الحوار المتمدن - موبايل


لا خيانة بعد اليوم

خيري حمدان

2014 / 4 / 24
الادب والفن


لا خيانة بعد اليوم

- هل أصبحت الخيانة وجهة نظر يا بلحاج؟ تلا ذلك صفعة قوية على وجهه. شاهدك أكثر من شخص وأنت تغادر أحد مراكز الجيش الفرنسي، أنت تعرف جيدًا بأنّ هذه المنطقة شديدة الحساسية ومهمّة للمجاهدين. اعترفْ بما لديك يا بلحاج لأنّ الوقت عصيب ولا يحتمل المهادنة. بلحاج يا ابني هل نسيت بأنّ والدك قد وقع شهيدًا لتحرير الجزائر؟ طأطأ بلحاج رأسه خجلا لكنّ هذا لم ينقذ الموقف، وسرعان ما هوت قبضة حيماني العموري على رأسه، ثمّ ركله بعنف طالبًا منه أن يعترف. تذكّر بلحاج في تلك اللحظة كيف استقبله الفرنسيون، خاطبه القائد جون فيلوت بمنتهى الودّ والتحبّب قائلا:
- نقدّر لك تعاونك، نحن الفرنسيون لا ننسى أصدقاءنا. العقيد دوكاس شخصيًا أعرب عن شكره وامتنانه لك، وسيكرمك في بوردو قريبًا حين تذهب لمقابلة نينا. أخبرني العقيد أيضًا بأنّه سيحضر شخصيًا لمباركة زفافكما وسيضمن لكما وظائف راقية في فرنسا ولن تضطرّ للعودة إلى الأوراس بعد ذلك. ستنسى البؤس الذي يعيشه أهلك وكافّة أبناء الشعب الجزائري، لقد أخطأ شعبك حين رفض وجودَنا الحضاري بينكم، لكنّنا سنعمل على تغيير هذه المعادلة. أخبرني يا بلحاج بالله عليك، متى تتوقع وصول العقيدين سي الحواس وعميروش إلى بوسعادة؟ في تلك اللحظة أدرك بلحاج بأنّه ما يزال يتواجد عند حدود الخيانة، لكنّه سرعان ما تجاوز الحدود الوهمية وهمس بصوت يشوبه التردّد "بل عبروا المدينة وهم في طريقهم إلى جبل ثامر مع قرابة ثلاثون مقاتلا." وبذلك أصدر حكم الإعدام على هذه المجموعة من الرجال، لقد تجاوز كافّة الخطوط الحمراء الممكنة، إنّها الخيانة الوطنية.

- ثلاثون مجاهدًا فقط! قال فيلوت مستغربًا. وازداد بلحاج استغرابًا لتفضيل الفرنسي استخدام كلمة مجاهدين بدلا من المقاتلين. صمت بلحاج متذكرًا كلّ هذه التفاصيل، وأدرك في الوقت نفسه أنّ العموري قد حسم هو الآخر أمره. صوّب العموري البندقية على قدم بلحاج وأطلق النار. صاح بلحاج متألمًا وسقط على الأرض. صاح العموري مهدّدًا "سأطلق رصاصة كلّ دقيقة على أحد أطرافك، سأقتلك ببطء يا بلحاج إذا لم تعترف فورًا بما قلته أمام الفرنسيين".
- حسنًا يا العموري، لقد فات الأوان، ارتكبت خطيئة كبرى لا تقوى الجبالُ على تحمّلها، اعترفت أمام العقيد فيلوت بكلّ ما أعرفه عن عبور سي الحواش وعميروش للمدينة وتوجههما نحو عين الملح والزعفرانية. أخبرتهم بأنّ تونس هي محطتهم الأخيرة، حيث سيلتقون بقيادة الثورة والحكومة المؤقّتة هناك. يعرف العقيد دوكاس أيضًا بأنّهما على موعد مع العقيد عليكافي قبل المضيّ إلى تونس. شعر بلحاج بتأنيب الضمير لكنّ أمورًا أخرى ملحّة للغاية كانت تشغل بال العموري وتنهش كلّ خلية في جهازه العصبيّ المتوتّر. "كيف يمكن إصلاح ما أفسده بلحاج، وهل يمكن إنقاذ العقيدين الحواس وعميروش وهما على رأس قائمة المطلوبين للقوات الفرنسية؟ كان الوقت ظهرًا في الثامن والعشرين من العام ألف وتسعمئة وتسع وخمسين. شقّ الربيعُ طريقَه إلى سهول وهضاب وجبال المنطقة وكان من الممكن مشاهدة بعض الزهور الملوّنة هنا وهناك، لكنّ الربيع كان يحمل بين طيّاته أجراس الخطر، وكان يبشّر بموت محقّق. أيكون الوقت قد فات؟ حكّ العموري رأسه ونظر إلى السماء، "ابعث لي يا ربّي بأحد طيورك لتنقلني إلى هناك لا تسمح باغتيال المجاهدين". كان بودّه أن يمضي ساعات في الصلاة لإنقاذ أرواحهم لكنّ الوقت كان يعمل ضدّه وضدّهم. نظر إلى بلحاج الملقى على الأرض، قدمه تنزف دمَ الخيانة، مقدّمة لنهر من النزف الوطني في الجبال القريبة. "أنت حتّى لا تستحقّ رصاصة، سأتركك لضميرك علّه يعذّبك حتّى المغفرة، لكن هيهات يا ولدي. غذّى العميري الخُطى بحثًا عن الرجال القادرين على خوض القتال وتقديم المساعدة الممكنة لثلّة المجاهدين فوق جبل ثامر، وكانت الدقيقة في تلك الأثناء أثمن من دورة العمر كلّه. سمع صوت رصاصتين وصرخة مكتومة. لماذا رصاصتين؟ واحدة فقط تكفي للتخلّص من خائن، تذكّر بأنّ رصاصته قد استقرّت في قدم حميدي والآن أجهز عليه مجاهد آخر لم يحتمل بقاء الخيانة على قيد الحياة، أجهز عليه برصاصتين ثمّ لحق بالعميري على عجل.
انطلق حيماني العموري برفقة شخصين وتمكنّا من جمع خمسة عشر رجلا قبل المغيب، كانوا مجهّزين بالبنادق وبإرادة قويّة للحيلولة دون مقتل المجاهدين بدم بارد. كانوا يعرفون جيّدًا بأنّ العقيد دوكاس سيبذل كلّ ما في وسعه للتخلّص من أخطر رجالات الثورة الجزائرية. انطلقوا على ظهور الخيل ولم تكن المسافة التي تفصلهما عن الجبل كبيرة، لكنّهم فوجئوا بإطلاق نيران كثيفة تجاههم قبل أن يبلغوا سفح الجبل بكيلومترات. كان الفرنسيون قد تحسّبوا لمثل هذه المبادرة، حيث تركّزت رغبتهم بالإنفراد بالعقيدين والاستيلاء على كافّة ما بحوزتهم من وثائق متعلّقة باجتماع العقداء والخطط العسكرية المتقدّمة. استمرّت المناوشات العسكرية والكرّ والفرّ لساعات طويلة، استشهد بعض المجاهدين الذين كانوا برفقة العموري، الذي أدرك بدوره استحالة العبور للجهة الأخرى، لكنّه قرر المضيّ في هذه المعركة الصغيرة غير المتكافئة حتّى النهاية.

