الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الاعتصام ومفارقاته وحلوله في تحقيق مطالب أعضاء هيئة التدريس بالجامعات الليبية

حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)

2023 / 11 / 24
التربية والتعليم والبحث العلمي


منذ أكثر من شهر أرسل لي أحد نقباء أعضاء هيئة التدريس بالجامعات الليبية الحكومية رسالة على الواتساب يوضح فيها تبرير الاعتصام، وهي تقول " لماذا الاعتصام : الاعتصام من أجل تقديم معرفة تليق بمستوى الشهادة التى سوف تمنح للخريجين، وهو أمر يتطلب بنية تحتية للجامعات، وأستاذ لديه معارف متطورة ومتجددة، واعصاره الذهني مرتكز على البحث العلمي والعطاء، ومتعلم لديه دوافع الرغبة للتلقي، مكتفي بحاجاته بما يتقاضاه من منحة جامعية، خلاصة القول : إعادة بناء بيئة صالحة للتعليم والتعلم". موكدًا لي بأن هذه النظرة تمثل وجهة نظر النقابة العامة لأعضاء هيئة التدريس. وبهذا المعني فإن اعتصام أعضاء هيئة التدريس حسب وجهة النظر تلك ليس مجرد مطالب أو استحقاقات أو حوافز مالية، أو أنها مجرد خواطر عابرة تحدث مع بداية كل عام جامعي؛ إنما هو رغبة حثيثة من قبل النقابة العامة إلى إحداث تغيير ينجم عنه مراجعة وتحسين التشريعات والسياسات لتطوير العملية التعليمية والتعلمية. وهذا يعني بإن الاعتصام هو دعوة إلى إصلاح منظومة التعليم العالي في ليبيا؛ بغية إعادة بناء البيئة التعليمية في الجامعات، وتوفير بنية تحتية مناسبة، وتعيين أساتذة مؤهلين ومتجددين، وتشجيع البحث العلمي والتطوير.
ربما يتسأل القارئ الكريم عن ردي على تلك الرسالة، في الحقيقة كان الرد وبكل أمانة هو " أعتقد الأمر بحاجة إلى مراجعتها في ظل الافتقار إلى وجود مؤسسات دولة حقيقية وقوية، فضلا عن وجود انقسام حكومي". وهذا يعني حسب وجهة نظري بإن الإصلاحات اللازمة في التعليم العالي قد تكون صعبة في ظل هذه الظروف السياسية والمؤسساتية الراهنة. ومع ذلك، يجب ملاحظة أن ردي هو تفسير قدمته كنموذج للحوار والتفكير النقدي، وليس كرد نهائي أو كتوجيه قاطع. فتقييم وضع التعليم العالي والاستنتاجات المطلوبة تعتمد على وجهات النظر المتنوعة والمعلومات المتاحة.
عموما، وفي ضوء هذه الخلفية فإن الهدف الذي نسعى إليه في الصفحات القادمة هو محاولة فهم الاعتصام، ومفارقاته وحلوله كمسار في تحقيق مطالب أعضاء هيئة التدريس، خاصة مع زيادة مساحات القلق والخوف وانتظار المجهول لدى الطلبة وأولياء الأمور، بعد تمديد واتساع الاعتصام ليشمل كل الجامعات الليبية الحكومية.
وحتى لا تُثير هذه المقالة خائنة الأعين وما تخفي النفوس فإن هذه المقالة تأتي في إطار الواجب الوطني، وقبل ذلك الواجب الديني؛ الذي يدعونا ويحرضنا على القيام بذلك، فلا تقبل منا أن نكون ساكتين، لأنه الوطن؛ فأقوى كلمة هي كلمة الحق، والحق يحتاج إلى رجلين - كما يقال- رجل ليَنْطق به، وآخر لِيفهمهُ، كما أن الحقيقة يجب أن تُقال لا أنْ تُعْلم، كما أن الكلمات قد تؤلم إن ظلت محبوسة، والمشاعر قد تخنق صاحبها إن ظلت دفينة.
