أصبح إدوارد الرابع ملكا على إنجلترا، قبل أن تنتهي حرب الورود الحمراء والبيضاء، التي كانت بين عائلتي يورك ولانكستر، واستمرت قرابة الثلاثين عاما.

كان إدوارد الرابع قاسيا ولئيما، لدرجة أنه قاد الملك السابق، هنري السادس إلى لندن، وقدميه مقيدتان معا تحت حصانه، بينما كان الجنود يضربونه على وجهه وهم يصرخون: "ها هو الخائن!"

لكن هنري كان صبورا وهادئا طوال الوقت. وعندما سجن في برج لندن، كان يقضي جل وقته في القراءة والصلاة، أو اللعب مع كلبه الصغير.

كانت الملكة مارجريت وابنها إدوارد يعيشان مع والدها في فرنسا، وكانت تحاول دائما إطلاق سراح هنري زوجها وإعادته إلى عرشه.

في غضون ذلك، فوجئت كل إنجلترا باكتشافها أن إدوارد الرابع كان متزوجا في السر من سيدة جميلة تدعى إليزابيث وودفيل.

مات زوجها الأول وهو يقاتل من أجل الملك هنري السادس، فوقفت تحت شجرة بلوط، أثناء مرور الملك إدوارد، كي تتوسل إليه حتى لا يصادر أراضي أولادها الصغار.

فوقع الملك في حبها وتزوجها سرا، لأنه كان يخشى لفترة طويلة إخبار إيرل وارويك، السياسي والقائد الحربي. وعندما فعل ذلك، شعر إيرل وارويك بالإهانة الشديدة.

لم يكن لدى وارويك نفسه ابن، لكن كان لديه ابنتان، كان يبغي زواجهما من شقيقي الملك، جورج، دوق كلارنس، وريتشارد، دوق جلوستر.

اعتقد إدوارد أن هذا سيقوي نفوذ وارويك جدا. وبالرغم من أنه لم يستطع منع جورج من الزواج من إيزابيل نيفيل، الابنة الكبرى، إلا أن السخط نما بشدة، لدرجة أن وارويك أقنع جورج بالانقلاب على أخيه الملك إدوارد، وتقديم مساعدتهما للملكة مارجريت.

لا عجب أن مارجريت لم تثق بهما، وكان من الصعب جدا إقناعها بأن وارويك يمكن أن يعمل لما فيه مصلحتها. لكنها وافقت أخيرا، وسمحت بزواج ابنها إدوارد، وهو فتى جيد يبلغ من العمر ستة عشر عاما، من ابنته آن نيفيل.

بعد ذلك، عاد إيرل وارويك، الذي بدأ الرجال يطلقون عليه اسم صانع الملوك، إلى إنجلترا مع جورج، دوق كلارنس، شقيق إدوارد، لتجميع رجالهما، بينما كانت ستتبعهما مارجريت مع ابنها وزوجته الشابة.

جاء وارويك فجأة، وأخذ يوركيستس على حين غرة. فاضطر إدوارد إلى الفرار للنجاة بحياته إلى فلاندرز، تاركا زوجته وأطفاله الصغار للاحتماء في دير وستمنستر.

ثم أخرج هنري السادس من السجن، وتم وضعه على العرش مرة أخرى. لكن، سرعان ما حصل إدوارد على المساعدة في فلاندرز، حيث تزوجت أخته من دوق بورجندي.

فعاد مرة أخرى، وجمع أصدقاءه، وأرسل رسائل إلى شقيقه جورج، دوق كلارنس، بأنه سيسامحه إذا هجر إيرل وارويك. وكان جورج عديم الشرف، فهجر واروك. وقامت معركة بارنت هيث، قتل فيها وارويك وجورج وآخرين.

كانت هذه هي الأخبار الأولى التي قابلت مارجريت، عندما هبطت في بليموث، بعد أن أعاقها الطقس السيئ لفترة طويلة. كان من الأفضل لها أن تعود، لكن ابنها إدوارد كان يتوق إلى توجيه ضربة لأعدائه، وكان لديهم أصدقاء في ويلز يأملون في مقابلتهم. لذلك شقوا طريقهم إلى جلوسيسترشاير.

لكن، نزل عليهم الملك إدوارد، مع إخوته، في توكسبري، وهناك هزم جيشهم. وهي واحدة من إحدى المعارك الحاسمة في حرب الوردتين. وقعت في 4 مايو من عام 1471.

