الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تاريخ إنجلترا – 14 إدوارد السادس، ماري الأولى

محمد زكريا توفيق

2023 / 10 / 16
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


الفصل الثامن والعشرون

إدوارد السادس، 1547-1553.


حكم الابن الصغير لهنري الثامن وجين سيمور بعد والده باسم إدوارد السادس. لقد كان فتى هادئا ولطيفا، مغرما للغاية بالتعلم والدراسة، وكانت الناس تتوقع أن يكون حاكما عظيما. لكن، نظرا لأنه كان يبلغ من العمر تسع سنوات فقط، كان هناك مجلس يدير شؤون الدولة نيابة عنه.

كانت رئاسة المجلس تتكون من خالين له، هما إدوارد وتوماس سيمور. أصبح أكبرهم دوق سومرست. لكن، لم يمض وقت طويل، قبل أن يتشاجر الخالان، الدوق مع شقيقه توماس، ويضعه في البرج، ثم يقوم بقطع رأسه أخذا بالأحوط. فبدا كما لو كانت أيام هنري الثامن، لم تنته بعد.

أراد دوق سومرست، ورئيس الأساقفة كرانمر، إجراء العديد من التعديلات في كنيسة إنجلترا، والبعد بها عن كنيسة البابا في روما، أكثر مما كان يسمح به هنري الثامن أثناء حكمه.

فقاما بترجمة جميع تراتيل كتاب الصلاة إلى اللغة الإنجليزية، تاركين الأجزاء التي لم يوافقا عليها. وكانت تتم قراءة الدروس من الكتاب المقدس باللغة الإنجليزية، وكان الناس سعداء للغاية، بقدرتهم على العبادة والاستماع إلى كلمة الله بلغتهم الأصلية.

اليوم الأول، الذي تم فيه استخدام كتاب الصلاة باللغة الإنجليزية، هو يوم الأحد الأبيض عام 1548. وتم ربط الأناجيل بالسلاسل إلى المكاتب، باعتبارها ثروة ثمينة وقيمة للغاية.

كانت الحشود تقف، أو تجلس، وتستمع لساعات معا إلى أي شخص يقرأ لهم، دون أن يهتموا إذا كان هو رجل دين أم لا. وكان معظم من يقوموا بالشرح، لم يتم تعليمهم بشكل جيد، وكانوا يرتكبون أخطاء فادحة في أغلب الأحوال.

في الواقع، في ألمانيا وفرنسا، كانت هناك أحداث مشابهة، تجري منذ بعض الوقت، ولكن بدون موافقة من الملوك أو الأساقفة، كما هو الحال في إنجلترا. وبالتالي، استطاع الإصلاحيون هناك الانفصال تماما عن الكنيسة في روما، وتخيلوا أنه يمكنهم الاستغناء عن الأساقفة.

سمي هذا الانفصال الكبير بالإصلاح، وفي ألمانيا، أطلق الإصلاحيون على أنفسهم اسم البروتستانت، لأنهم احتجوا على بعض تعاليم كنيسة روما.

كان كرانمر، في وقت من الأوقات، في ألمانيا، وأقام صداقات مع بعض هؤلاء البروتستانت الألمان والسويسريين، ودعاهم إلى إنجلترا للتشاور ومساعدته هو وأصدقائه.

جاء العديد منهم، فوجدوا خطأ في كتاب الصلاة الإنجليزي القديم، وتم تغييره لإرضائهم، وإصداره ككتاب ثان للملك إدوارد.

في الواقع ، حاولوا إقناع الإنجليز بأن يكونوا مثلهم بروتستانت، وتقديم عدد قليل جدا من الخدمات والطقوس، بدون زخارف في الكنائس، وبدون أساقفة.

وبدا أن الأمور تميل أكثر فأكثر إلى ما يرغبون فيه، لأن الملك كان أصغر من أن يفعل ما يريده معلموه وحكامه، وكان عمه وكرانمر إلى جانبهم.

