الحوار المتمدن - موبايل


مفهوم العولمة .... رؤية نقدية

خالد كاظم أبو دوح

2006 / 12 / 21
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


اقترن الاهتمام بمفهوم النظام العالمي الجديد، الاهتمام بمفهوم العولمة(٭) Globalization التي كثر الحديث عنها، ليس على المستوى الأكاديمي فحسب، وإنما أيضاً على مستوى أجهزة الإعلام، والرأي العام، والتيارات السياسية والفكرية المختلفة، إلى الحد الذي دفع بالبعض إلى القول بأن هناك سيلاً أشبه بالطوفان في الأدبيات التي تتحدث عن هذا المفهوم . ولم يعد الأمر يقتصر على مساهمات الاقتصاديين وعلماء السياسة أو المهتمين بالشئون العالمية، بل تعدى ذلك ليشمل مساهمات الاجتماعيين والفلاسفة والإعلاميين والفنانين، وعلماء البيئة والطبيعة وغيرهم، ولا غرابة في ذلك، فمفهوم العولمة، له من الجوانب والأبعاد الكثيرة، ما يثير اهتمام كل هؤلاء. ولكن وسط هذا الكم الهائل من الكتابات عن العولمة تصبح مسألة صياغة تعريف دقيق لها، مسألة معقدة وشائكة، نظراً لتعدد التعريفات، وتأثر الباحثين وانحيازهم الأيديولوجي رفضا وقبولاً فضلاً عن الحذر الذي تقابل به الشعوب عمليات العولمة، وتخوف البعض من انتشارها على حساب مصالحهم وثقافاتهم المتنوعة .
ومن الأهمية هنا الرجوع إلى اللغة لتحديد المعنى اللغوي لمفهوم العولمة، مع أن الرجوع إلى اللغة هنا ليس مقصوداً به الوقوف عند العقلية المعجمية الشكلية، بقدر ما هو استئناس بأساس مهم يجب الاسترشاد به في ضبط مفهوم، يثير الكثير من الاهتمام والجدل فالعولمة مشتقة من " عالم " التي يعرفها " مختار الصحاح " " بالخلق " وتجمع على عوالم " والعالمون "أصناف الخلق ،" والعالمين " تشمل الكون، أي " عالمنا " والعوالم الأخرى.
ومصطلح العولمة يعود في الأصل إلى الكلمة الإنجليزية " Global " والتي تعني عالمي، أو دولي أو كروي، أما المصطلح الإنجليزي " Globalization "، فيترجم إلى الكوكبة أو الكونية أو العولمة، وكانت الغلبة والانتشار لكلمة العولمة، وذلك لشيوع استخدامها عند مختلف الشرائح الاجتماعية .
وعلى الرغم من الاختلاف والتباين الشديد، بين معظم محاولات الباحثين لتعريف العولمة، إلا أنه يمكن أن نلتمس فيما بينها بعض خطوط التقارب، وقد يكون هذا الاختلاف والتباين يرجع في الأساس إلى تعدد أبعاد العولمة وتداخلها مع بعضها، وهذا ما سيتضح من خلال العرض التالي :
هناك عدد من المحاولات التي أخضعت مفهوم العولمة للتدقيق المفاهيمي، تعد العولمة مرحلة تاريخية للتطور البشري، وفي هذا السياق يعتبر " هندرسون " Henderson العولمة مرحلة تاريخية لتطور المجتمع البشري ، الذي يشهد فيها العديد من التغيرات السياسية، والاقتصادية، والثقافية. ومن خلال تركيزه على آليات العولمة، يذهب " محمود عبد الفضيل " إلى أن العولمة مرحلة تاريخية لتطور البشرية ، تتم من خلال ثلاث آليات أساسية .
1- ثورة المعلومات والاتصالات .
2- صعود رأس المال العالمي إلى مركز القيادة في عملية التطور الرأسمالي .
3- نمو نشاط الشركات الدولية وتوسعه من خلال عمليات الاندماج المتزايدة .
وفي إطار هذا السياق أيضاً ، يؤكد أحد الباحثين على أن العولمة مرحلة تاريخية لتطور المجتمعات البشرية في طريق خلق مجتمع عالمي واحد ، وذلك يرجع إلى :
1- صعود الرأسمالية " Capitalism " بوصفها نظاماً اقتصادياً عالمياً .
2- التطور التكنولوجي الذي زود معدلات التبادل بين الدول .
3- ظهور الأطر القانونية والمؤسسية العالمية .
