الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تاريخ الفلسفة، تاريخ العلوم وفلسفة تاريخ الفلسفة (الجزء السادس)

أحمد رباص
كاتب

(Ahmed Rabass)

2024 / 1 / 29
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


باعتباري من أصدقاء الفلسفة، بشهادة أحد أساتذتها الباحثين الجامعيين بالمغرب على الأقل، خطر على بالي الإقدام على مغامرة ترجمة هذه الدراسة الأكاديمية التي جاد بها جاك بوفريس (Jacques Bouveresse)‏؛ الفيلسوف الفرنسي المولود في 20 غشت 1940 بإبينوي، والذي تتعلق فلسفته بلودفيغ فتغنشتاين والفلسفة التحليلية وفلسفة اللغة وفلسفة العلوم والمنطق. منذ عام 1995، شغل كرسي فلسفة اللغة والمعرفة بالكوليج دو فرانس.

5. هل يمكن للجمال في الفلسفة أن يكون بديلاً مقبولاً للحق؟ (2)
المشكلة التي تنشأ حتما، في هذه الظروف، في ما يتعلق بنوع التقدم الذي يمكن أن نتوقعه في الفلسفة هي ما يلي: هل من المشروع الحديث عن التقدم، طالما أننا لا نزال في مواجهة بين خيارات متنافسة، ربما صيغت أحسن فأحسن وتمت البرهنة عليها، ولكن لا يزال من المستحيل اتخاذ قرار بشأنها؟ بعبارة أخرى، أليس التقدم الوحيد الذي يستحق هذا الاسم هو بالضبط ما من شأنه أن يؤدي إلى اتخاذ قرار بشأن هذه النقطة؟ من المؤكد أن إحدى أبرز خصائص تمشي فويلمان هي إصراره (في كتابه: ما هي الأنساق الفلسفية؟ المترجم) على واقعة أن تعددية الخيارات في الفلسفة ليست عرضية ولا مؤقتة: بل لا يمكن أن تكون إلا تأسيسية وجوهرية. ذلك، كما يعتقد، شيء تم التقليل من أهميته للأسف في معظم الأوقات في الفلسفة المعاصرة. دون الخوض في التفاصيل، بما أنني قد فعلت ذلك بإسهاب في ظروف أخرى، يمكننا القول أن هذه هي النقطة التي على أساسهما تتميز الفلسفة عن العلم بشكل أساسي، رغم الاستخدام المشترك الذي يقومان به للمنهج الأكسيومي:
" بين المبادئ الواضحة التي يوصي بها الحس المشترك أيضا رغم أنها غير متسقة في ما بينها، يُفرض على الفلسفة خيار، وهو ما يفسر انقساماتها. في نهاية المطاف، الفلسفة تشبه الأكسيوماتبك في أن كليهما يبحث عن الحقيقة. ولكن بخلاف الحقيقة العلمية، فإن اعتبار الفلسفة للأنطولوجيا يقودها إلى تعميم معارضة ذات أهمية محلية وثانوية فقط في العلم. تكافح الأنساق الفلسفية المتنافسة من أجل حدود معترف بها، إن لم تكن ثابتة، بين المظهر والواقع."
إحدى النتائج المهمة الناتجة عن ذلك، بالنسبة لفويلمان، هي أننا ربما يجب أن نتخلى عن تطبيق مفهوم الحقيقة على الفلسفة، على الأقل الحقيقة بمعنى قريب بما فيه الكفاية من المعنى المعتاد:
"أخيرا، عندما أتطرق في الفصل الأخير إلى مسألة الحقيقة الفلسفية، أخيب أمل زملائي الفلاسفة وأترك ​​الأمر لهم للذهاب إلى أبعد مما أفعل. وبينما يجادلون من أجل خطاطة وحيدة للحقيقة الفلسفية، أشعر بالرضى لأن أقول ما هي كل هذه الإمكانات للحقيقة. […] في ما يخص الحقيقة الفلسفية، من الواضح أن تعدد الفلسفات، إذا كان حذري مبررا، يجعل مفهوم الحقيقة الفلسفية غير كاف وغير مناسب، على الأقل إذا استخدمت كلمة الحقيقة بمعناها العادي. ومع ذلك، لم أتمكن من معالجة هذه المسألة الأساسية؛ بل لم أطرحها بشكل صريح. وفي النهاية ليس لدي ما أقدمه للقارئ سوى الحذر المليء بالمخاطر وعلامات الاستفهام الإضافية."