هُزمت فيها القوات الموالية لأسرة لانكاستر من قبل جيش أسرة يورك بقيادة إدوارد الرابع، في هذه المعركة قُتل فيها ولي عرش مملكة إنجلترا من أسرة لانكاستر، وهو إدوارد وستمنستر، مع العديد من النبلاء البارزين الذين قُتلوا أثناء المعركة أو بعد يومين من فرارهم من أرض المعركة.

وتم سجن الملكة مارغريت، كسيرة القلب، وحملت إلى البرج، حيث وصلت بعد يوم أو يومين من مقتل الأسير الوديع والمجنون، الملك هنري السادس، حتى لا يكون هناك المزيد من الانتفاضات باسمه. وهكذا انتهت حرب يورك ولانكستر، أو حرب الوردتين، التي استمرت ثلاثين عاما.

كان إدوارد الرابع مرحا لطيفا عندما لا يغضب، وكان يستطيع أن يكون ملكا جيدا، إن لم يكن كسولا وأنانيا ومليئا بالرذائل. لقد شرع بالفعل في غزو فرنسا، لكن خاب وعاد بخفي حنين، وصار أضحوكة الجميع.

أجرى مقابلة مع ملك فرنسا فوق جسر نهر السوم في فرنسا، وتحدثا من خلال نوع من السياج، حيث كان كل منهما لا يثق في الآخر، ومن ثم لزم وجود حاجز بينهما.

أما بالنسبة لجورج، شقيق الملك إدوارد، فإن الملك لم يكن يثق به أبدا منذ سلوكه المخزي عندما تمرد وارويك. وكان ريتشارد أخوه، دائما يخبر الملك بكل الأشياء السيئة والحمقاء التي كان يفعلها أو يقولها.

أخيرا، بعد تراكم كمية كبيرة من الغضب، أمر الملك إدوارد بسجن جورج دوق كلارنس في البرج. وهناك، قبل مرور فترة طويلة، قتل هو أيضا. كانت الشائعات تقول إنه غرق في بحر من نبيذ، لكن هذا ليس صحيحا على الإطلاق. ترك طفلين صغيرين ، صبي وفتاة.

لقد حدثت مذابح كثيرة، لدرجة أن معظم العائلات النبيلة في إنجلترا فقدت العديد من أبنائها، وقدرا كبيرا من ثرواتها، ولم يعد لأي منهم نفوذه القوي.

وجد ريتشارد، دوق جلوستر، آن ابنة وارويك صانع الملوك، مختبئة كخادمة في لندن. وتم إقناعها بالزواج منه. كان رجلا صغيرا ، نحيفا ، خفيفا، بكتف أعلى من الآخر، وعينين داكنتين ماكرتين. بعكس الملك إدوارد، الذي كان طويلا جدا، بوجه وسيم وعينين زرقاوين. وكان هذا التباين، يثير الضحك بين الناس.

في هذا العهد، بدأت طباعة الكتب في إنجلترا. لقد تم اكتشاف الطباعة في ألمانيا قبل ذلك بقليل، وتم عرضها على هنري السادس، لكن مشاكل عصره منعته من الاهتمام بها.

إلا أن شقيقة إدوارد، دوقة بورجندي، شجعت كثيرا طباعة الكتب في لندن. لقد حدث تغيير كبير آخر. منذ زمن بعيد، في زمن هنري الثالث، حيث صنع راهب يدعى روجر بيكون البارود.

لم يستخدمه أحد كثيرا في ذلك الوقت. لكن في عهد إدوارد الثالث، اكتشف كيف يمكن استخدامه كذخيرة للمدافع. ويقول البعض إنه تم استخدامه لأول مرة في معركة كريسي.

لكن، لم يتم اختراع البنادق الصغيرة التي يستطيع كل جندي حملها، حتى عهد إدوارد الرابع. وبعد ذلك تم تغيير طريقة القتال بأكملها تدريجيا.

أحدثت كل من الطباعة والبارود تغييرات كبيرة في كل شيء، ولكن بالتدريج. ولم يعش الملك إدوارد الرابع، ليرى هذه التغييرات. لقد أضر بصحته باحتفالاته ولهوه، وتوفي في منتصف العمر، في عام 1483.


