الحوار المتمدن - موبايل


مفهوم المثقف في الفكر الجرامشي

خالد كاظم أبو دوح

2007 / 3 / 7
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


نظرية " جرامشي " (*) Antonio Gramsci 1891 – 1937 عن المثقف ورؤيته وتعريفه من أكثر إسهاماته أهمية في نطاق علم الاجتماع، وهذا ما دفعني نحو كتابة هذه الدراسة حول رؤية جرامشي للمثقف، ويمكن عرض هذه الرؤية من خلال التحليل التالي:

المثقفون حسب رؤية " جرامشي " يمارسون دوراً حيوياً ومهماً في تكوين وبناء الأيديولوجيات وفي تدعيم الموافقة أو القبول ، وكما أن التماسك الاجتماعي وظيفة يقوم بها البناء الاجتماعي فإنه – أي التماسك الاجتماعي – أيضاً وظيفة للمثقفين في المجتمع .( 1)

وبداية يعرف " جرامشي " المثقف رافضاً تصور النشاط الفكري أو الذهني كمسألة أو خاصية متأصلة لطبقة اجتماعية بعينها ، فالعمل اليدوي لا يخلو من الفكر ، والعمل الذهني لا يخلو من الجهد العضلي ، وخاصية إعمال الذهن يشترك فيها كل أفراد المجتمع ، ويعبر عن ذلك بقوله المأثور " إن كل الأفراد مثقفون في نظري ... ولكن ليس لكل الأفراد وظيفة المثقفين في المجتمع " ( 2) وكل إنسان مثقف في نظر " جرامشي " بما أنه يملك رؤية إلى العالم وبما أنه يملك فلسفة خاصة به ، وبهذا فهو يساهم في الثقافة السائدة . ( 3)

والمثقف – كما يشير " جرامشي " – ليس مجرد أحد عناصر البنية الفوقية ، وإنما يجب البحث عنه في مجمل العلاقات الاجتماعية ، علاقات الإنتاج (*) ، فالمثقفون هم :
أولاً : منظمو الوظيفة الاقتصادية للطبقة التي يرتبطون بها عضوياً .
ثانياً : هم حملة وظيفة الهيمنة التي تمارسها الطبقة السائدة في المجتمع المدني .
ثالثاً : هم منظمو الإكراه الذي تمارسه الطبقة السائدة علي سائر الطبقات بواسطة الدولة . وذلك لأن المثقفين عموماً تخلقهم الطبقات الاجتماعية أثناء تطورها ، وبالتالي فإن البحث عنهم يجب أن يكون بحثاً في إطار الوظيفة التي تمارسها هذه الطبقة أو تلك ، بحكم المكانة التي تحتلها في نمط الإنتاج . (4 )

مما سبق، يتضح أن الوظيفة والمكانة هما المعياران أو الشرطان الأساسيان في تكوين المثقف ، وتتبدي هذه الوظيفة في " نقد النشاط الفكري السائد في مرحلة معينة من تطورنا جميعاً ، بحيث تتغير علاقة هذا النشاط الفكري السائد بالجهد العضلي ، باتجاه قيام توازن جديد بينهما، بحيث يصبح هذا الجهد العضلي العصبي ذاته – باعتباره نشاطاً عملياً عاماً يحول العالم المادي والاجتماعي باستمرار – قاعدة لانبثاق رؤية شاملة جديدة للعالم وللحياة ، إذن فتشكل فئة من المثقفين مرهون بتعديل العلاقة بين العصبي والعضلي من ناحية ، وبين النشاط الذهني والفكري من ناحية أخري ، بهدف إيجاد نوع جديد من التوازن بينهما ، ويظل هذا العمل الجديد هو الشرط الأساسي في إنتاج المثقفين وما عداه لا يتمتع إلا بأهمية ثانوية ، ولعل هذا ما جعل " جرامشي " Gramsic لا ينظر إلى المثقفين بوصفهم طبقة اجتماعية قائمة بذاتها، وذلك لأنهم يملكون رأسمال رمزياً يستطيعون بمبادلته الحصول علي الجزء الأكبر من الثروة الاجتماعية ، كما أنهم ليسوا فوق الطبقات أو خارجها ، ويرجع " جرامشي " ذلك إلى تنوع الأشكال التي تتخذها العملية التاريخية الحقيقية المولدة لمختلف فئات المثقفين(5 )