هذه على الأقل نقطة واحدة كان من الممكن أن يوافق عليها برينتانو، بلا شك، فويلمان. لا توجد حقيقة إذا كان هناك العديد من الحقائق المتناقضة التي يستحيل الاختيار بينها: “حيثما توجد معرفة، هناك بالضرورة احقيقة؛ وحيثما توجد حقيقة توجد الوحدة ( Einigkeit )؛ ذلك أن ثمة أخطاء كثيرة ولكن هناك حقيقة واحدة."
الطريقة التي يصف بها فويلمان الوضع هي مع ذلك مثيرة للدهشة تماما للسبب التالي. إذا كانت هناك إمكانات مختلفة للحقيقة، وهي بالفعل إمكانات للحقيقة، ولكننا سنكون وسنظل غير قادرين على الحسم في ما بينها إلى ما لا نهاية، لا نرى تماما لماذا يجب أن نستخلص من هذا الاستنتاج (الذي مفاده) أنه يجب علينا أن نتخلى، في هذه الحالة، عن تطبيق فكرة الحقيقة، وليس مجرد المطالبة بأن تكون الحقيقة قابلة للتقرير أو على الأقل الأمل في أن تكون كذلك. ويمكن ملاحظة أنه حتى الآن هناك فلاسفة لم يتخلوا، من أجل القضايا الفلسفية، عن الحقيقة ولا حتى عن القابلية للتقرير. وهذا هو حال دوميت، مثلا، الذي أبدى تفاؤلاً مدهشاً بشأن هذه النقطة. إنه مقتنع بأنه حتى القصية الأساسية والمتنازع عليها مثل تلك التي تؤكد وجود الله يمكن أن يتم البت فيها في النهاية، إذا تم تناول المسألة بمنهجية سليمة، ويمكن حتى أن يتم البت فيها بسرعة كبيرة:
"العديد من فلاسفة الغرب لا يؤمنون حاليا بالله، رغم أن العكس كان صحيحا حتى قبل مائة وخمسين عاما. والحجة الوحيدة المقنعة التي تقول بعدم إمكانية إثبات وجود الله هي عدم وجوده؛ من وجهة نظر حدسية، هذان الأمرين هما شيء واحد. وعلى العكس من ذلك، فإن الحجة المقنعة الوحيدة التي تدعم إمكانية إثبات وجود الله تثبت وجوده. هذا لا يعني أنه إذا تم حل المسألة بشكل سلبي، فإن جميع الفلاسفة المؤمنين سيصبحون ملحدين على الفور، أو أنه إذا تم حل المسألة بشكل إيجابي، فإن جميع الفلاسفة غير المؤمنين سيصبحون على الفور مؤمنين: لا توجد حجة فلسفية مقنعة إلى هذه الدرجة. ولا شك أن إثبات وجود الله أو نفيه يرتكز على مقدمات معينة يمكن الخلاف عليها، بطريقة مفهومة، ولو بشكل غير معقول."
من الواضح أن هناك مشكلتين تنشآن هنا على الفور. الأولى، فلسفية بشكل بارز أولى لها دوميت اهتماما خاصا، بل متميزا في فلسفته، وهي معرفة ما هو المنطق "الجيد" هنا، الذي يجب تطبيقه في هذه الحالة: هل هو المنطق الكلاسيكي أم منطق آخر منافس له، مثل المنطق الحدسي؟ والمشكلة الثانية، تلك التي تطرح الطريقة المختلفة تماما التي تكون بها نفس الحجج قادرة على التأثير على عقول مختلفة، بما في ذلك عندما تكون لفلاسفة ويفترض أنهم عقلانيون بنفس القدر. ليس فقط، كما يقول آلان، أننا لا نعجب بنفس المفكرين ونفس الأعمال، ولكننا أيضا غير مقتنعين بنفس الحجج، بما في ذلك تلك التي قد تبدو الأكثر حسما ومن شأنها أن تُفرض دون تمييز على الجميع. يمكننا أن نعتقد، هذا صحيح، أن المهم هو أن يتم البت في الأسئلة. ومن الواضح أن مسألة قبول القرار أم لا، بمجرد الحصول عليه، هي مسألة أخرى. لكن هذا يثير مسألة الدور الذي من المحتمل أن تلعبه العوامل غير الفلسفية والتي تكون ذات طبيعة شخصية إلى حد ما في الاختيار الذي يتخذه الفيلسوف بين الخيارات المختلفة المتاحة.