ومع ذلك، كان هناك نبيل آخر، دوق نورثمبرلاند، الذي أراد أن يكون قويا مثل دوق سومرست. كان ابن دادلي، القاضي الشرير في عهد هنري السابع.

صار نورثمبرلاند ثريا جدا، وتمكن من الاستفادة من استياء الناس من سومرست، لوضع الملك تحت سيطرته. ثم قام باتهام سومرست بالخيانة، وإرساله إلى البرج، لقطع رأسه.

كان الملك، إدوارد السادس، في هذا الوقت في السادسة عشرة من عمره. لم يكن بصحة جيدة أبدا، وكان يتعلم ويعمل فوق طاقته. كتب يومياته. وكان بالقرب منه من أحبوه واهتموا به. إلا أن صحته كانت تتراجع بسرعة.

كانت هناك صعوبة كبيرة فيما يتعلق بمن سيصبح ملكا بعده. كانت أخته الكبرى، ماري، هي الوريث الطبيعي. لكن الملك هنري الثامن، الأب، سبق أن منع التحدث عنها وعن اختها إليزابيث كأميرات أو وريثات للتاج.

إلى جانب ذلك، كانت ماري تؤمن بشدة بتعاليم الكنيسة في شبابها، فتوقع المصلحون أنها سوف تتراجع عن كل أعمالهم الإصلاحية.

كانت هناك فتاة اسكتلندية صغيرة، تدعى أيضا ماري، حفيدة مارجريت، الابنة الكبرى لهنري السابع. وهي طفلة مسكينة، كانت ملكة منذ الطفولة، لأن والدها مات من الحزن عندما كان عمرها أسبوعا واحدا فقط.

ثم جاءت فكرة تزويجها من الملك إدوارد السادس، لأسباب سياسية، لكن الفكرة لم ترق للاسكتلنديين، فأرسلوها بعيدا للزواج من دوفين فرانسوا، الابن الأكبر لملك فرنسا.

إذا لم يتيسر لأخوات إدوارد الحكم من بعده، فماري الاسكتلندية تأتي بعد ذلك، ويكون من حقها وراثة عرش إنجلترا. لكن الإنجليز لم يكونوا ليقبلوا الانضمام إلى الفرنسيين تحت حكم ملكة واحدة. وكانت هناك أيضا، حفيدات ماري، تلك الأخت الأخرى لهنري الثامن، اللواتي كن إنجليزيات بالكامل.

كانت السيدة جين جراي، أكبرهن، وهي فتاة جيدة وحلوة ومتدينة ومجتهدة، تبلغ من العمر خمسة عشر عاما، تعلمت بشكل رائع. لكن، ليس لهذا السبب، بل لدمائها الملكية، طلب دوق نورثمبرلاند منها الزواج من ابنه، جيلدفورد دادلي.

عندما تزوجا، بدأ الدوق وكرانمر في إقناع الملك الشاب المريض بأنه من واجبه ترك تاجه، لا لأخته ماري، ولكن للسيدة جين جراي، التي ستستمر في الإصلاح الديني، بينما أخته ماري، ستقاوم الإصلاح، وتقوم بالإطاحة به.

في الحقيقة ، لم يكن لدى الملك المريض إدوارد، الحق في التنازل عن التاج. لكنه كان في السادسة عشرة من عمره فقط، ولم يكن بإمكانه إلا أن يثق بما قاله له رئيس الأساقفة ومجلسه. لذلك وقع على التنازل الذي أحضروه له، وبعد ذلك سرعان ما ازدادت صحته سوءا.

خشي الناس من أن نورثمبرلاند كان يسيطر عليه ويسيء معاملته. وبمجرد أن جاء إلى نافذة قصره، لكي يراه الناس، ويعلموا أنه لا يزال على قيد الحياة، توفي بعد ذلك بأسبوعين فقط.


