الحوار المتمدن - موبايل


انحراف السلطة وتنكيد المعنويات في الحياة اليومية

خالد كاظم أبو دوح

2006 / 11 / 27
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


يخضع الفرد خلال يومه الواحد، للعديد من أنماط السلطة، فهناك على سبيل المثال: سلطة الأبوين، وسلطة الزوج على الزوجة، وذلك داخل الأسرة، وهناك سلطة المدرس داخل المدرسة، وسلطة رئيس العمل داخل مؤسسة العمل، وهناك العديد من صور التعرض للسلطة داخل الحياة الاجتماعية والسياسية، وفى تعرض وتعامل الفرد مع مختلف هذه الصور من السلطة، العديد من مظاهر التفاعل، سواء كان هذا التفاعل بشكل إيجابي، أو بشكل سلبي، فأحياناً يكون تفاعل الفرد مع السلطة التي تمارس عليه تفاعل إيجابي، يحفز الفرد على بذل كل ما لديه من طاقة إيجابية، ومنح كل ما لديه من خير، وفى أحياناً أخرى يكون تفاعل الفرد مع السلطة، تفاعل سلبي، وهنا تحول السلطة حياة الفرد إلى خراب حيث يتم من خلال سوء استخدام السلطة من قبل فرد أو جماعة تقويض أركان الفرد وذلك من خلال ما يمارسه صاحب السلطة من آليات التنكيد المعنوي، والذي قد يبلغ أمره إلى درجة تنتهي بقتل حقيقي للفرد على الصعيد النفسي.
من هنا فإن الفرضية النظرية التي تستند عليها هذه الدراسة مؤداها أن: الانحراف في استخدام شخص ما لما له من سلطة على الآخر، يمكن أن يؤدى باستمرار إلى تنكيد معنويات الآخر، وإيذائه نفسياً.
ومن خلال هذه الفرضية سوف نحاول تقديم بعض الفرضيات النظرية الأخرى المرتبطة بهذه الفكرة، مع محاولة تطبيق هذه الفرضيات على نوع من العلاقات الاجتماعية هو العلاقة الاجتماعية ما بين الرئيس ومرءوسيه في مؤسسة العمل.
أولاً : في المفاهيم : مفهوم السلطة وانحراف السلطة، ترجع السلطة في العادة إلى ظاهرة الحكومة، والسلطة تظهر في جميع الروابط الاجتماعية، وليس فيمن تكون وظيفتهم الحكم فحسب، ففي كل رابطة أو هيئة مهما كان حجمها نجد الحكومة، ومن المؤكد أن كل رابطة تتخذ شكلاً وبناء للسلطة خاص بها هذا فضلاً عن أن طبيعة التنظيم تنتج السلطة، وعندما لا يوجد تنظيم، فلا يوجد بالتالي سلطة، إذ أن السلطة من المعايير الهامة للتنظيم(1) ومفهوم السلطة في معناه العام يشير إلى القوة المشروعة التي يحوزها شخص أو جماعة في مواجهة شخص أو جماعة أخرى، ويعد مكون المشروعية مكوناً حيوياً بالنسبة لفكرة السلطة، وهو الوسيلة الرئيسية التي تتميز بها السلطة عن مفهوم القوة الأكثر عمومية، فالقوة يمكن أن تمارس من خلال استخدام القسر أو العنف، أما السلطة فتعتمد –على خلاف القوة- على قبول الخاضعين لحق أولئك الذين يشغلون مواقع أعلى في إصدار الأوامر والتوجيهات لهم(2) وهناك العديد من التساؤلات النظرية التي ترتبط بالسلطة، منها: هل السلطة قاهرة، أم أن لها وجه آخر وهو قبولها أو الموافقة عليها؟ هل يوافق الأشخاص على الأوامر الصادرة إليهم من السلطة الأعلى، ويذعنون لكونها صادرة من أعلى وحسب، أم لأنهم يميلون أو يريدون هذا الخضوع ؟.
محاولة الإجابة على هذه التساؤلات، تذهب بنا إلى ضرورة الإشارة إلى أن موقف الفرد الذي تمارس عليه السلطة، يختلف بناء على شيئين أساسيين، هما:
1- نوع الانضمام إلى الرابطة التي يتم من خلالها ممارسة السلطة، من حيث أن الانضمام لهذه الرابطة أو الهيئة قد يكون اختيارياً، وقد يكون إجبارياً.
2- مدى سلامة وقانونية السلطة المستخدمة، وابتعاد هذه السلطة عن أي شكل من أشكال الانحراف، بمعنى أن تتسم السلطة بالقانونية والموضوعية.
وعلى ضوء المبدأين السابقين يتحدد مدى قبول الفرد للسلطة، وذلك لأن موافقة الفرد على السلطة وقبوله لها من ناحية، والتزام الممسك بزمام السلطة بالقانون والموضوعية، فإن هذا يؤدى إلى تماهى الفرد مع السلطة، وهذا يعود بالنفع وتحقيق الأهداف المقصودة من مختلف أطراف هذه العلاقة.
وهذا يدعونا إلى الإشارة إلى فكرة انحراف السلطة والتي نقصد بها في هذا السياق سوء استخدام الفرد أو الجماعة للقوة المشروعة التي يحوزها في مواجهة فرد أو جماعة أخرى، مما يترتب عليه تزايد حدة الصراع والتوترات ما بين أفراد المؤسسة، وفشل المؤسسة في تحقيق الأهداف المنشودة من وجودها داخل النظام الاجتماعي.