الفصل الثالث والعشرون

إدوارد الخامس، 1483.


ترك إدوارد الرابع ثلاث بنات وولدين: إدوارد، أمير ويلز، الذي كان يبلغ من العمر الثانية عشر عاما، وريتشارد، دوق يورك، الذي كان في التاسعة من عمره.

نشأ إدوارد في قلعة لودلو، حيث ينشأ أمراء ويلز دائما، مع خاله، اللورد ريفرز، وأخوه غير الشقيق ريتشارد. عندما جاءت الأخبار بوفاة والده، سارعوا في إحضاره إلى لندن ليتم تتويجه ملكا على إنجلترا.

في غضون ذلك، اتفق دوق جلوستر والعديد من النبلاء، وخاصة دوق باكنجهام، على أنه لا يجب أن تستمر الملكة وإخوتها في امتلاك كل السلطة، كما حدث في زمن إدوارد.

قبل أن يصل الملك إدوارد الخامس إلى سن البلوغ، كان عمه ريتشارد، دوق جلوستر، هو الشخص المناسب للحكم نيابة عنه، وسرعان ما وضع حدا لعائلة وودفيل.

بيد أن النزاع الذي استفحل بين نبلاء وودفيل، أخوال الملك إدوارد الخامس، المسيطرين عليه، ودوق جلوستر، دفع الأخير ٍإلى اعتقال قادة حزب وودفيل، والاستيلاء على ممتلكات الملك إدوارد وأخيه الصغير ريتشارد دوق يورك، وسجن الطفلين في برج لندن، الذي كان مقراً للإقامة الملكية وسجنا في آن واحد. وفي وقت قصير، تم قتلهما هناك بدم بارد.

صديق آخر للملك الراحل إدوارد الرابع، والمدافع عن أولاده، كان هو اللورد هاستينجز. بينما كان جالسا على طاولة المجلس في برج لندن، مع اللوردات الآخرين، دخل العم ريتشارد، وأظهر ذراعه النحيلة المنكمشة، وأعلن أن اللورد هاستينجز قد سحره، وأصاب ذراعه.

بدأ اللوردات الآخرون يشككون في الأمر، ويقولون إن فعل ذلك غير محتمل. لكن ريتشارد لم يكن يستمع إلى أحد، وقال إنه لن يتناول العشاء قبل أن يقطع رأس هاستينجز. وتم تنفيذ ذلك بكل قسوة.

انتهى عهد إدوارد الخامس القصير في 26 حزيران عام 1483، حين أعلن مجلس اللوردات، تنصيب العم ريتشارد، دوق جلوستر، ملكاً على إنجلترا باسم ريتشارد الثالث. بعد إقرار صحة ادعائه بأن زواج أخيه إدوارد الرابع من إليزابيت وودفيل باطل، وأن ولديه إدوارد وريتشارد غير شرعيين.

بعد ذلك بمدة وجيزة، اختفى الولدان الاثنان من برج لندن إلى الأبد، ويعتقد أنهما قد قُتلا على أيدي أعوان العم، الملك ريتشارد الثالث في آب عام 1483.

رأت الملكة الأم أن الخطر كان باديا، فذهبت مع جميع أطفالها الآخرين إلى ملجأها السابق في وستمنستر. كما أنها لم تترك مكانها عندما ركب ابنها إدوارد للتتويج إلى لندن، وتم نقله إلى البرج، الذي كان آنذاك قصرا وسجنا في آن واحد.

قال العم ريتشارد والمجلس إن هذا الخوف لا مبرر له، وأن دوق يورك الصغير يجب أن يكون مع أخيه. وأرسلوا رئيس أساقفة كانتربري لحث الأم على التخلي عن الصبي، أخي الملك .

وجد الأسقف الملكة جالسة، مسدلة شعرها الطويل المتدفق حولها، وأطفالها بجوارها. تحدث معها بلطف في البداية وحاول إقناعها بما كان يؤمن به حقا.

وأن مخاوفها كلها وأوهامها الحمقاء لا مبرر لها. وأن العم ريتشارد، دوق جلوستر، لا يمكنه أن يمس ابن أخيه الصغير بسوء، وأن الأخوين يجب أن يكونا معا في حفظه ورعايته.