لعل أهم ما تتسم به هذه المحاولات أنها أكدت على حتمية العولمة، من خلال اعتبار العولمة مرحلة من مراحل تطور المجتمع البشري، إضافة إلى تركيز هذه المحاولات على إبراز أهم هذه الآليات التي تمتلكها العولمة ، ولكن أهم ما يؤخذ على هذه المحاولات، هو التأكيد على أن العولمة مرحلة طبيعية لتطور المجتمع البشري، لأن العولمة إذا كانت كذلك بالنسبة للدول الرأسمالية المتقدمة ، فإنها ليست كذلك بالنسبة للدول النامية، التي لا تتناسب هياكلها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية مع ما تفرضه العولمة وآلياتها من تحديات .
وفي سياق هذا الاهتمام الواسع بالعولمة، تبرز عدة اتجاهات، يركز كل اتجاه منها في تعريفه للعولمة، على أحد أبعاد المفهوم وذلك كما سيتضح من خلال التحليل التالي :
البعد الاقتصادي للعولمة
يتعامل أنصار هذا الاتجاه مع مفهوم العولمة، من خلال التركيز على أهم القضايا الاقتصادية التي يثيرها مفهوم العولمة، على أساس أن العولمة تجسد التطور الرأسمالي العالمي وتتضمن وضعاً تعمل فيه الشركات الصناعية والتجارية والمؤسسات المالية متخطية الحدود القومية
وفي إطار هذا الاتجاه يذهب أحد الباحثين إلى أن العولمة تتضمن تحرير التجارة، ( في السلع والخدمات، وحركة الأموال ) وتدويل الإنتاج إضافة إلى التنميط المتزايد للمؤسسات الاقتصادية ، وقواعد الضبط والتحكم على مستوى العالم. وهناك من يتفق مع هذه الرؤية ويشير إلى أن العولمة هي أحد الموضوعات الاقتصادية التي فرضت نفسها خلال التسعيينات لتعبر عن اتساع التدفقات الدولية وعمقها في مجالات التجارة والمال والمعلومات في سوق عالمية واحدة ومتكاملة. ويري " محمد الأطرش " أن العولمة هي اندماج أسواق العالم في حقول انتقال السلع والخدمات والرساميل، والقوى العاملة ضمن إطار رأسمالية حرية الأسواق بحيث تصبح هذه الأسواق سوقاً واحدة. ويعرف " صادق جلال العظم " العولمة بأنها " وصول نمط الإنتاج الرأسمالي منذ منتصف القرن العشرين تقريباً إلى نقطة الانتقال من عالمية دائرة التبادل والتوزيع والسوق والتجارة والتـداول إلى عالميـة دائـرة الإنتـاج نفسها " . ويعالج " إسماعيل صبري عبد الله " مفهوم العولمة، من خلال تحليله الدقيق لتاريخ الرأسمالية علي أساس أن العولمة هي في جوهرها محاولة من النظام الرأسمالي لتطوير نفسه ، وتحقيق نوع من الإمبريالية الجديدة التي تتوافق مع هذا العصر .
ويلاحظ أن كل المحاولات التي تنتمي إلى هذا الاتجاه ، تتعامل مع مفهوم العولمة على أساس البعد الاقتصادي فقط ، وعلي الرغم من أهمية هذه المحاولات ، وذلك لأهمية ما تثيره العولمة اقتصادياً ، إلا أنها تمثل رؤية جزئية للعولمة ، نظراً لتعدد الأبعاد والتجليات والمظاهر والآليات المرتبطة بمفهوم العولمة .
البعد السياسي للعولمة
وفي مقابل الاتجاه الذي يتعامل مع مفهوم العولمة من خلال البعد الاقتصادي ، هناك اتجاه ثان يركز أصحابه في تناولهم لمفهوم العولمة علي البعد السياسي، ووفقاً لهذا الاتجاه تعني العولمة أن الدولة ليست هي الفاعل الوحيد علي المسرح السياسي العالمي، ولكن توجد إلى جانبها هيئات متعددة الجنسيات، ومنظمات عالمية وجماعات دولية وغيرها من التنظيمات الفاعلة التي تسعي إلى تحقيق مزيد من الترابط والتداخل والتعاون والاندماج الدولي .
وبذلك تكون العولمة تعبيراً عن التداخل الواضح لأمور الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة والسلوك دون اعتداد يذكر بالحدود السياسية للدول ذات السيادة، أو انتماء إلى وطن محدد أو دولة معينة ودون حاجة لإجراءات حكومية .