إن الموقف الذي توصل إليه رينوفييه أخيرا بشأن هذه المسألة واضح بما فيه الكفاية: فهو يرى أن تاريخ الفلسفة هو، في الأساس، تاريخ الاختيارات الشخصية التي اتخذها الفلاسفة بحرية، لأسباب كانت أيضًا، إلى حد كبير، شخصية، بين المذاهب. والتي تكون دائما تقريبا هي نفسها والتي من المستحيل فصلها بشكل موضوعي. ويشير إلى أن كل نسق فلسفي “هو العمل الشخصي، أو على الأقل التأكيد الشخصي للمفكر، الواقع تحت تأثير مزاج فكري وعاطفي معين، وتربية معينة، وبيئة معينة، ومنقاد بالدراسة والتفكير إلى وجهة نظر محددة يقرر أن يظل متشبثل بها". وهذا لا يعني بالضرورة أن اختيار مؤلف النسق واختيار الفلاسفة الذين يقررون بحرية الالتزام به لا يمكن إلا أن يكون غير عقلاني. لكن هذا يتضمن شيئا مهما واحدا على الأقل، ألا وهو الالتزام بالاعتراف بأن "العقل هو أمر شخصي في قراراته".
وهذه على وجه التحديد هي الخاصية التي يتردد الفلاسفة بشكل خاص في الاعتراف بها، لأنهم حريصون، أكثر من العلماء مرة أخرى، بمجرد أن يسمحوا لأنفسهم بالاقتناع بالالتزام برأي أو عقيدة ما، على أن يكونوا قادرين حتى النهاية على الاحتفاظ باليقين بعدم الاقتناع بأي شيء آخر سوى يأسباب غير شخصية وموضوعية. من قبيل الوهم، بحسب رينوفييه، أن يكون من الضروري القتال بأكبر قدر من الطاقة. يجب على أي مفكر يستحق هذا الاسم، بمجرد أن يتخذ قراره بشأن قضية ما، أن يحتفظ بالقدرة على "البقاء في متناول الحقيقة أخلاقياً"، وبعبارة أخرى، أن يظل قادرا، عندما يواجه فكرة تتناقض مع القناعة التي اكتسبها، إن لم يكن على قبول الفكرة المطروحة، فعلى الأقل فهمها. لكن هذا ليس على الإطلاق ما يحدث عموما في الفلسفة، حيث الدوغمائية، التي تعتمد على وجه التحديد على الجهل المتعمد لما يمكن أن تكون عليه القناعة، في مجال مثل المجال المعني، كونها ذاتية وشخصية، تشكل ميلا طبيعيا لا يقاوم تقريبا وتمثل القاعدة وليس الاستثناء:
"كل مفكر دوغمائي، بفضل خيال مخدوع به واعتاد عليه الجمهور، يتحدث ويعلم ويصدر أحكاما، متفاخرا بسلطة العقل غير الشخصي وإدراك للحق لا يقبل الشك، كما لو أن التجربة لم تعلمنا أن هذا العقل الدعي يناقض نفسه من فيلسوف إلى آخر، وأنه بقدر ما يكون الاتجاه الأخلاقي والفكري للشخص كذلك يكون الفكر لا أكثر ولا أقل."
أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل "سوء الأخلاق الفكري"، الذي لم ينج منه العلم التجريبي نفسه، يهدد الفلسفة بشكل أكبر يكمن على وجه التحديد في العمى الذي يمنعنا من معرفة وفهم الطريقة التي نتبعها ونشرح بها الاختيارات:
هذا النوع من سوء الأخلاق الفكري لا ينقذ الفلسفة بشكل أقل، لأن الفلاسفة ليس لديهم في خدمتهم طريقة معترف بها عالميا لحل خلافاتهم؛ أنهم ملزمون بأن يدرجوا في تأكيداتهم الأساسية، في مبادئهم، شيئًا من حريتهم وجاذبيتهم، وأنهم في النهاية لا يريدون حتى، بشكل عام، الاعتراف بهذا الالتزام، وبالتالي يجدون أنفسهم مجبرين على التأثير على العقلانية المطلقة ويدعون بداهات يفقدونها.