أدرك العقيد دوكاس بأنّه يمتلك ما يكفي من الأوراق لكسب المعركة بسهولة، أصدر أوامره لطيّاريه المدرّبين بقصف محيط الجبل بالطائرات الأمريكية "إل بي 26". كانت الشمس قد بزغت في سماء الجزائر في التاسع والعشرين من مارس عام ألف وتسعمئة وتسع وخمسين، وكان يعرف بأنّ الجبل يأوي ثلّة من المجاهدين لا يزيد عددهم على الثلاثين أو الأربعين رجلا فقط، لكنّه قرّر عدم المغامرة واصطحب معه حوالي ألفين وخمسمئة مقاتل لاقتحام الجبل، كما ساعدت الطائرات المقاتلة في تغطية العمليات العسكرية واقتحام الجبل دون مقاومة شرسة. في الأثناء كان سي حواس يراقب مستخدمًا منظاره النحاسيّ الصغير جموع الجنود الفرنسيين المتقدّمة من منافذ الجبل، وأدرك بأنّه قد وقع ضحية وشاية غادرة للمرة الثانية خلال أيام.

- عميروش يا رفيق الدرب، إذا كان لا بدّ من الشهادة فأهلا وسهلا بلقاء المولى سبحانه وتعالى، لكنّنا سنذيقهم طعم الجحيم قبل ذلك. أقبلوا من كلّ الجهات وكانت الطائرات ما تزال تحلّق في سماء الجبل قاذفة حممها بلا رحمة تجاه المجاهدين. وجّه عمر إدريس الرائد ومساعد العقيد الحواس والمعروف بلقب "بوعينين النمر" فوّهة مضاد الطائرات نحو السماء وأطلق زخّات من الرصاص أصابت مقتل إحدى طائرات القوات الفرنسية، سمع دوّيها وهي تصفر في رحلة سقوطها القصيرة نحو الأرض لترتطم بعد لحظات بالصخور وتشتعل بها النيران. صاح المجاهدون مكبّرين لكنّ معظمهم صمت بعد أن استقر الرصاص في أجسادهم. لم ينجُ العقيدان في هذا النزال واستشهد خمسة وثلاثون مجاهدًا، وأمّا الرائد عمر إدريس الذي أسقط المقاتلة الفرنسية فكان من بين المجاهدين الخمس الذين بقوا على قيد الحياة وسرعان ما اقتيدوا للتحقيق وانتزاع ما تيسّر من اعترافات.

حين وصل حيماني العموري مع رجاله إلى منطقة القتال كان الأمر قد انقضى. تعرّف على العقيد سي الحواس بسهولة فقد كان وجهه معروفًا ومألوفًا بين المجاهدين، وبالقرب منه كان العقيد عميروش قد نال الشهادة أيضًا. القوات الفرنسية تمكّنت بدورها من الاستيلاء على كلّ ما في حوزتهم وبخاصة الوثائق المتعلّقة بخطط المقاتلين، ومن أهمّ تلك الوثائق التي وجدت بحوزة سي الحواس محضر اجتماع قادة الولايات الذي انعقد خلال شهر كانون الأول من العام الماضي. هل كان من الممكن تفادي مقتل القادة في تلك المواجهة الصعبة؟ سؤال بقي يؤرّق مضجع حيماني العموري والكثير من أنصار ومريدي العقيد سي الحواس وعميروش. طعمُ الخيانة مرّ للغاية، لكنّ الكبار فقط هم المرّشحون لتجرّعه حتى الثمالة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تحديات كوميدية تواجه الفنان #الفلسطيني #أمجد_ديب ضيف #أمل_طا


.. مسرحية جورج خباز: علق هو ومرته وبكلمة ارتخى ورضي ????????


.. يوميات رمضان من قطاع غزة مع الفنان التشكيلي محمد الديري




.. بروسيدا.. عاصمة الثقافة الإيطالية 2022


.. قراءة في مسرحية بستان الكرز لتشيخوف