كل ذلك يحمل " جرامشي " علي القول بأن لكل طبقة اجتماعية مثقفيها الذين يرتبطون بها عضوياً وينشرون وعيها وتصورها عن العالم ، ويقول في ذلك " الوعي الذاتي النقدي يعني تاريخياً وسياسياً ، خلق نخبة من المثقفين ، فالكتلة البشرية لا تتميز ولا تصير مستقلة من تلقاء ذاتها دون أن تنظم نفسها ، ولا تنظيم بغير مثقفين ، أي بدون منظمين وبدون قادة ، فالوعي النقدي لا يتحقق إذاً بدون مثقفين . ومن هنا فالمثقفون شريحة اجتماعية تمثل كافة الفئات والطبقات الموجودة في المجتمع ، وهم لسان حالها ، الناطقون باسمها يمثلون مصالحها المتفقة والمتعارضة ويعبرون عنها . ( 6)

ويؤكد " جرامشي " Gramsic علي أن المثقفين هم منظمو الزعامة الاجتماعية ، وذلك باعتبارهم موظفين في البناء الفوقي للمجتمع – علي حد تعبيره – يستطيعون أن يتوسطوا عالم الثقافة وعالم الإنتاج ، وأن يقدموا أفكاراً يتقبلها جماهير الشعب بطريقة تلقائية علي أنها أفكار مشروعة ، لأنها تعبر عما هو أكبر بكثير من مصالح الجماعة المسيطرة . (7 )

ويميز " جرامشي " بين فئتين متمايزتين من المثقفين ، الأولي : أطلق عليها المثقف التقليدي ، والثانية : نعتها بالمثقف العضوي . " إن كل جماعة اجتماعية تظهر إلى حيز الوجود في عالم الإنتاج الاقتصادي ، حيث تؤدي وظفتها الجوهرية ، تخلق معها عضوياً شريحة أو أكثر من المثقفين ، تمنحها التجانس والوعي بوظيفتها ، لا في الميدان الاقتصادي وحده ، بل في الميدانين الاجتماعي والسياسي أيضاً . ( 8)

والمثقف العضوي، هو المثقف المرتبط بطبقة معينة، حيث يقوم بتنظيم وظيفتها الاقتصادية ، وهو أيضاً من حملة وظيفة الهيمنة التي تمارسها في المجتمع المدني، بهدف تحقيق قبول وإجماع الطبقات الأخرى، وذلك من خلال عملهم في مختلف الهيئات الثقافية والإعلامية كالمدارس والجامعات، وأجهزة النشر وغيرها . وفي هذا كله تبرز وظيفة العضويين باعتبارهم " أسمنتاً " يربط البنية الفوقية والتحتية للمجتمع ، ويستثني " جرامشي " طبقة الفلاحين من هذه القاعدة، فجماهير الفلاحين رغم ممارستهم لوظيفة أساسية في مجال الإنتاج، إلا أنهم لا يولدون مثقفين عضويين خاصين بهذه الفئة، ولا تستوعب أية فئة من فئات المثقفين التقليديين، علماً بأن الطبقات الاجتماعية الأخرى تستمد العديد من مثقفيهـا من الأوساط الفلاحية، وبأن عدداً كبيراً من المثقفين التقليديين هم من أصل فلاحي . (9 )

أما المثقف التقليدي ، فيختلف عن المثقف العضوي – حسب رؤية جرامشي – حيث إن المثقف العضوي يولد في آن واحد مع طبقة ذات دور أساسي في عملية الإنتاج ، أما المثقف التقليدي فينتسب – تاريخياً – إلى الحقبة التي تسبق ولادة هذه الطبقة الجديدة ، مما يدفع المثقفين التقليديين إلى اعتبار أنفسهم فئة قائمة بذاتها ، وأنهم فوق ذلك مستقلون عن الطبقات الحاكمة ، كما أن النموذج التقليدي للمثقف علي عكس النموذج العضوي ، من حيث أنهم يرتبطون ارتباطاً وثيقاً بنمط أو أسلوب إنتاج ، وهم – أي المثقفون التقليديون – يقعون بين الطبقات أي يوجدون بين جوانب المجتمع ، يربطون الماضي بالحاضر كعملية مستمرة تاريخياً ، بينما يقدم مثقفو النموذج العضوي أفكاراً تضع حداً فاصلاً بين الماضي والحاضر.(10 )

نخلص مما سبق إلى أن كل إنسان مثقف وإن لم تكن الثقافة مهنة له ، ذلك لأن لكل إنسان رؤية معينة للعالم، وخطاً للسلوك الأخلاقي والاجتماعي ومستوى معيناً من المعرفة والإنتاج الفكري ، فكل إنسان مثقف ، وإن اختلفت مستويات ودلالات ثقافته ، وهكذا يتسع مفهوم المثقف ليشمل ( المفكرين ، والأدباء ، والعلماء ، والكتاب ، والمبدعين ، والفنيين ، ورجال الدين ، والأطباء ، والمهندسين ، والمديرين ، ورجال القانون ، والصحفيين ، ورجال الأعمال ، والطلبة ) بل يتسع المفهوم ليشمل كذلك قوى الإنتاج اليدوي من عمال وفلاحين ، وبهذا المعنى الواسع للمثقف ينقسم المثقفون إلى مثقف عام ، ومثقف متخصص ، وذلك على ضوء التفرقة الحادة التي أدركها " جرامشي " بين اليدوي والذهني في محاولة لتوصيف المثقف بأنه ذهني ، أما العامل فهو يدوي ، رغم أن العمل اليدوي لا يخلو من الفكر ، والعمل الذهني لا يخلو من اليدوي .