في أساس الباقي كله، في الفلسفة وفي مجال المعرفة بشكل عام، يوجد فعل الحرية الذي كان وسيظل فرديا بشكل غير قابل للاختزال. رينوفييه، الذي يتناول في هذه النقطة أفكار ولغة جول لوكييه، يلخص على النحو ٠التالي الاستنتاج الذي ينتج عن ذلك والذي يلزمنا باعتبار الحرية تشكل حرفيا، مرة أخرى بفضل خيار لا يمكن أن يكون، هو الآخر، إلا حرا، فرديا، وفي نهاية المطاف، من طبيعة أخلاقية بطبيعتها، ليس شرطا لا غنى عنه فحسب، بل وسيلة للمعرفة كذلك:
"بالتأكيد، هناك فرضيتان: الحرية أو الضرورة. الاختيار بين أحدهما أو الآخر، عن طريق أحدهما أو الآخر. أفضل أن أؤكد الحرية وأؤكد أنني أؤكدها عن طريق الحرية. ولذلك أنكر تقليد الذين يريدون إثبات الشيء الذي يجبرهم على إثباته. أنكر الاستمرار في العمل بعلم ليس لي. أنا أحتضن اليقين الذي أنا مؤلفه.
وجدت الحقيقة الأولى التي كنت أبحث عنها. فإذا اعتبرت العلم في مبدئه، في المبدأ الأول لنظرياته مهما كانت، فإنني أعلن أن الحرية شرط إيجابي للمعرفة، ووسيلة للمعرفة.
نحن لا نعرف كثيرا، لنقول الحقيقة، ما إذا كان ينبغي لنا أن نتحدث، في هذه الحالة، عن حقيقة تم العثور عليها، وليس بالأحرى عن حقيقة تم "إعلانها" على وجه التحديد، بمعنى آخر، تم تقريرها. ولكن ما لا يمكن الشك فيه على أية حال هو أن النقد، في رواية رينوفييه، يكرس، بطريقة أكثر جذرية مما كانت عليه في نقد كانط، إخضاع العقل النظري للعقل العملي، وهو ما يمثل، بالنسبة لبرينتانو، مبدأ الخضوع للعقل النظري. السمة المميزة لمرحلة الانحطاط. حتى الاعتراف بالمبادئ الأساسية للمنطق يظل، في الواقع، يعتمد بشكل جوهري على فعل الحرية الذي يقرره: “لا يمكن للمرء أن يُخضع بالمنطق شخصا يرفض مبدأ التناقض. لم يعد المنطق هو الذي يؤكد نفسه، بل الحرية، ولا يمكن حل صراعات العقل الخالص إلا من خلال أوامر العقل العملي. «إن الرد «الشخصاني» الذي يقدمه رينوفييه على مسألة الاختيار بين المذاهب، له ميزة طرح سؤال علني حول العوامل التي من المحتمل أن تصنع الفرق في نهاية المطاف، من خلال التأكيد، من ناحية، على أنها في نهاية المطاف عملية وفردية بطبيعتها، وليست نظرية وعامة، ومن ناحية أخرى، فإن الفلاسفة محكوم عليهم بطريقة ما، بحكم طبيعة تخصصهم، بتقديم مقاومة خاصة لهذه الفكرة.
يرى جيرو أن ما يجعل تاريخ الفلسفة أكثر إثارة للاهتمام من تاريخ العلم هو حقيقة أنه ليس تاريخا للأخطاء التي تم التعرف عليها وتصحيحها، بل تاريخا بلحلول التي تم اقتراحها والتي تظل، اليوم كما بالأمس، ممكنة:
"إن الاهتمام بتاريخ الفلسفة يفوق بكثير الاهتمام بتاريخ العلم، لأن الأمر معه لا يتعلق بالأخطاء المثبتة بقدر ما يتعلق بالحلول الممكنة. في حين أن مشاكل العلوم الماضية (المرادفة للعلم الذي عفا عليه الزمن) قد تم حلها أو إلغاؤها في الغالب، فإن مشاكل الفلسفة الماضية لا تزال تنتظر الحل."
