الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الأنثروبومورفية عند شارل جورج لوروا، الصياد والفيلسوف (الحزء الأول)

أحمد رباص
كاتب

(Ahmed Rabass)

2024 / 2 / 16
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


انطلاقا من قلق فلسفي ما فتئ ينتابني بخصوص مصطلح "الأنثروبومورفية" وفي محاولة لاستكشاف نطاق دلالته، توقفت مؤقتا مساعي في هذا الصدد عند حد الأنسنة التي يضفيها الإنسان على الحيوان. ومن أجل إشراك القارئ الكريم في اكتشاف هذا الحيز من القارة التي تشملها الأنثروبومورفية، تجشمت عناء ترجمة مقال جان كلود بودان.


اتبطت الأنثروبومورفية بصحافة سيئة ويُنظر إليها على أنها ساذجة في أحسن الأحوال. إن الاهتمام بالحيوانات لا يعني إسناد قدرات الإنسان ومهاراته إليها، ولا يعني الغرق في سخافة الحديث معها كما يحدث مع الإنسان. في كتابه الف باء "A مثلما في Animal"،* يميز جيل دولوز بين صنفيت من العلاقات بالحيوان، العلاقات الإنسانية والعلاقات الحيوانية. إن تبني علاقة إنسانية أمر ممكن فقط مع الحيوانات الأليفة أو بالأحرى العائلية، التي تدعم الإسقاطات الرمزية للتحليل النفسي. إن حب الحيوانات الأليفة يؤدي إلى هذا السلوك غير المحتمل المتمثل في التحدث إليها وإقامة مجتمع معها ينكر حيوانيتها. إن الإسناد الأنثروبومورفي مطلوب بالضرورة في هذا الموقف. ويعارض دولوز هذه العلاقة التي تأخذ في الاعتبار وجود العوالم الحيوانية وخصوصيتها. يتضمن التواصل مع الحيوانات تحديد وقراءة العلامات التي من خلالها تبني الحيوانات عالمها الخاص. تحل السيميولوجيا وعلم سلوك الحيوان محل علم النفس التناظري التلقائي. يؤكد دولوز على أن الصيادين، الصيادين الحقيقيين، يصبحون حيوانات بطريقة ما عندما يتعرفون على آثار الحيوانات ويتفاعلون معها، ويتصرفون بطريقة حيوانية مع الحيوانات.
ولكن يمكننا أن نقول إن الأنثروبومورفية ليست مشكلة إذا سلمنا بأنه لا توجد طريقة أخرى للحديث عن الحيوانات والتحدث إليها سوى استخدام لغتنا الطبيعية ومقولاتها. والحال أن من يتصرف بهذه الطريقة لا يدعي إذا سئل أنه يؤمن بمعنى الكلمات التي يستخدمها. فكما تظل لغتنا بطلمية بينما علمنا كوبرنيكوسي عندما نقول أن الشمس تشرق، كذلك القول بأن الحيوان ذكي لأنه حسب طريقه للهروب من الفخ لا يحمل بالضرورة مذهبًا عن ملكات تشبه ملكاتنا. ومن المؤكد أن الذي ينجو من شبهة الأنثروبومورفية هو الديكارتي، المؤيد للآلة الحيوانية. لا يمكن أن يكون هناك أي غموض: إذا قلت إن قطة معينة تفكر في تغطية برازها، فأنا أعلم أنها لا تفكر في ما تفعله، ولكنها تنتج فعلًا يحدده جهازها العصبي آليًا، وما إلى ذلك. والدليل أنه لا يكاد يغطيها بالكامل. الميزة الإبستيمولوجية لهذه النظرية هي أنها تطيع قانون مورغان للبخل الذي يأمرنا بعدم اللجوء إلى ملكات عليا عندما يمكننا الاستغناء عنها لتفسير السلوك. لكنها بدورها تصبح عرضة للسخرية إذا تعهدت، بدعوى الاستغناء عن المفاهيم ذات الأهمية الإنسانية، بوصف صرخة كلبة تم ركلها للتو بالقول إن ما نسمعه صرير نوابض معدنية.