الفصل التاسع والعشرون

ماري الأولى، 1553-1588


أبقى دوق نورثمبرلاند، وفاة الملك إدوارد سرا، حتى يعلن جين ملكة على إنجلترا. عرفت الفتاة المسكينة أن خطأ كبيرا كان يرتكب باسمها. فبكت بمرارة وتوسلت ألا تجبر على قبول التاج.

لكنها لم تستطع أن تفعل شيئا لمنع ذلك، لأن والدها وزوجها ووالده كانوا عازمين على قبولها التاج. وهكذا كان عليها أن تجلس كملكة في الجناح السكني ببرج لندن.

بعد أن وصلت الأخبار إلى ماري، انطلقت متجهة نحو لندن. وكان يعرفها الجميع على أنها الملكة الشرعية، ولم ينخدع أحد بدودلي، وانضم إليها كل الناس، حتى نورثمبرلاند، الذي اضطر إلى إلقاء قبعته والصراخ "حفظ الله الملكة ماري".

ثم وضعت جين وزوجها في مكان آمن. ولم تبغ ماري أي ضرر لهما. ومع ذلك، أصبح الناس مستائين، أولا: لأن ماري بدأت في استخدام الخدمة الدينية اللاتينية مرة أخرى، وثانيا: لوضعها رئيس الأساقفة كرانمر في السجن لولائه لجين.

لقد أظهرت ماري بكل الطرق أنها تعتقد أن جميع مستشاري شقيقها قد ارتكبوا خطأ فادحا. فأرادت أن تصحح الوضع وترجع بالكنيسة الإنجليزية إلى حكم البابا في روما مرة أخرى.

ثم عرضت نفسها للزواج من ملك إسبانيا، ابن عمها فيليب الثاني. وكانت هذه حماقة كبيرة منها، لأنها كانت امرأة في منتصف العمر، شاحبة، مكتئبة. وكان هو أصغر منها سنا بكثير، جاد وصامت وكئيب، يخافه الجميع.

نصحها جميع أصدقائها المقربين بعدم الزواج منه، وكره الإنجليز الفكرة كثيرا، لدرجة أن الأطفال الصغار كانوا يلعبون في حفل الزفاف، لعبة تنتهي بشنق ملك إسبانيا.

اعتقد نورثمبرلاند أن هذا الاستياء يعطيه فرصة أخرى، فحاول دفع الناس نحو جين. لكن قلة قليلة انضمت إليه. فقامت ماري بتشتيتهم وقطع رأس نورثمبرلاند.

اعتقدت ماري، بعد ذلك، أن البلاد لن تكون آمنة أبدا طالما تعيش جين. لذا وافقت على إعدامها. تصرفت جين ببطولة ورباطة جأش. جاء زوجها أولا، وقطع رأسه. ثم تبعته إلى نفس المصير.

كانت جين بريئة خيرة، لكن تعاني من أخطاء الآخرين. إليزابيث، شقيقة ماري، كان يشتبه في نواياها. فأرسلت إلى البرج. جاءت في قارب عبر نهر التايمز إلى بوابة الخائن. وعندما وعرفت مكانها، جلست على الدرجات الحجرية وقالت: "هذا مكان للخونة، وأنا لست خائنة". بعد فترة سمح لها بالعيش في البلاد، مع المراقبة عن كثب.

جاء فيليب ملك إسبانيا وتزوج من الملكة ماري. كانت مغرمة جدا به، لكنه لم يكن لطيفا معها، ولم يكن لديه كثير من الوقت، يقضيه معها، نظرا لانشغاله بممالكه الأخرى. فكانت تتوق إليه بصفة دائمة.

كان السبب الرئيسي لاختياره زوجا، هو مساعدتها في إعادة كنيسة البلاد إلى سلطة البابا كما كانت سابقا. وقد نجحت إلى حد ما في التوفيق بين الكنيسة الإنجليزية وروما.