ويذهب " عبد الخالق عبد الله " إلى أن العولمة في بعدها السياسي هي محصلة للتحولات في النظام السياسي العالمي، الذي شهد انهيار دولة عظمي، وانفراد قوة عظمي أخرى بالشأن السياسي العالمي دون منافس حقيقي يعيد التوازن للساحة السياسية العالمية . وتعبر العولمة في بعدها السياسي عن سقوط الشمولية والسلطوية والنزوع إلى الديمقراطية والتعددية السياسية، واحترام حقوق الإنسان، وهذا ما يؤكده " محمود أمين العالم "حين قال: إنه في قلب العولمة، لا تزال ترتفع مفاهيم ومبادئ وقيم العقلانية والحرية والعدل والمساواة والديمقراطية .
ويرتبط مفهوم العولمة في بعده السياسي ببروز المجال السياسي العالمي ، بمعني التفكير في العالم باعتباره وحدة سياسية واحدة، حيث من المؤكد أن التجزئة والعزلة السياسية في طريقها للزوال، وهذا الاتجاه المتزايد نحو المجال السياسي العالمي ، يخلق ظاهرة أخري وهي أن السياسة في كل أرجاء العالم أصبحت مرتبطة بالسياسة في كل أرجاء العالم، واتساقاً مع هذا التوجه نحو الارتباط السياسي العالمي، يلاحظ دخول البشرية مرحلة التدفق الحر وغير المقيد للسياسة علي الصعيد العالمي، فالقرارات والتشريعات والسياسات والقناعات والأزمات السياسية ليست مرتبطة ببعضها البعض فحسب، إنما هي تتدفق بحرية تامة بين المجتمعات والقارات وبأقل قدر من القيود وبسرعة هائلة متجاوزة الحدود السياسية والجغرافية .
ويتجسد كل ما سبق فيما يسمي بحركة لبرلة العالم سياسياً، حيث إن العولمة في بعدها السياسي تؤكد علي ضرورة تبني شعوب العالم أجمع للنموذج الليبرالي، بحيث يكون هو النموذج السياسي العالمي الذي تعيش في ظله كل مجتمعات العالم .
البعد الثقافي للعولمة
معظم المحاولات التي تركز علي البعد الثقافي للعولمة تعرف مفهوم العولمة علي أساس أنها عملية خلق ثقافة عالمية Global Culture ، حيث إن هناك عمليات تحول نحو التكامل والتشابه . وهذا أيضاً ما يذهب إليه " جان نيدرفين " عندما يشير إلى أن أكثر التفسيرات شيوعاً للعولمة، هي التي تؤكد علي أن العالم يتجه نحو التوحد وتوحيد المعايير من خلال تزامن تكنولوجي وتجاري وثقافي نابع من الغرب .
وهكذا توصف العولمة بأنها التشكيل البنائي الملموس للعالم ككل، أي الوعي المتزايد علي مستوي كوني بأن العالم بيئة تتشكل علي نحو مستمر لا يتوقف، وحيث النظر إليها علي أنها نسق ثقافي عالمي " كوني " من خلال وجود نظام للمعلومات ينتشر بواسطة الاتصال الفضائي علي مستوي عام، وظهور أنماط من الاستهلاك والثقافة الاستهلاكية، وتبلور أساليب حياتية كونية وسياحية عالمية وما غير ذلك .
وتهدف العولمة إلى الاختراق الثقافي، حيث السيطرة علي الإدراك وسلب الوعي والهيمنة الثقافية، وهنا يؤكد " مايك فيذرستون " على أن التمدد والتداخل الثقافي العالمي يؤدي إلى نشأة كيان عالمي يعرف بأنه " نطاق من التفاعل والتبادل الثقافي"، فهو عملية تقوم فيها سلسلة من التدفقات الثقافية لإفراز تجانس ثقافي وفوضي ثقافية في آن واحد ، حيث ردود أفعال داعمة للتوقعات وإفراز ثقافات عابرة للقوميات. وفي هذا تتشكل ثقافة أصيلة تتجه إلى ما وراء حدود القوميات، وأطلق عليها " فيذرستون" ثقافة ثالثة . وفي إطار البحث في العلاقة ما بين العولمة والثقافة ، يطرح الباحثون العديد من التساؤلات ومنها التساؤل الأساسي وهو: هل باتت الثقافة تنهل أسباب وجودها وشخصيتها من مصادر فوق وطنية أو خارج المجتمع الوطني؟ هل تصبح الثقافات المحلية موحدة علي مستوي العالم؟ هل يمكن أن تكون هناك ثقافة كونية أم ستظل الثقافات محتفظة باستقلاليتها النسبية إزاء النظام العولمي الجديد ؟
وفي محاولة الإجابة عن تلك التساؤلات، اختلف الباحثون فمنهم من يرى في عولمة الثقافة تجرداً من الولاء لثقافة ضيقة ومتعصبة إلى ثقافة عالمية واحدة يتساوى فيها الناس والأمم جميعاً، تحرر من التعصب لأيديولوجيا معينة، والاتجاه نحو الانفتاح على مختلف الأفكار من دون تعصب، وتحرر من كل صور اللاعقلانية الناتجة عن التحيز المسبق لأمة أو دين أو أيدولوجيا بعينها، وتبنى عقلانية العلم وحياد الثقافة. ويذهب فريق آخر إلى أن عولمة الثقافة لا تلغي الخصوصية، بل تؤكدها حيث إن الثقافة هي المعبر الأصيل عن الخصوصية التاريخية لأمة من الأمم، عن نظرة هذه الأمة إلى الكون والحياة والموت والإنسان ومهامه وقدراته وحدوده، ومن ثم فلابد من وجود ثقافات متعددة ومتنوعة تعمل كل منها بصورة تلقائية أو بتدخل إرادى من أهلها على الحفاظ على كيانها ومقوماتها الخاصة.