غالبا ما يؤدي انتقاد الأنثروبومورفية إلى استبعاد أي مشروع في علم نفس الحيوان. لكننا قد نفضل أن نتبع جورج كانغيليم الذي أظهر أنه إذا تمكنا من العثور لدى داروين على عناصر "تكوين علم النفس المقارن للحيوانات والبشر"، فمن المفارقة أنه لم يطور "علم نفس مقارن، كونه سبق له أن بحث عن شروط إمكانية وجود علم نفس حيواني مستقل ". إن إنشاء علم نفس مقارن، غير مثقل بمخاطر الأنثروبومورفية، يفترض تحولا كاملاً لأنه من الضروري البدء بعلم نفس حيواني مستقل، مع اعتبار الحيوان "كذات لتجربته، وفق وجهة نظر يتم الانطلاق منها، حتى نكون قادرين على التحدث عنها دون مماثلة أنثروبورمورفية. بيد أن من بين "شروط الإمكانية" لهذه البسيكولوجيا المستقلة وللغة غير متهمة بالأنثروبومورفية، يجب أن ندرج، كما يبدو لنا، التخلي عن الأسئلة التي تشكل ما نسميه "شجار روح الوحوش". وبالفعل، ما دمنا نحتفظ بمشكلة الشجار التي تقتصر على معرفة ما إذا كانت للحيوانات روح أم لا، وهل تفكر، فإن الذين يميلون إلى إسناد الفكر يدفعون إلى وصف هذا الفكر الحيواني، وإلى التعلق لا محالة بالملكات البشرية، ولتأسيس هذا التمشي، بشيء مختلف عن المماثلة، يجب عليهم إظهار مدى وجود الاستمرارية بين الحيوان والإنسان، وهم يضعون الإنسان حتماً كحد أعلى. ومن يرفض هذا الإسناد، فهو بالضرورة يستند إلى مفهوم إنساني عن النفس والفكر، ويرفض، ضدا على الحس المشترك، أن تكون هناك حساسية بيننا وبينه. يؤدي هذان المشروعان إلى نفس النقطة، ويظل الإنسان دائما هو النموذج والنهاية. ما عدا إن تم على وجه التحديد الانطلاق من الحساسية. إذا كانت عبارة الكاردينال دي بولينياك "تكلم وأنا أعمدك" تؤدي إلى استبعاد الحيوانات من علاقة اجتماعية محتمل مع البشر، تسمح لنا المطالبة على الأقل بالاعتراف بالحساسية باعتبارها ما نتشاركه، بالانطلاق من مستوى عابر للفرد وسابق على الوعي لا يحكم مسبقًا على أي أنطولوجيا حصرية وقع فيها "صراع روح الوحوش": إما الروح، أو الجسد-الآلة.
في ما يتعلق بالأسئلة التي أثيرت للتو، يمكن أن يمثل شارل جورج لوروا لحظة فريدة في عصر التنوير. كان لوروا في البداية صيادًا، ثم فيلسوفًا بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة في القرن الثامن عشر. كان من تلاميذ كوندياك في ما يتعلق بتصور الملكات العقلية التي يستخدمها للحديث عن سلوك الحيوانات، مخالفا أولئك الذين ينسبون كل شيء إلى الغريزة وإلى آلية الديكارتيين وإلى ثنائية بوفون.
باستخدام لغة لذيذة في كثير من الأحيان، يجادل ضد كل أولئك الذين "يحطون من ذكاء الحيوانات" ويؤكد من جديد أطروحته الأكثر ثباتا: الحيوانات ذكية. عند قراءة تفاصيل حجج لوروا ومنهجه الحسي في التفسير، يجب أن نعترف بأنه ليس أصيلا، حتى عندما يصحح كوندياك أو هيلفيتيوس. وهكذا، فإن مخططه التفسيري، للأرثوذكسية الحسية الصارمة القائمة على النظر في "تنظيم"، الاحتياجات والبيئات، يقترح السلسلة التالية:
"[يجب] الحكم على تطورات وتأثيرات قدرتها على الإحساس، ونرى كيف تسمو غرائزها إلى مستوى الذكاء من خلال الفعل المتكرر للإحساس
وممارسة الذاكرة."
الأحاسيس، التي تعتمد على تنظيمات واحتياجات الجسم، تنبع من المشاعر والأفكار. للحصول على أفكار، تحتاج إلى مشاعر واحتياجات واهتمام. يتم الحفاظ على الأفكار، ومن هنا تأتي الذاكرة. وعندما تستخدم بمناسبة ظرف جديد يذكر بالسابق، تنشأ مقارنة بين الأفكار، بمعنى آخر، شكل من أشكال الحكم الذي يتطلب الخيال والاهتمام أيضا. إذا كانت الظروف الخارجية (وجود خطر، منافس، تغير في البيئة، إلخ..) تجبر الحيوان على البحث وإيجاد طرق لحل مشكلة ما، فيجب عليه فحص الاحتمالات المختلفة واتخاذ قرار بشأن الحل الأفضل: بمعنى آخر، فهو يفكر، يتدبر ويقرر. ومن الإحساس إلى الذكاء، تكون النتيجة جيدة عبر الانتباه، الذاكرة، الخيال، التفكير، الحكم والتدبر. وبعبارة أخرى، التفسير بالغريزة هو في أحسن الأحوال كسل فكري، وفي أسوأ الأحوال تحيز لا يليق بفيلسوف. هدف لوروا هو بوفون الذي يتم الاستشهاد به على نطاق واسع. بالنسبة إلى بوفون،
