الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تاريخ الفلسفة، تاريخ العلوم وفلسفة تاريخ الفلسفة (الجزء الخامس)

أحمد رباص
كاتب

(Ahmed Rabass)

2024 / 1 / 27
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


.5. هل يمكن للجمال في الفلسفة أن يكون بديلاً مقبولاً للحق؟ (1)
يترتب على ما قلناه للتو أنه يجب علينا أن نميز بوضوح بين مسألة ما إذا كانت الفلسفة يمكن أن تؤدي إلى اكتشاف الحقائق التي تنتمي إليها بشكل صحيح أم لا، ومسألة معرفة ما إذا كان يمكن أن يكون هناك أم لا، في تاريخ هذه الاكتشافات، مكان لفكرة التقدم. يعتقد دوميت، كما رأينا، أن الفلسفة ستفقد جزءً كبيرا من اهتمامها إذا كانت الإجابة على السؤال الثاني سلبية. لا يطعن بطبيعة الحال في أننا إذا تبنينا نموذج برينتانو، فبوسعنا أن نتوقع حدوث مراحل من التقدم. وبرينتانو مقتنع بوضوح، من جانبه، بأن تلك التي يأمل أن يكون المبادر إليها ستكون واحدة من بينها، لأنه منذ اللحظة التي توافق فيها الفلسفة على اعتماد منهج مماثل لمنهج العلوم الطبيعية، فإنها تكون قادرة على إحراز تقدم من نفس النوع الذي أحرزته. إن ما يأسف عليه دوميت، في نموذج برينتانو، هو غياب الاتجاه العام للتقدم. ليس هناك ما يضمن أن مرحلة من التقدم سوف تستمر إلى أجل غير مسمى أو حتى تستمر لفترة طويلة. ومن المرجح دائما أن تنطلق عملية الانحطاط مرة أخرى في مرحلة ما، وأن يؤول ​​التقدم المحرز إلى لا شيء تقريبا.
ذكرت، انطلاقا من آلان، الميل المميز لدينا، وخاصة في فترات عدم اليقين، إلى الحكم على الإنتاجات الفلسفية وفقا للمعايير الجمالية. وكما أعطت الفلسفة الفرنسية عن ذلك أمثلة ملحوظة في الفترة الأخيرة، فإن إضفاء الطابع الأدبي الكامل على الفلسفة يمكن أن يسير بسهولة جنبا إلى جنب مع التسييس المنهجي، الذي يشكل واحدة من أكثر الطرق النموذجية التي يمكن أن تنتهي بها الفائدة العملية إلى أن تحل بشكل كامل تقريبا محل الفائدة النظرية. إن إضفاء الجمال على شيء يمكن تفسيره بسهولة، لأنه حتى عندما لا تقدم أعمال الفلاسفة الكثير مما هو فلسفي حقا يستحق الإعجاب، فغالبا ما يظل من الممكن الإعجاب بها على الأقل بسبب ميزااتها الأدبية، وهي كذلك فعليا في كثير من الحالات، قبل كل شيء، لهذا السبب، وليس لميزاتها التفكيرية والبرهانية. وغني عن القول أنه، من وجهة نظر برينتانو، يمكن أيضا أن يكون الميل إلى استبدال وجهة نظر النظرية والمناقشة النظرية بوجهة نظر التقييم الجمالي أحد أعراض الانحطاط، وأكثرها إثارة للقلق.
ويبدو لي أنه من المفيد أن أذكر في هذا الصدد ما قاله الفرنسي المعاصر لبرينتانو، شارل رينوفييه (1815-1903)، في كتابه "Esquisse d’une classification des doctrines philosophiques"