هذا المقطع وحده يلخص الصعوبة تماما. إن تاريخ الفلسفة، بمعنى ما، ليس سوى إعادة الكشف التي تستمر إلى ما لا نهاية، بشكل يمكن أن يؤدي، إذا لزم الأمر، إلى تعديلات وتحسينات نسبية، إلى الحلول الممكنة المدرجة في تصنيف المذاهب أو الأنساق. ولكن بما أنه لا توجد وجهة نظر عبر نسقية من شأنها أن تجعل من الممكن المقارنة، بطريقة موضوعية ومحايدة، بين الأنساق الفلسفية المتنافسة المقترحة لحل المشاكل وتأسيس، بطريقة لا جدال فيها، واحد منها على كل الانساق الأخرى، فذلك لا معنى واقعي للحديث عن مشكلات، على عكس مشكلات العلم، التي يتم حلها أو رفضها، من وقت لآخر على الأقل، تظل في الوقت الحالي (وربما إلى الأبد) تنتظر الحل الخاص بها. على الأقل هذا ما يتعين علينا أن نقوله لأنفسنا طالما بقينا مقتنعين بأن الحل لا يمكن أن يتمثل إلا في انتصار أحد الأنساق واعتراف الأخرى بواقعة أن الحل المحتمل الذي يمثله كان أيضا الحل الواقعي. ولكن، من ناحية أخرى، يبدو من الطبيعي والمشروع اعتبار أنه بالنسبة لشخص اختار نسقا محددا - وهي عملية تنطوي، من وجهة نظر جيرو نفسه، بالإضافة إلى الذكاء، على الإرادة - فإن النسق المختار لا يشكل حلاً ممكناً فحسب، بل الحل الواقعي بالفعل. ويظل هذا صحيحا حتى لو نجح في تجنب الدوغمائية والبقاء، كما يقول رينوفييه، "متاحا أخلاقيا للوصول إلى الحقيقة"، فسيتعين عليه أن يسلم في الوقت نفسه بأن الحلول الأخرى ممكنة ويمكن اختيارها لأسباب وجيهة بواسطة آخرين.
من الواضح أن مؤرخي الفلسفة مثل فويلمان وجيرو، في هذه النقطة، بعيدون كل البعد عن قبول استنتاجات مثل تلك التي استخلصها رينوفييه من الوضعية. ولكن، في الوقت نفسه، يمكننا أن نأسف لأنه، بعد إصرار كليهما على حقيقة أن الاختيار لا يمكن أن يرتكز كليا على أسباب نظرية أو حتى مجرد أسباب فكرية، فإنهما في النهاية لا يقولان سوى القليل عن الطريقة التي يكون بها الأمر حقا، وعلى وجه الخصوص، عن الدور الذي من المحتمل أن يؤدي - والذي لديه كل الفرص لأن يصبح أكثر أهمية، في "الجاذبيات" (إذا اردنا التحدث مثل رينوفييه) والتفضيلات - للعوامل ذات الطبيعة الفوق فلسفية وكذلك، إلى حد كبير، الفوق عقلانية. وبقولي هذا، أنا، بالطبع، لا أقترح بأي حال من الأحوال التشكيك بطريقة مباشرة ومتعمقة في طبيعة الأسباب التي من المحتمل أن تدفع هذا الفيلسوف أو ذاك إلى اختيار نسق فلسفي معين بدلاً من الآخر، دون أن ننسى تلك، إن وجدت، التي هي من النوع الأكثر شخصية، يمكن أن تستغني عن الجهد الذي يجب بذله في المقام الأول لفهم النسق نفسه وبالتأكيد لا يمكن لأكثر من هذا النوع من دوافع التساؤل، على هذا النحو، أن تشكل الوسائل المناسبة للتقييم الفلسفي لمزايا ونقاط ضعف النسق المعني.