"الحيوان هو […] كائن مادي بحت، لا يفكر ولا يتفكر، ومع ذلك فهو يتصرف ويبدو أنه يحدد نفسه. ولا يمكن أن نشك في أن مبدأ تحديد الحركة هو في الحيوان تأثير ميكانيكي بحت ويعتمد بشكل مطلق على تنظيمه."
ولذلك، لا نرى ما الذي يمنع لوروا من أن ينسب إلى الحيوانات لغة، وإلى بعض الأنواع، حياة اجتماعية. وأخيرا، لا شيء يقف في طريق الاعتراف بالكمال الحيواني، المرتبط بالحياة الاجتماعية والأخلاق الخاصة بالنوع. من المؤكد أن الكمال محدود، ولكنه لا جدال فيه، كما هو الحال مع ذكائها.
نتيجة لذلك، أصبح لوروا أنثروبومورفيا صارما، بدون عقد. الكلمات المستخدمة لوصف وإثبات الذكاء الحيواني تتفق مع عقيدته. ومن المؤكد أنه يعترف بأن هذه النتائج مبنية على استعمال المماثلة الاي يدافع عنها بالتحوطات المعتادة: "يجوز المجازفة بالتخمينات، بل وحتى ياستعمال المماثلة، بشرط عدم الادعاء بتقديمها كما لو كانت برهانية". لكنه أمر لا مفر منه ومبرر. لا مفر منه، إذ يمكننا أن نستنتج من حركاتها ما نراه في أنفسنا. قبل كل شيء له ما يبرره، بمجرد أن نعترف بأن الحيوانات حساسة وأن أحاسيسها تتطور. إن فكرة التطور لها معنيان: أحدهما وراثي، غير متزامن، والآخر متزامن، بمعنى أن الأحاسيس تتكشف إلى عناصر وقدرات وأنشطة تشكل الذكاء. ومن ثم، فإن هذا بالنسبة للوروا عبارة عن مجموعة من الوظائف، أو القدرات، التي تعمل دائما والتي يتمثل قانون تطورها في المفهوم الكوندياكي عن الإحساس. يهتم لوروا بنشأة القدرات من الأحاسيس بقدر اهتمامه بعملها وتنفيذها في سلوك الحيوانات. ويرد على الفلاسفة الآليين:
"لا، ليست المماثلة الضعيفة هي ما يقودني إلى الاعتقاد بأن الحيوانات تقارن، تحكم، إلخ.. عندما تقوم بأشياء لا أستطيع القيام بها دون مقارنة وحكم. لدي من ذلك يقين مباشر، يقين لا يمكن إبطاله دون تدمير جميع قواعد الحقيقة الطبيعية في نفس الوقت. أعلم أنه، بالمعنى الدقيق للكلمة، ليس لدينا اليقين المطلق سوى بأحاسيسنا و وعينا […] ومع ذلك، لا يسعني إلا أن أعتبر أي شخص سخيفًا، على هذا الأساس، يوسع نزعته البيرونية إلى كل الأشياء التي لدينا معرفة واضحة عنها، من خلال ممارسة حواسنا ومشاعرنا ذاتها […] أقول إن اليقين من أن الحيوانات تشعر باللذة والألم، وأن سلوكها ينتظم بحسب الذاكرة التي لديها عن هذين الإحساسين، هو بالتأكيد من نفس النوع الآخر [الذي لدينا لمشاعر وأفكار أشباهنا]؛ ولا نتأكد من ذلك في إلا من خلال العلامات التي تصاحب هذه المشاعر وتميزها في أنفسنا؛ ونجد في الحيوانات نفس هذه العلامات. وليس هناك مماثلة يمكن أن تقوض هذا اليقين."
المصدر: https://www.cairn.info/revue-dix-huitieme-siecle-2010-1-page-353.htm








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. -الاستعداد لخطر جديد-...كيف قرأ الإعلام الإسرائيلي الهجوم ال


.. كيف تلقت الدول الغربية والعربية إطلاق إيران عشرات الصواريخ و




.. تفاصيل الهجوم الإيراني على إسرائيل وتداعياته الإقليمية والدو


.. خطأ إعلامي محرج لتلفزيون إيران خلال تغطيته للهجوم على إسرائي




.. هل إيران على أهبة الاستعداد في حال ردت إسرائيل على هجومها؟