مفهوم التنكيد
يشير مفهوم "التنكيد" في معناه العام إلى كل صور الإزعاج والإثقال والتنغيص والابتزاز، والتي يتعرض لها الشخص بشكل متكرر ومستمر، داخل أية مؤسسة من المؤسسات الاجتماعية التي ينتمي إليها، وما قد يترتب على ذلك من أضرار نفسية ومعنوية ومادية(3) ويتعاظم حجم ومدى التنكيد الذي يعانى منه أي فرد، إذا كان هذا التنكيد يجئ من خلال شخص ما يمتلك المشروعية في ممارسة القوة، مثال الأب داخل الأسرة، والرئيس داخل أية مؤسسة عمل، وفى هذه الحالة تعد ممارسة السلطة ليست طبيعية، ولكن هذا ما يمكن أن نسميه انحراف السلطة، أو سوء استخدام السلطة، والفرد الذي يعانى من هذا التنكيد الناجم عن الاستخدام المنحرف للسلطة من شخص آخر، يمكن أن نعتبره إنساناً مقهوراً، وهذا الأخير لا يجد من مكانة له في علاقة التسلط هذه سوى الرضوخ والتبعية، سوى الوقوع في الدونية كقدر مفروض، ومن هنا يمكن لنا تفسير شيوع تصرفات التزلف والاستزلام، والمبالغة في تعظيم السيد، اتقاء لشره أو طمعاً في رضاه، أنه يعيش في عالم بلا رحمة أو تكافؤ إذا أراد المجابهة أو فكر في التمرد(4) ولكن موقف الرضوخ والخضوع لا يكون لدى كل الأفراد الذين يتعرضون للتنكيد، لأن هناك بجانب هذا الخاضع، فرد آخر يفضل التمرد، وقد يرد على هذا الاستخدام المنحرف للسلطة بأن يتوجه بصور من العنف المضاد ضد القوى المسئولة عن هذا الاستخدام المنحرف للسلطة.
ثانياً : تنكيد المعنويات داخل مؤسسات العمل :
يقصد بالتنكيد في مؤسسة العمل، كل صور السلوك الاجتماعي (الأقوال، الأفعال، التصرفات، المكاتبات) الصادرة من شخص ما وتتضمن إيذاء معنوي أو مادي لشخص آخر، بهدف النيل من كرامته، ووضع عمله تحت رحمة شخص ما، مما يعمل على الإخلال بجو العمل(5) ومع أن التنكيد في أوساط العمل ظاهرة قديمة قدم العمل نفسه، إلا أن دراستها وحصرها كظاهرة تسئ إلى جو العمل لم يتم إلا في السنوات العشرون الأخيرة، وفضلاً عن إساءتها إلى جو العمل، تم وصفها كظاهرة تهبط بمستوى الإنتاجية، وكذلك تشجع على تنامي ظاهرة الغياب عن العمل، أو التسرب منه، نتيجة لما يسببه التنكيد من أضرار نفسية.
والتنكيد في إطار مؤسسة العمل، قد يكون ظاهرة أفقية، أي أن يكون العدوان موجه من عامل إلى زميل مساو له في المكانة داخل مؤسسة العمل، وقد يكون التنكيد ظاهرة رأسية، أي أن يكون العدوان موجه من الرئيس إلى كل مرءوسيه أو أحدهم، وهذا النمط الأخير –التنكيد الرأسي- هو أشد وطأة من النمط الأول، لأنه ضمن هذا النمط من التنكيد نجد أن الشخص المعتدى يمتلك سلطة مشروعة لممارسة القوة على عدد من الأفراد وهم مرءوسيه وبهذا يكون التنكيد ناتج عن انحراف في استخدام هذه السلطة(6) ورغم تعدد أنماط التنكيد في مؤسسات العمل، إلا أكثر هذه الأنماط انتشاراً في وقتنا الراهن، هو التنكيد والعدوانية الموجهة من رئيس العمل إلى مرءوسيه، وهذا النمط هو الأخطر والأكثر تأثيراً، لأنه يرتبط بآثار نفسية سيئة ضخمة ومركبة، وهذا يرجع إلى ضرورة قبول العاملين لهذه الآثار حفاظاً منهم على عملهم.

أهم المراجع
إسماعيل على مسعد، قضايا المجتمع والسياسة، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 2000م، ص 228
أنتوني جيدنز، مقدمة نقدية في علم الاجتماع، ترجمة أحمد زايد وآخرون، مركز البحوث والدراسات الاجتماعية، القاهرة، 2002م، ص 238.
مارى فرانس، تنكيد المعنويات، ترجمة فاديا لاذقانى، دار العالم الثالث، القاهرة، ص 80.
مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي، معهد الإنماء العربي، بيروت، 1986م، ص 37.
مارى فرانس، مرجع سابق، ص 77.
المرجع السابق، ص 80.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بطلة العراق لكرة الطاولة.. تغلبت على اعاقتها وابهرت العالم ب


.. الإنسحاب الأميركي من أفغانستان.. الدوافع والإحتمالات


.. إجراءات مشددة ضد كورونا في مصر والعراق.. وفي تونس إقبال كبير




.. إسرائيل - غزة: تكثيف الغارات وتعثر الوساطات


.. مقتل 16 عنصرا من حماس في ضربة جوية إسرائيلية في غزة