(مخطط أجمالي لتصنيف المذاهب الفلسفية) الصادر عام 1885، حول الاتجاه الكارثي الذي نتبعه، في الفلسفة، نحو استبدال مسألة الحق بمسألة الجمال. لا يعتبر رينوفييه النموذج الهيجلي للتقدم من خلال التجاوز والتكامل على الإطلاق نموذجا للتقدم، بل كنسخة بسيطة وأكثر نظرية وأكثر ادعاءً للانتقائية. أحد الانتقادات الرئيسية التي وجهها للنسخة الكوزانية (نسبة إلى الفيلسوف الفرنسي فيكتور كوزان، المترجم) من الانتقائية هو أنها تحل في النهاية محل المعايير المنطقية للتقدير في الفلسفة بمعايير جمالية بشكل أساسي. ما يهم ليس ما إذا كان ما يقال صحيحا، بل ما إذا كان جميلا بما فيه الكفاية. بعد اقتباس مقتطف من الكلمات الأخيرة التي نطق بها فيكتور كوزان في جامعة السوربون - الذي، كما يقول، يجمع بين شكلين من الانتقائية يضعهما متقابلين دون أن يربط بينهما: "شكل الروح الهيجلي، والشكل التجريبي (الموجود) في متناول معظم المستمعين المبتذلين" - يدلي بالتعليق التالي:
"من الغريب أن نجد، في مثل هذا الاعتراف عن قناعة والقصير جدا، شكلين، متقابلين ببساطة، لفكرة الانتقائية: شكل الروح الهيجلي، والشكل التجريبي (الموجود) في متناول أكثر المستمعين ابتذالًا. في الجمل الأخيرة من هذه القطعة الصغيرة، من الواضح أن الأمر لا يتعلق، بالنسبة إلى الفيلسوف، سوى بإجراء عملية سحب. ولكن في الإسهاب الرسمي للجمل الأولى، إذا تمكنا من فك التشابك واستخلاص فكرة محددة، فهي كما يلي: أن تناقضات الفلسفات لا تعني شيئًا في حد ذاتها، ولا تتعلق بقضايا بعضها بالضرورة كاذب إذا كان البعض الآخر صادقا، والعكس صحيح، بحيث يكون على الفيلسوف أن يختار بينهما؛ لكن هذه القضايا المتناقضة نفسها يجب أن تعتبر عناصر الفلسفة التي في تنوعها وحدتها. في هذه الحالة، يتعلق الأمر ببناء التركيبة الواسعة من التناقضات التي تشكل الكل المتناغم بشكل عميق؛ وتقدم الدوغمائية المتطورة لهيجل نفسها مع هذا العمل المنجز. أو، إذا لم تكن لدينا كل الشجاعة التي نحتاجها لاحتضان هذه الأخيرة، فلا يزال بإمكاننا التحدث، مثل فكتور كوزان، عن “روح فلسفية متفوقة على جميع الأنساق”؛ فقدان الاهتمام بضرورة المنطق من أجل الحسم، من الآن فصاعدا، بين المذاهب غير القابلة للتوفيق؛ عقد الأمل على المستقبل لاختزالها إلى الوحدة، واستبدال الفلسفة، أثناء الانتظار، بنوع من فلسفة-الفلسفة."
يمكننا أن نشعر، بوضوح، بأننا مضطرون إلى حب المعرفة أو الحكمة. ولكن ليس من الواضح تماما ما الذي يمكن أن يجبر الإنسان على حب المعرفة أو الحكمة، التي يقصد بها الفلسفة، إذا كان هذا الأخير في جوهره غير قادر على التحول إلى معرفة أو حكمة حقيقية. هيغل، من جانبه، مقتنع بحق بأن الفلسفة قد وصلت إلى مرحلة من تاريخها حيث يمكنها تقديم نفسها بشكل مشروع ليس كمعرفة فحسب، بل حتى كمعرفة علمية:
"إن الشكل الحقيقي الذي توجد فيه الحقيقة لا يمكن إلا أن يكون النسق العلمي لهذه الحقيقة. المساهمة في تقريب الفلسفة من شكل العلم - حتى تتمكن من ترسيخ اسمها في حب المعرفة وتصبح معرفة فعالة - ذلك ما شرعت في القيام به. إن الضرورة الداخلية للمعرفة لتكون علماً ترجع إلى طبيعتها؛ والتفسير المرضي لهذه النقطة ليس شيئا آخر غير تقديم الفلسفة. الضرورة الخارجية، إذا تصورناها بطريقة كونية، من خلال تحاهل عرضية الشخص والظروف الفردية، تمتزج بالضرورة الداخلية وفقا للشكل الذي يمثل فيه الزمن الوجود-هنا للحظاته. إن إثبات أن الوقت قد حان للارتقاء بالفلسفة إلى مرتبة العلم، سيكون بالتالي هو التبرير الحقيقي للمحاولات التي تقترح هذه الغاية - قد يظهر ذلك ضرورة هذه الغاية وقد يحققها في نفس الوقت."