مما سبق يتضح أن هناك عدداً من الباحثين صاغوا عدداً من المحاولات التعريفية لمفهوم العولمة بالتركيز على بعد واحد فقط من أبعاد العولمة، وكانت هذه الأبعاد تتمثل في البعد الاقتصادي والسياسي والثقافي، والملاحظ على هذه المحاولات أنها جزئية وناقصة، وذلك لأن مفهوم العولمة متعدد ومندمج الأبعاد، ولذلك يكون من الصعوبة الأخذ بمفهوم يركز على بعد واحد فحسب ، ولذلك ظهرت عدد من المحاولات الأخرى التي حاولت الاقتراب من مفهوم العولمة من خلال التركيز على أكثر من بعد، والنظر إلى مفهوم العولمة على أساس أنه مفهوم مركب يشتمل على أبعاد اقتصادية وثقافية وسياسية واجتماعية متعددة، ويشير أحد الباحثين إلى أن صفة التركيب هذه لا تنبع فقط من تعدد الأبعاد التي يشير إليها المفهوم، وإنما استخدامه أيضاً للتعبير عن كل من التغيرات التي تحدث في هذه الأبعاد المختلفة والآثار الناجمة عنها، من هنا فالعولمة ليست مجرد عملية أحادية الاتجاه ، وإنما هي في جوهرها تعبير عن ديناميات ديالكتيكية معقدة .
ومن المحـاولات التي تؤكـد على أن العولمـة، عمليـة متعددة المستويات والأبعـاد، رؤية " مصطفى كامل السيد "، الذي يرى أن العولمة مفهوم يقصد به عملية تجري على أرض الواقع، لها مستويات متباينة هي:
المستوى الأول: ويتمثل في تزايد سرعة الانتقال لمفردات عديدة في الحياة الدولية( تزايد سرعة انتقال البضائع والخدمات ورءوس الأموال والأشخـاص، والأخبـار، والصـور وغير ذلك ) .
المستوى الثاني: هو ظهور شبكات تفاعل عالمية، وأهم تجسيد لهذه الشبكات العالمية هو شبكة الإنترنت.
المستوي الثالث: ويتمثل في ظهور نظم عالمية، فهناك نظام مالي عالمي، وهناك نظام نقدي عالمي، وغير ذلك من النظم التي انتشرت لدى المجتمعات في العالم .
والملاحظ على هذا المفهوم أنه ركز على عدد من المظاهر المرتبطة بعملية العولمة ولم يتطرق إلى أهم آليات هذه العملية وهدفها .
ويشير " السيد أحمد مصطفي "، إلى أن الصياغة اللغوية للعولمة، تدل علي أنها ذات مضمون ديناميكي يشير إلى عملية مستمرة من التحول والتغير، بمقتضاها تتحول النظم الاجتماعية من الإطار القومي لتندمج وتتكامل مع النظم الأخرى في الإطار العالمي. من هنا فإن العولمة تمثل العملية التي من خلالها تصبح شعوب العالم متصلة ببعضها في كل أوجه حياتها ثقافياً ، واقتصادياً ، وسياسياً ، وبيئياً .
ولقد نجح أصحاب المحاولات السابقة في تحقيق النظرة التكاملية لمفهوم العولمة ، من خلال اعتبار العولمة عملية متعددة الأبعاد والمستويات تحدث علي مستوي دول العالم أجمع ، ورغم ذلك فإن هذه النظرة كانت تشير إلى الهدف المثالي والمعلن لهذه العملية، وهي تحقيق التوحد والتكامل علي مستوي دول العالم .