لهذا، استاء العديد من رعاياها، واعتقدوا أنها محاولة لمنعهم من قراءة الكتاب المقدس باللغة الإنجليزية، فهم لا يعرفون الخدمة باللغة اللاتينية. مما تسبب في هرب البعض بعيدا إلى هولندا وألمانيا، والبعض الآخر، تم القبض عليهم وألقوا في السجن.

هؤلاء الأساقفة، الذين كانوا في طليعة المنادين بالتغييرات، بالطبع كانوا أول من حوكم بسبب تعاليمهم. كانت العقوبة مروعة تتمثل في الحرق أحياء، والتقييد بالسلاسل إلى وتد.

مات الأسقف هوبر بهذه الطريقة في جلوستر، وأحرق كل من الأسقف ريدلي والأسقف لاتيمر في نفس الوقت في أكسفورد، وكان يشجع بعضهم البعض على الموت بشجاعة كشهداء من أجل الحقيقة كما يعرفونها.

كان كرانمر في السجن بالفعل، لدعمه جين جراي، وحكم عليه بالإعدام. لكنه توقع أنه سينجو من النار إذا سمح بعودة الإيمان القديم المتبع في روما والمعتقد أنه هو الدين الصحيح.

فأخذ في توقيع ما يلزم من مستندات، الواحدة بعد الأخرى، إرضاء للملكة، إلى أن وقع عليها جميعا. لكن هذا لم يشفع له. فخجل عندما فكر في مدى شجاعة زملائه الذين ماتوا في نفس المكان.

وعندما تم تقييده بالسلاسل في الوتد، وأوقدوا النار حوله، أمسك بيده اليمنى، ووضعها في اللهب لتحترق أولا، كأنه يعاقبها، لأنه وقع بها على ما لم يؤمن به حقا، وصرخ قائلا: "هذه اليد هي التي تستحق الحرق!"

إجمالا، تم حرق حوالي ثلاثمائة شخص في عهد الملكة ماري، لإنكارهم واحدة أو أخرى من العقائد التي اعتقد بابا روما أنها صحيحة. لقد كان وقتا فظيعا، والملكة، التي كانت تتوق فقط إلى فعل الصواب وإعادة بلدها إلى الكنيسة الكاثوليكية، وجدت نفسها مكروهة من قبل الجميع.

حتى البابا، الذي كان على خلاف مع زوجها، لم يعاملها بحرارة. والنبلاء، الذين كانوا قد استولوا على أراضي الدير، باتوا مصممين على عدم السماح لها باستعادتها أبدا.

لم يحبها زوجها أبدا، أو يحب إنجلترا. ومع ذلك ، أقنعها بمساعدته في حربه مع الفرنسيين، والتي لم يكن لإنجلترا ناقة فيها ولا جمل.

كانت النتيجة أن دوقا فرنسيا شجاعا، استولى على مدينة كاليه، آخر ممتلكات الإنجليز في فرنسا. وكانت ماري حزينة للغاية، لدرجة أنها قالت، إنها عندما تموت، سيتم العثور على اسم كاليه مكتوبا على قلبها.

لقد كانت مريضة بالفعل، وكانت هناك حمى منتشرة في ربوع البلاد في ذلك الوقت، أصابت العديد من أولئك الذين أحبتهم ووثقت بهم. توفيت ماري الأولى، ملكة إنجلترا، في عام 1558، كامرأة حزينة، بعد أن حكمت خمس سنوات فقط.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. سمو ولي العهد رئيس الوزراء يلتقي طلبة الدفعة الـ 25 من برنام


.. احتفال تاريخي لجماهير ليفركوزن بعد التتويج بالدوري الألماني




.. وزراء الخارجية الأوروبيون يجتمعون الثلاثاء لمناقشة الهجوم ال


.. ماكرون: سنبذل قصارى جهدها لتجنب التصعيد وإقناع إسرائيل بعدم




.. حكومة الحرب الإسرائيلية تجتمع اليوم لبحث الرد على الهجوم الإ