سيكون من الخطأ الاعتقاد بأن المواجهة بين رينوفييه وكوزان اليوم ليس لها سوى فائدة تاريخية. وفي الواقع، ليس من المؤكد على الإطلاق أن الفلسفة خرجت منها. في الخطاب الترافعي المعتاد الذي من المفترض أن يهدف إلى الدفاع عن الفلسفة ضد منتقديها وأعدائها، يتم استبدال الفلسفة، في الواقع، في أغلب الأحيان بنوع من فلسفة-الفلسفة. ما تم اقتراحه ليس مرافعة عقلانية لصالح الفلسفة، بل هو تحريض على حب الفلسفة وإدانة أخلاقية إلى حد ما لـ "كراهية الفلسفة" المفترضة، والتي تعتبر في النهاية التفسير الوحيد الممكن للحفظات والمقاومات التي تصطدم بها أنشطة ونتاجات الفلاسفة. في محاولته الخاصة لتصنيف الأنساق الفلسفية، يضع فويلمان نفسه بوضوح إلى جانب رينوفييه، ضد كوزان وضد ادعاءات "العلم" الهيغلي تحقيق نوع من التوليف الذي قد يسمح يسمح بحل المشكلة الني يطرحها، في الفلسفة، ووجود تعددية من الخيارات التي يجب قبولها باعتبارها غير متوافقة حقًا في ما بينها. والنتيجة الحاسمة من ذلك، والتي قد تكون محبطة للغاية، هي أن الفلسفة ستقدم لنا حتى النهاية "إمكانات للحقيقة" مختلفة، لكنها لن تنجح أبدا في قيادتنا إلى الحقيقة نفسها.
بقدر ما أعي به وفق مستطاعي، لم يُذكر رينوفييه أبدا في الكتابات التي كرّسها فويلمان لتطوير تصنيفه الخاص للأنساق الفلسفية. لكن كان من الممكن أن يكون الأمر كذلك، وهناك على الأقل نقطة مشتركة مهمة بينهما، وهي الإصرار على واقع المتضادات والرفض القاطع للانتقائية بكل أشكالها. يدينها رينوفييه باعتبارها شكلاً من أشكال التراخي ذي الطبيعة الأخلاقية في نهاية المطاف:
"التعارض أخلاقي، لأن انتقائية هيجل الدغمائية والمتعالية، والانتقائية غير المؤكدة والبسيطة لـفكتور كوزان، تعفيان المفكر من مهمة وجهد التأكيدات القوية والإنكارات الصريحة المطابقة، التي تنطلق دائما من مبدإ أخلاقي جيد أو سيئ التوجيه. فكره المنومين الفلسفيين هي أن الخلاف ليس له سبب لوجوده وبقائه عميقا، في طبيعة المشكلة المطروحة على الإنسان، والموارد التي يجدها ليجرب حلولها في ذهنه؛ أنه يجب أن يستنفد نفسه بشكل طبيعي؛ أنه من خلال الشرح لأنفسنا، سينتهي بنا الأمر إلى التوصل إلى اتفاق، بل أننا في العمق، دون أن نعرف ذلك، كنا دائما متحدين في تركيبة معينة من الأفكار التي لا يتعلق الأمر سوى ببنائها. أنا أؤيد، على العكس من ذلك، الفرضية المنطقية والحقيقة التاريخية المتمثلة في وجود التناقضات غير ابقابلة للاختزال بين التأكيدات المطلقة، والتي تستمر دون قصور، حول النقاط الرئيسية والمميزة للمذاهب المتنافسة في كل العصور."
ويصر فويلمان من جانبه على أن الإمكانات المختلفة المقترحة على الفيلسوف في التنافس بين الأنساق يجب استكشافها حتى النهاية ومواجهتها بجدية مع بعضها البعض، مما يعني أنه علينا أن نبدأ بالاختيار، وليس بالتأكيد بمحاولة التنسيق والتوليف."العقل الفلسفي، كما يكتب، يولد ويعيش من النقاش ( التنافس )" ويجب ألا نرغب في الخروج من هذا الأخير حتى قبل الدخول إليه:
"يعرف المؤرخ غريزيا أن عدو الفلسفة ليس السفسطة التي تتحدى العقل، بقدر ما هو الانتقائية التي تنومه. وفي الواقع، بينما تحاكي الانتقائية لغة الفلسفة، فإنها تتناقض مع خصائصها الأساسية الثلاثة. إنها تعارض ازدهار الروح النسقية بتكثير الكائنات وكسر وحدة الأسلوب. إنها تتعارض مع وضوح الترابط المنطقي من خلال فرض مبادئ غير قابلة للقياس، ويكون كسب الثراء واضحا، حيث تنعدم العلامات التي تجعلنا نفترض التماسك. إنها، أخيرا، تتعارض مع التخصص الذي يخضع له الفيلسوف عندما يريد قياس كيف وإلى أي مدى يسمح له نسقه بإعادة بناء الظواهر ومحاكاتها. فكيف يمكننا معرفة كيفية تحديد ما يمكننا إنقاذه عندما تكون الوسائل التحليلية للقيام بذلك غير محددة بدقة؟"
يتحدث كل من رينوفييه وفويلمان، كما نرى، في ما يخص إغراء الانتقائية، عن تنويم العقل الذي يجب علينا قبل كل شيء ألا نستسلم له. لا يمكن أن يكون هناك شك في تجنب جهد الاختيار من خلال محاولة التوفيق بين الأضداد. لكن في الواقع، ليس هذا أيضا هو ما تم اقتراحه حقا نظرا لأن كوزان يتحدث فقط عن ربط الأنساق المتنافسة في ما بينها من خلال الاحتفاظ من كل منها بما هو صادق فقط، وليس فيه تناقض حقيقي بين التأكيدات التي بها يمكن أن يكون كل منها و يتم التعرف عليه في الواقع على أنه صادق. ولتحقيق السلام، يجب علينا أن نجد طريقة لتحقيق العدالة لكل نسق من خلال الاعتراف بنصيبه من الصدق وفي الوقت نفسه جعله يعترف بالنصيب الكاذب المسؤول عن عدم كفايته. وعلى العكس من ذلك، بالنسبة لرينوفييه وفويلمان، يجب علينا بالفعل الاختيار بين الأنساق نفسها، وليس الاختيار في كل منها. وهذا يؤدي بالتأكيد إلى إدامة حالة الصراع التي قد تطول إلى أجل غير مسمى. لكن ليس بالضرورة أن تكون لها جوانب سلبية فحسب، إذ إن المواجهة مع (الأنساق) الأخرى يمكن أن تكون، بالنسبة إلى كل منها، فرصة لإعادة تقييم إمكانياتها وتحسين فرصها. ويبدو أن المواجهة من الممكن أن تظل سلمية نسبياً إذا كان من الممكن إقناع كل من الأطراف المتحاربة بعدم وجود احتمال لتحقيق النصر النهائي لأي منها. لذلك، ربما، في هذه النقطة، لسنا في نهاية المطاف بعيدين عما قد نتوقعه من فكرة كوزان القائلة بأن عظمة الفلسفة لا تكمن في النصر المأمول لأحد الأنساق التي تتصارع في ما بينها، ولكن في المواجهة. الذي توجد بينها، أي أن “تقدمها ومجدها هو تحسنها المتبادل من خلال نضالها السلمي”.
(يتبع)
المصدر: https://books.openedition.org/cdf/4936?lang=frhttps://books.openedition.org/cdf/4936?lang=fr








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. عودة على التغطية التلفزيونية الخاصة للهجوم الإيراني غير المس


.. ماذا نعرف عن المسيرات الإيرانية المستخدمة في الهجوم ضد إسرائ




.. بعد هجوم إيران على إسرائيل.. بولتون لشبكتنا: فرصة لتدمير برن


.. المنطقة تتحول نحو حرب إقليمية.. طهران ترى الهجوم على إسرائيل




.. أظهرت معلومات التتبع المباشر لموقع Flightradar24 الأجواء خال