وعلي خلاف النظرة المثالية السابقة لمفهوم العولمة، هناك عدداً من المحاولات التي حاولت الكشف عن الأهداف الأيديولوجية التي يتضمنها مفهوم العولمة، وهذه المحاولات في مجملها تتعامل مع عملية العولمة علي أساس أنها عبارة عن حقبة التحول الرأسمالي العميق للإنسانية جمعاء ، في ظل هيمنة دول المركز الرأسمالي، بهدف تجاوز أزمة النظام الرأسمالي ، من خلال نظام عالمي للتبادل غير المتكافئ . وفي هذا الصدد يذهب " محمود أمين العالم " إلى أن العولمة ظاهرة موضوعية نتيجة للطابع التوسعي والتنافسي لنمط الإنتاج الرأسمالي، فضلاً عن السيطرة علي المكتشفات العلمية والتكنولوجية في مجال الاتصالات والمعلومات وخاصة بعد تفكك دول المنظومة الاشتراكية .
وفي هذا السياق يذهب " إبراهيم العيسوي " إلى أن العولمة هي تعميم النظام الرأسمالي علي كل أرجاء المعمورة بدرجات متفاوتة – مع تعرضه لعمليات تطوير شملت بنيته ، وأسلوب إدارته، وغير ذلك من جوانبه وعناصر تشغيله، استناداً إلى الثورات التكنولوجية التي شهدها العالم، وبوجه خاص ثورة المعلومات والاتصالات .
أما " امانويل والرستين " Immanuel Wallerstin فيشير إلى أن العولمة هي تطور ونمو نظام عالمي موحد ونموه، ذلك النظام تسود وتسيطر فيه العلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية الرأسمالية .
وفي السياق نفسه يذهب " أحمد زايد " إلي أن العولمة تشير إلى عملية تتضمن العديد من الآليات المختلفة والتي تهدف إلى تحقيق وحدة علي مستوي المصلحة الاقتصادية علي الأقل في مراكز النظام العالمي، وتحقق ضروبـاً من التناقض البنائي والتشظي الثقافي في الأطراف . والملاحظ علي المحاولات السابقة، أنها تكشف عن الهدف الأيديولوجي الحقيقي للعولمة وهو تحقيق المصالح الاقتصادية والسياسية لدول المركز الرأسمالي ، وتعميق تبعية دول الأطراف، والتي كانت تتحقق قديماً من خلال الإمبريالية. وعلي الرغم من تعدد المحاولات التي صيغت في إطار هذه الرؤية ، إلا أن الباحث يري في أن المحاولة التي قدمها " أحمد مجدي حجازي " في هذا السياق نفسه، تمثل أكثر المحاولات شمولية نظراً ؛ لأن هذه الرؤية توصل إليها " مجدي حجازي " – علي حد قوله – من خلال تحليل العديد من المحاولات التعريفية للعولمة، ومن خلال قراءات شاملة لأدبيات الفكر المعاصر،وفي إطار هذه المحاولة، يذهب " مجدي حجازي " إلى أن العولمة تعبير عن
( أ ) أزمات وتناقضات يمر بها النظام الرأسمالي ذاته .
(ب) أزمة شعور بفقدان الذات المركزية من داخل المركز الرأسمالي ذاته، ومن ثم تعد العولمة معبرة عن صياغة فكرية – أيديولوجية مستحدثة – مغلفة بالمبادئ الإنسانية كالديمقراطية والمساواة والحرية الكاملة علي الأصعدة الدولية، وتحقق هدفها في الهيمنة عابرة القوميات والعولمة بهذا المعني هي صياغة جديدة لإعادة المركزية الرأسمالية .
(ج) محاولة لنشر حضارة السوق المعولمة Global Commendation ، وهي بذلك تعبر عن سيادة نمط التشيؤ حيث العمل علي تحويل كل شيء إلى سلعة متداولة في السوق. وفي هذا السيـاق نفسه، هناك محاولات أخري فردية تتميز بخصوصية التناول وعمقه، وقد أضافت هذه المحاولات أبعاداً جديدة لمفهوم العولمة ، لم ترد في المحاولات السابقة، ومن هذه المحاولات محاولة " جلال أمين " الذي يؤكد علي أن العولمة ظاهرة عمرها خمسة قرون علي الأقل ، وبدايتها ونموها مرتبطان بتقدم تكنولوجيا الاتصال والتجارة، منذ اختراع البوصلة، إلا أن هناك أشياء جديدة طرأت علي ظاهرة العولمة في الثلاثين سنة الأخيرة منها:
1 – انهيار أسواق عالية كانت تحتمي بها بعض الأمم والمجتمعات من تيار العولمة، ومن ثم اكتسح تيار العولمة مناطق مهمة في العالم، أهمها دول أوربا الشرقية والصين.