بكت الأم إليزابيث، وقالت إن الطفلين يكونان أفضل حالا عندما يكونان متباعدين، لأنهما يتشاجران باستمرار عندما يكونان معا. كما أنها لا تستطع التخلي عن ابنها ريتشارد الصغير.

في الحقيقة، كان لديها احساس الأمومة بأن عمهم أراد التخلص منهما لكي يستولى على الحكم لنفسه. وكانت تعلم أن ابنها إدوارد سيكون في مأمن طالما أخوه ريتشارد معها. لأن التخلص من أحد الطفلين دون الآخر لن يجعله ملكا.

رئيس الأساقفة، الذي صدق كلمات ريتشارد السلسة، وكان رجلا طيبا ولطيفا جدا، اعتقد أن هذا كله وساوس امرأة، وأخبرها أنها إن لم تتخلى عن الصبي بمحض إرادتها، أخذه منها عنوة.

لو كانت حقا أما حكيمة وشجاعة، لكانت ذهبت إلى البرج مع ولديها، كملكة وأم، وراقبت أطفالها بنفسها. لكنها كانت دائما امرأة غبية، وكانت خائفة على نفسها. لذلك تركت رئيس الأساقفة يأخذ طفلها بعيدا عنها، وجلست فقط تبكي.

حدث بعد ذلك، أن العم ريتشارد، دوق جلوستر، تسبب في قيام الدكتور شو بإلقاء خطبة لشعب لندن في الهواء الطلق، موضحا أن الملك إدوارد الرابع. كان رجلا سيئا للغاية، ولم يتزوج أبدا بشكل صحيح من السيدة إليزابيث، وبالتالي لم تكن ملكة على الإطلاق، ولم يكن لأطفالها الحق في الحكم.

أحب سكان لندن العم ريتشارد وكرهوا عائلة وودفيل، وبعد بعض الخطب من هذا النوع، كان هناك الكثير من الناس يميلون إلى اتخاذ الرجل ملكا لهم بدلا من الصبي، لدرجة أن دوق باكنجهام قاد مندوبا ليطلب من ريتشارد قبول التاج بدلا من ابن أخيه.

تظاهر ريتشارد بأن الفكرة برمتها كانت جديدة تماما بالنسبة له، لكنه قبل التاج بشهية يحسد عليها. ثم أرسل لزوجته آن نيفيل وابنها بالحضور، وسرعان ما توج كملك إنجلترا، ريتشارد الثالث.

أما بالنسبة للصبيين، فلم يرهما أحد خارج البرج مرة أخرى. وتم إرسالهما إلى سجن البرج، ولا أحد يعرف بالضبط ماذا حدث لهما هناك.

لكن ليس هناك شك في أنهما قد قتلا بالفعل. فبعد بضع سنوات، اعترف رجلان بأنهما قاما بخنق الأخوين بالوسائد أثناء نومهما. لقد أضافا بعض التفاصيل التي يصعب تصديقها، إلا أن القصة من المرجح أنها صحيحة.

بعد مائتي عام كاملة ، تم العثور على صندوق تحت درج، في ما يسمى البرج الأبيض، يحتوي على عظام، من الواضح أنها كانت تخص ولدين، تتراوح أعمارهما بين اثني عشرة سنة وتسع سنوات.

وضعت هذه العظام في جرة رخامية بين مقابر الملوك في دير وستمنستر. لكن حتى يومنا هذا، هناك بعض الناس الذين يشككون فيما إذا كان إدوارد الخامس وأخوه ريتشارد قد قتلا حقا.

ملحوظة:
استخدم ويليام شكسبير عام 1591 شخصية ريتشارد الثالث في إحدى مسرحياته، لتسليط الضوء على فترة حكمه، وما تخللها من أحداث تاريخية مهمة، أدت إلى مقتله في معركة بوسورث.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مكالمة هاتفية بين بايدن ونتانياهو أجلت عملية الرد الإسرائيلي


.. كيف أثرت الضربة الإيرانية على نتنياهو، وهل ساعدته في تحسين ص




.. اشتباكات عنيفة بمدينة الفاشر بولاية شمال دارفور ومقتل العشرا


.. كيلي كيلمنتس: مؤتمر باريس سيبحث إيجاد حل سياسي للنزاع في الس




.. وول ستريت جورنال نقلا عن مسؤولين: إسرائيل قد ترد اليوم على ا