مراجع الدراسة:

*- " جرامشي " منظر ماركس إيطالي شهير ، ودون تنكر لأهميته السياسية الكبيرة في حياته وبعد وفاته ، فإنه يبدو من الملائم القول بأن مكانته الرفيعة بين علماء الاجتماع الماركسيين ، ترجع إلى مجموعة الكتابات التي تعرف الآن باسم " مذكرات السجن " ( 1929 – 1935 ) ، والتي ناقش فيها موضوعات :"المثقفون ، التعليم والتاريخ الإيطالي ، والأحزاب السياسية ، والفاشية " . انظر في ذلك :
- جوردون مارشال ، موسوعة علم الاجتماع ، ترجمة محمد الجوهري وآخرين ، المجلد الأول ، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2000، ص 538 .
1- آلان سينجود ، النظرية في علم الاجتماع ، ترجمـة السيد عبد العاطي ، دار المعرفـة الجامعيـة ،
الإسكندرية ، 2000 ، ص 263 .
2- المرجع السابق ، ص 263 .
3- أحمد مجدي حجازي ، الثقافة العربية في زمن العولمة، دار قباء، القاهرة،2001، ص 99 .
* - " علاقات الإنتاج " Relations Of Production " ، واحد من المفاهيم الهامة التي صاغها " كارل
ماركس " Karl Marx ويقصد به العلاقات الاجتماعية المرتبطة بنمط معين من الإنتاج " أنظر
- جوردون مارشال ، موسوعة علم الاجتماع ، ترجمة محمد الجوهري وآخرون ، المجلد الثاني ،
مرجع سابق ، ص 946 .
4- غالي شكري ، إشكالية الإطار المرجعي للمثقف والسلطة ، المستقبــل العربي ، العدد 114 ، مركـز
دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، أغسطس 1988 ، ص 26 .
5- كريم أبو حلاوة ، المثقف العربي وإشكالية لدور المفقود ، مرجع سابق ، ص 86 . انظر أيضاً :
- نادية رمسيس ، المثقفون والدولة والمجتمع المدني ، ندوة " جرامشي " وقضايا المجتمع المدني ، دار كنعان ، دمشق ، ص 233 .
6-" وبصدد التصنيف الطبقي للمثقف ، تتفق رؤية " جرامشي " و " بوتومور " ؛ حيث يري الأخير أن المثقفين هم أهم شريحة في البناء الاجتماعي ، وتمتاز هذه الشريحة بأن تكوينها الاجتماعي ليس متجانساً ، حيث ينتمي المثقفون إلى جميع الطبقات في المجتمع " . انظر في ذلك :
- بوتومور ، الطبقات في المجتمع الحديث ، ترجمة محمد الجوهري وآخرين ، دار الكتاب للتوزيع ، القاهرة ، 1979 ، ص 26 .
7- آلان سينجود ، النظرية في علم الاجتماع ، مرجع سابق ، ص 266 .

8- أحمد مجدي حجازي ، الثقافة العربية في زمن العولمة ، مرجع سابق ، ص 265 .
9- لمزيد من التفاصيل حول رؤية " جرامشي " لأنماط المثقفين / أنظر :
- كريم أبو حلاوة ، المثقف العربي وإشكالية الدور المفقود ، مرجع سابق ، ص 86 .
- غالي شكري ، إشكالية الإطار المرجعي للمثقف والسلطة ، مرجع سابق ، ص 27 .
- مصطفى مرتضى ، المثقف والسلطة ، مرجع سابق ، ص 47 .
10- آلان سنجود ، النظرية في علم الاجتماع ، مرجع سابق ، ص265.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الإنسحاب الأميركي من أفغانستان.. الدوافع والإحتمالات


.. إجراءات مشددة ضد كورونا في مصر والعراق.. وفي تونس إقبال كبير


.. إسرائيل - غزة: تكثيف الغارات وتعثر الوساطات




.. مقتل 16 عنصرا من حماس في ضربة جوية إسرائيلية في غزة


.. شبهات فساد تحوم حول بواخر تركية تزود لبنان بالكهرباء