إذن، السياق العام لهذه المقالة يأتي في اتجاه تحمل المسؤوليات اتجاه الوطن، لتحقيق التغيير الإيجابي، وتطوير النظام التعليمي لصالح الأجيال القادمة. فكلنا معنيين بهذا الوطن، ولن نتمكن من تجاوز هذه التحديات والإكراهات التي تواجه التعليم العالي؛ إلا بالاعتراف بوجود ذلك الضعف والقصور، وكذلك السعي نحو التحليل الشامل للتحديات والإكراهات التي تواجه التعليم العالي في ليبيا، فضلا عن أهمية فهم المشكلات التي يواجهها أعضاء هيئة التدريس .وهذا الأمر يحتاج إلى طرح وتفكيك بعض المقدمات والمفارقات المهمة، التي قد تساعدنا على رؤية الأشياء بشكل أفضل وأعمق. ولعلنا نروم من وراء كل ذلك إلى تقريب وجهات النظر، وتقديم حلول بناءة، وتعزيز الحوار المثمر والاحترام المتبادل، ولعل أهم تلك المقدمات والمفارقات، هي :
• لا يخفى على أحد في كون التعليم العالي في ليبيا يُعاني من تحديات وإكراهات عديدة، والتي أميل إلى اعتبارها تراكم لسنوات ما قبل 2011م، ولكن الحكومة الحالية تتحمل مسؤولية حلها ومعالجتها.
• هناك اعتراف صريح من قبل الأجهزة الرقابية من خلال التقارير الدورية بوجود الحاجة إلى معالجات مناسبة، وضرورية لأوضاع التعليم العالي. كما أن تجاهل تلك التقارير وعدم التعاطي معها بشكل جدي وفعال أدى إلى زيادة تلك الإكراهات والتحديات في التعليم العالي. ومن أراد التفاصيل فيستطيع أن يعود إلى تقارير ديوان المحاسبة، وتقارير الرقابة الإدارية فيستزيد.
• إن استمرار الاعتصام في الجامعات الليبية يعني في مضمونه وجود حالات من الاختلاف في المقاييس الذهنية في فهم واستيعاب وتلبية مطالب أعضاء هيئة التدريس، كما يعبر عن حالة من العجز عن القيام بأي دور في اتجاه أي تغيير، أوالتحريك نحو تحقيق أهداف الاعتصام .
• تبرز الحاجة إلى قيام النقابة العامة لأعضاء هيئة التدريس بالجامعات الليبية إلى توضيح عمق وأهداف الاعتصام، وكونه ليس مجرد مطالب أو استحقاقات مالية وحسب، فالمناقشات التي جرت بين النقابة والحكومة لم تتطرق إلى الدعوة لإصلاح التعليم العالي، كما جاءت في مضمون الرسالة التي أرسلها لى ذلك الزميل.
• إن الاعتصام الحالي عبارة عن قالب جامد، يعاد إنتاج نفسه مع كل دعوة إلى الاعتصام من قبل النقابة العامة، وحتى نقرب المعنى أكثر يمكن أن نشير بأن الاعتصامات في الجامعات الليبية تتكرر بشكل متكرر دون تجديد.
• إن برامج الجودة وضمانها في الجامعات الليبية يتوجب أن يُعْطَى فيها اهتمامٌ خاصٌ لحقوق أعضاء هيئة التدريس وتلبية مطالبهم المشروعة، فهم العنصر الأساس في نجاح أي برامج ذات علاقة بالجودة وضمانها. وبالتأكيد، عندما يحصل أعضاء هيئة التدريس على حقوقهم الكاملة ويشعرون بالدعم والاهتمام من قبل الجهات ذات العلاقة، فإنهم سيكونون أكثر قدرة على تقديم أفضل أداء وجودة في العمل الأكاديمي.