غالبا ما يتم الاستشهاد بتصريح مشهور لـفيخته مأخوذ من "المقدمة الأولى للعلوم"
(1797) مفاده أنه "في هذا النوع من الفلسفة التي نختارها يتوقف على نوع الإنسان الذي نكونه. ولكن من الواضح أن هذا لا يخبرنا إلى أي مدى من المحتمل أن تصل علاقة الاعتماد بين الفلسفة والشخص. وهنا مرة أخرى، لا يسعنا إلا أن نلاحظ أن الإجابات المقدمة على سؤال المؤلفين، عندما تكون موجودة، متباينة للغاية. وهي تتراوح بين فكرة أن الفلسفة يجب أن تسعى إلى تزويدنا بشكل من أشكال المعرفة التي تكون تقريبا غير شخصية وموضوعية كما يفترض أن يكون العلم، إلى التأكيد على أن الفلسفة ليست في الأساس أي شيء آخر سوى نوع من الاعتراف الشخصي، في معظم الأحيان بشكل لا إرادي وغير واع، لمؤلفها. لاحظ نيتشه، في ملاحظة عام 1882، أن «الأنساق الفلسفية هي الشكل الأكثر تواضعا الذي يمكننا أن نتحدث به عن أنفسنا - وهو شكل غامض ومتلعثم من المذكرات". في كتاب "ما وراء الخير والشر"، نجد تقريبا نفس الملاحظة: «لقد اكتشفت تدريجيا أن كل فلسفة عظيمة حتى يومنا هذا كانت بمثابة اعتراف مؤلفها، وأنها (سواء أراد ذلك أم لا) تشكل مذكراته». النسق الفلسفي هو طريقة متواضعة لإخبار النفس عن نفسها، لأنه إذا تحدثنا حقا عن أنفسنا، ولو بشكل أساسي، فإننا نفعل، بوعي أو بغير وعي، ما هو ضروري للنجاح في إعطاء الانطباع بأننا متحدث عن أشياء أخرى.
يقدم نيتشه، في هذه النقطة، كما هو الحال معه في كثير من الأحيان، توضيحا شخصيا رائعا إلى حد ما لاتجاه عام يؤكد هو نفسه على طابعه التلقائي الذي لا يقاوم تقريبًا: “لا يتم نقل المواقف المتطرفة من خلال المواقف المعتدلة، ولكن مرة أخرى من خلال مواقف متطرفة، ولكنها معكوسة. وهكذا يكون الإيمان باللاأخلاقية المطلقة للطبيعة هو التأثير النفسي الضروري عندما لا يعود بالإمكان الدفاع عن الإيمان بالله وبنظام أخلاقي أساسي. » هكذا أيضًا استقبل المتطرفون فكرة الفلاسفة، التي بموجبها لا تتحدث بنياتهم النظرية أبدا عن أنفسهم، عن مزاجهم الفكري والعاطفي، عن نقاط القوة والضعف في شخصياتهم، عن فضائلهم ورذائلهم، ودوافعهم وعواطفهم، تفضيلاتهم النفسية والأخلاقية الشخصية، وما إلى ذلك، ولكن دائما فقط في ما يتعلق بالأشياء التي لها معنى ونطاق أكثر عمومية، يمكن استبدالها بقناعة متطرفة أخرى، والتي لا تكاد تكون أكثر معقولية، والتي بموجبها على العكس من ذلك يتحدثون دائما عن هذا أولا شيء آخر. ومع ذلك، أود أن أشير إلى أن هناك مجالًا كبيرا لموقف أكثر اعتدالا بين نفي واقعة أنه عندما يتحدث عن أشياء أخرى، فإن مؤلف الفلسفة يتحدث إلينا أيضا عن نفسه والتأكيد على أنه من خلال القيام بذلك يحدثننا فقط عن نفسه.
(يتبع)
المصدر: https://books.openedition.org/cdf/4936?lang=fr








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إيران تعلن أن هجومها على إسرائيل -حقق كل أهدافه- والدولة الع


.. الاعتراضات والأضرار.. إسرائيل تكشف حصيلة الهجوم الإيراني




.. اللواء فايز الدويري يحلل الرد الإيراني على إسرائيل بالأمس


.. مستوطنون يحرقون منازل وسيارات الفلسطينيين ببلدة قصرى جنوب نا




.. ‏عاجل |جرحى بإطلاق جيش الاحتلال النار على نازحين بشارع الرشي