2 – الزيادة الكبيرة في درجة تنوع السلع والخدمات التي يجري تبادلها بين الأمم، وكذلك تنوع مجالات الاستثمار .
3 – زيادة حركة تبادل المعلومات بين الأمم ونموها .
4 - زيادة فعالية الشركات المتعددة الجنسيات ونشاطها .
ومن الملاحظ هنا علي محاولة " جلال أمين " أنه أضاف بعداً مهماً لمفهوم العولمة، وهو التآطير التاريخي لها، حيث أكد على أن العولمة ظاهرة ليست بجديدة ، وتزايد الحديث عنها في الوقت الراهن دليل على نموها وتسارعها .
ومن خلال اهتمام " السيد ياسين " بمفهوم العولمة وتجلياتها المتعددة يقرر صعوبة صياغة تعريف دقيق للعولمة، ولتجاوز هذه الصعوبة، جاءت محاولته لتعريف العولمة من خلال رصده لمجموعة من التجليات التي تثيرها العولمة، فيشير إلى أن للعولمة تجليات اقتصادية، تظهر أساساً في نمو الاعتماد المتبادل بين الدول والاقتصاديات القومية وعمق هذا الاعتماد في وحدة الأسواق المالية وفي المبادلات التجارية، في إطار نزعت عنه القواعد الحمائية التجارية، وهناك تجليات سياسية للعولمة، ومن أبرزها سقوط الشمولية والسلطوية، والنزوع إلى الديمقراطية والتعددية السياسية واحترام حقوق الإنسان، ومن ناحية أخرى هناك تجليات ثقافية للعولمة، تظهر في محاولة صياغة ثقافة عالمية، وأخيراً هناك تجليـات اتصالية للعولمة تبرز من خلال البث التليفزيونـي عن طريق الأقمار الصناعية، وبصورة أكثر عمقاً من خلال شبكـة الإنترنت
ومن خلال العرض السابق لمختلف المحاولات التي حاول من خلالها عدد من الباحثين إخضـاع مفهوم العولمة للتدقيق المفاهيمي، يمكن للباحث استخلاص عدد من القضايا أهمها :
أولاً : تعدد رؤى الباحثين للعولمة ، فهناك من اعتبرها مرحلة تاريخية لتطور المجتمع البشري، وهناك من اهتم في تناوله لهذا المفهوم بالتركيز على بعد واحد من أبعاد العولمة وهناك من اهتم بالعولمة بوصفها عملية مركبة وشاملة لأبعاد عديدة ( الاقتصادي – السياسي – الثقافي ) وهناك فريق ركز على الأهداف الأيديولوجية لمفهوم العولمة، من خلال أنها محاولة لرسملة العالم بما يحقق مصلحة دول المركز الرأسمالي وأهدافها، وهناك العديد من المحاولات الأخرى والتي تتماشى جميعها مع هذا الرواج والانتشار والجدل الذي تصاحب مع ظهور مفهوم العولمة .
ثانياً : تأثرت محاولات الباحثين في تعريفهم للعولمة بانتماءاتهم الأيديولوجية والعلمية إلى جانب موقفهم من العولمة قبولاً ورفضاً .
ثالثاً : عكست هذه المحاولات التي قدمها مختلف الباحثين أهمية الدور الذي تؤديه ثورة الاتصالات والمعلومات، في الدفع الإيجابي بعمليات العولمة، والترويج لها في مختلف مجتمعات العالم .
رابعاً : الاختلاف فيما بين الباحثين حول تحديد مفهوم العولمة ، يؤكد أنها عملية معقدة ومركبة وتتضمن دياليتيكية مستمرة بين العديد من الأبعاد منها الاقتصادي، والسياسي، والثقافي، والاجتماعي، والتقني .