• على الرغم من أن الاعتصام يمكن أن يكون وسيلة قوية للضغط على الحكومة، إلا أنه قد أدى إلى حرمان الطلبة من التدريس والتعلم. وهذا يعني أهمية إدراك بأن الطلبة هم جوهر وأساس مهمة الجامعات . وهذا الأمر بحاجة إلى توفير حلول بديلة للحفاظ على استمرارية عملية التدريس والتعلم وتقليل التأثير السلبي على المسيرة التعليمية والتعلمية للطلبة.
• تبرز الحاجة إلى أن يدرك الجميع خطورة ظاهرة التسرب الدراسي والآثار المترتبة عليه، فهي ظاهرة تحدث عندما يتوقف الطلبة عن الدراسة أو يواجهون صعوبات في استكمال تعليمهم بسبب الاعتصامات أو الاضطرابات. وهذا يؤثر على تقدمهم الأكاديمي. كما يمكن أن يشمل التسرب الدراسي تأخر الطلبة في التخرج، أو تراجع أدائهم الأكاديمي، أو حتى تركهم للتعليم بشكل نهائي. وبالتالي، فإن التسرب الدراسي يعد تحديًا كبيرًا يحتاج إلى وقفة للتدبر من كل الجهات المعنية.
• أن النقابة العامة لأعضاء هيئة التدريس تحتاج إلى وضع خطة واضحة بعد هذا الاعتصام، وهذا يعني ببساطة أن تكون هناك منهجية واضحة وآليات فعالة للتعامل مع الحكومة لضمان استجابتها للمطالب المشروعة.
إذن إزاء هذه المقدمات والمفارقات المهمة تبرز الحاجة إلى طرح عدد من الخطوات المهمة لحلحلة الاعتصام، وتلبية المطالب المشروعة، ولعل أهمها حسب وجهة نظري وهي :
1. يجب على الجهات الحكومية أن تكون مستعدة للاستماع إلى المطالب والمخاوف التي تعبر عنها النقابة العامة لأعضاء هيئة التدريس بمراعاة قيم الحوار المثمر والاحترام المتبادل، وذلك من خلال تشكيل لجان مفاوضة مختصة وتنظيم اجتماعات منتظمة مع الجهات المعنية.
2. يمكن للنقابة أن تستخدم وسائل الإعلام المختلفة للتأكيد على أهمية قضية أعضاء هيئة التدريس وجعلها قضية رأي عام . كما يمكن أيضًا تنظيم حملات توعية ومسيرات سلمية لجذب الانتباه إلى المشكلة.
3. من الممكن أن تقوم النقابة العامة بتقديم قضية إلى المحاكم الليبية عن مطالب واستحقاقات أعضاء هيئة التدريس.
4. يمكن أن يقوم طرف ثالث محايد بدورًا هامًا في تسهيل عملية التفاوض وفض الاعتصام. بشرط أن قبوله لدى الطرفين.
في الختام، يُعد الاعتصام أداة قوية للتعبير عن المطالب، والدفاع عن حقوق أعضائها، لكن ينبغي أن نُشدد على أهمية تنظيم الاعتصام بشكل مخطط ومنظم، مع احترام حقوق الطلبة في عمليتي التدريس والتعلم. وهذا يعني ببساطة يجب أن يكون للنقابة العامة خطة محكمة للمفاوضة والحوار مع الجهات الحكومية، والسعي لإيجاد حلول بناءة للقضايا المطروحة وبمراعاة المصلحة الوطنية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ماذا وراء سجن المحامية التونسية سنية الدهماني؟ | هاشتاغات مع


.. ا?كثر شيء تحبه بيسان إسماعيل في خطيبها محمود ماهر ????




.. غزة : هل توترت العلاقة بين مصر وإسرائيل ؟ • فرانس 24 / FRANC


.. الأسلحةُ الأميركية إلى إسرائيل.. تَخبّطٌ في العلن ودعمٌ مؤكد




.. غزة.. ماذا بعد؟ | معارك ومواجهات ضارية تخوضها المقاومة ضد قو