خامساً : أن العولمة عملية تتضمن بجانب أهدافها الإنسانية المعلنة، أهدافاً أيديولوجية مستترة، لا تخدم إلا مصالح دول المركز الرأسمالي، وتعد العولمة آلية هذه الدول لتحقيق هذه المصالح، في حين أن العولمة بالنسبة للدول الفقيرة – دول الأطراف – هي التعبير الصارخ عن الهوة السحيقة المتزايدة عمقاً، والتي تفصل بين قدرات الشعوب علي تحقيق مطامحهـا، والقرارات الكبـرى التي تحدد مصيرها والتي تؤخذ دائماً عنها وخارج حدودها
هوامش الدراسة وقراءات مقترحة حول العولمة
*- هناك عدد من الباحثين لا يفضل استخدام مصطلح العولمة ، وتم استبدال كثير من الكلمات الأخرى به : الكوكبة ، الكونية ، الكوكبية ، ولكن الباحث فضل مصطلح العولمة لأنه الأكثر شيوعاً ،
انظر في ذلك :
- السيد يسين ، حوار الحضارات في عالم متغير ، ورقة بحثية مقدمة لمؤتمر صراع الحضارات أم حوار الثقافات ، تحرير فخري لبيب ، مطبوعات التضامن ، العدد 173 ، القاهرة ، 1997 ، ص 44 .
1- انظر في ذلك :
- هانس – بيتر مارتين - هارولد شومان ، فخ العولمة ، عالم المعرفة ، العدد 238 ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والأدب ، الكويت ، 1998 ، ص 7 .
- السيد يسين ، العولمة والطريق الثالث ، الهيئة العامة للكتاب ، القاهرة ، 1999 ، ص 15 .
2- أحمد عبد الرحمن ، العولمة .. المفهوم والمظاهر والمسببات ، مجلة العلوم الاجتماعية ، المجلد 26 ، العدد الأول ، مجلس النشر العلمي ، الكويت ، ربيع 1998 ، ص 52 .
3- عبد الجليل كاظم الوالي ، جدلية العولمة بين الاختيار والرفض ، المستقبل العربي ، العدد 275 ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، يناير 2002 ، ص ص 59 – 60 .
4_ Conway w. Enderson, International Relations, McGraw Hill, Boston, 1997.
5- لمزيد من التفاصيل حول رؤية " محمود عبد الفضيل " للعولمة ، انظر :
- محمود عبد الفضيل ، مصر والعالم على أعتاب ألفية جديدة ، دار الشروق ، القاهرة ، 2000 ، ص ص 115 – 128 .
- محمود عبد الفضيل ، حوار مع المستقبل ، كتاب الهلال ، العدد 531 دار الهلال ، القاهرة ، مارس 1995 ، ص ص 43 – 58 .
- محمود عبد الفضيل ، مصر ورياح العولمة ، كتاب الهلال ، العدد 585 ، دار الهلال ، القاهرة ، سبتمبر 1999 ، ص ص 65 – 169 .
6 -Jan Aart Scholte, Globalization.. Acrticical Introduction, St . Martns Press, New York, 2000, pp. 91 – 106.
7- بول بيروخ ، المبادئ الاقتصادية والمؤسسة للعولمة من منظور تاريخي ، ترجمة حسن بيومي ، الثقافة العالمية ، العدد 104 ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، الكويت ، فبراير 2001 ، ص 54 .
8- Cardoso, and Others, Social Consequences of Globalization, the Indian international Center, New Delhi, 1996, p. 12
9- تقرير التنمية البشرية لعام 1997 ، ترجمة ونشر مجلة الاجتهاد ، العدد 38 ، دار الاجتهاد للأبحاث والترجمة والنشر ، بيروت ، شتاء 1998 ، ص ص 645 – 100 .
10- محمد الأطرش ، حول تحديات العولمة الاقتصادية ، المستقبل العربي ، العدد 260 ، مركز دراسات الوحدة العربية بيروت ، أكتوبر 2000 ، ص 9.
11- صادق جلال العظم ، ما العولمة ؟ ، مجلة الطريق ، العدد الرابع ، يوليو 1997 ، ص 30 .
12- لمزيد من التفاصيل حول رؤية "إسماعيل صبري عبد الله" لمفهوم العولمة ، أنظر: =
= - إسماعيل صبري عبد الله ، الكوكبة الرأسمالية في مرحلة ما بعد الإمبريالية ، مجلة اليسار الجديد ، العدد الأول ، ربيع 2002 ص ص 16 – 39 .
- إسماعيل صبري عبد الله ، الكوكبة والعالم الثالث ، مجلة اليسار الجديد ، العددان الثاني والثالث ، صيف وخريف 2002 ، ص ص 19 – 47 .
13- فريدريك جيمسون ، العولمة والإستراتيجية السياسيـة ، ترجمـة شـوقي جلال ، الثقـافة العالمية ، العدد 104 ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، الكويت ، فبراير 2001 ، ص 30.
14- إسماعيل صبري عبد الله ، الكوكبة: الرأسمالية في مرحلة ما بعد الإمبريالية ، مرجع سابق ، ص 17
15- عبد الخالق عبد الله ، العولمة ومحاولة دمج العالم ، ضمن أبحاث " الإسلام والغرب " ، كتاب العربي ، العدد 49 ، يوليو 2002 ، ص 95 .
16- محمود أمين العالم ، من نقد الحاضر إلى إبداع المستقبل ، دار المستقبل العربي ، القاهرة ، 2000 ، ص 110.
17- عبد الخالق عبد الله ، عولمة السياسة والعولمة السياسية ، المستقبل العربي ، العدد 278 ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، ابريل 2002 ، ص ص 28 – 30 .
18- جان نيدرفين بيترس ، العولمة والتهجين ، ضمن محدثات العولمة ، تحرير مايك فيذرستون ، ترجمة عبد الوهاب علوب ، المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة ، 1995 ، ص 60 .
19- جوردن مارشال ، موسوعة علم الاجتماع ، المجلد الثاني ، ترجمة محمد الجوهري وآخرين ، المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة 2000 ص ص 1047 – 1048 .
20- أمال عبد الحميد ، العولمة والثقافة الاستهلاكية الأشكال والآليات ، في ندوة " المجتمع الاستهلاكي ومستقبل التنمية في مصر ، تحرير أحمد مجدي حجازي ، مركز البحوث والدراسات الاجتماعية ، القاهرة ، 2001 ، ص ص 141 – 142 .
21- أحمد مجدي حجازي ، العولمة وتهميش الثقافة الوطنية ، عالم الفكر ، المجلد الثامن والعشرون ، العدد الثاني ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، الكويت ، أكتوبر – ديسمبر 1999 ، ص 140 .
22- حمدي عبد الرحمن حسن ، العولمة وآثارها السياسية في النظام الإقليمي العربي .. رؤية عربية ، المستقبل العربي العدد 285 ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، أغسطس 2000 ، ص 5 .
23- مصطفى كامل السيد ، العولمة والتحول الديمقراطي ، في العولمة : قضايا ومفاهيم ، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، القاهرة ، 2000 ، ص ص 95 – 96 .
24- السيد أحمد مصطفي ، إعلام العولمة وتأثيره علي المستهلك ، المستقبل العربي ، العدد 256 ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، يونيه 2000 ، ص 71 .
25- Michel Alan .Sacks , Global Institutions and Network , American Behavioral Scientist , Vol 44 , No 10 , June 2001 , P. 1581 .
26- إبراهيم العيسوي ، العولمة الاقتصادية بين حتمية الاستمرار واحتمالات التراجع ، مجلة النهضة ، العدد الأول ، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، القاهرة ، أكتوبر 1999 ، ص 126 .
27- أحمـد زايد ، الكونية وآليات تفكيك الثقافات الوطنية ، في مستقبل الثقافة العربية ، المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة ، 1997 ، ص 362 .
28 - مهدي بندق ، الكاتب في عصر العولمة ، مجلة تحديات ثقافية ، العدد 6 ، دار تحديات ثقافية للنشر والتوزيع ، الإسكندرية ، خريف 2001 ، ص 10 .
- Ray Kiely and Phil Marfleet , Globalization and the Third World , Routledge , London , 1998 , p. 10 .
29- جلال أمين ، العولمـة ، سلسلـة اقـرأ ، العـدد 636 ، دار المعـارف ، القاهـرة ، 1998 ، ص ص 13 – 19 .
30- لمزيد من التفاصيل حول دور الشركات متعدية الجنسيات والمؤسسات الدولية في تفعيل عمليات العولمة ، انظر :
- محمد حافظ دياب ، تعريب العولمة ... مساءلة نقدية ، قضايا فكرية ، العدد 29 ، دار قضايا فكرية للنشر والتوزيع ، القاهرة ، 1999 ، ص 42 .
- Michael Alan Sacks , Global Institutions and Networks , op. Cit , p. 158 .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ما موقف المغرب مما يحدث في القدس وغزة؟


.. محادثات فيينا بين التفاؤل والتشاؤم.. روسيا تؤكد عدم استحالة


.. تصعيد غير مسبوق بين غزة وإسرائيل.. ومساعٍ مصرية للتهدئة | #غ




.. القبة الحديدية.. اختبار جديد مع صواريخ ومسيّرات غزة | #غرفة_


.. جريمة جديدة في موقع فض اعتصام القيادة العامة في السودان..وحم