الحوار المتمدن - موبايل


الفاشية الدينية والفاشية العلمانية لا تستويان

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي

2015 / 1 / 17
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


في الجزء الخامس من سلسلته "نقد العلمانية والعلمانيين المصريين والعرب"، يتساءل الكاتب نهرو عبد الصبور شاهين بسخرية وشماتة ظاهرتين حول علاقة العلمانية بالقيم الإنسانية: "في أي حقبة زمنية وفي أي بلد من بلدان العالم قامت "العلمانية" بمفردها بأنسنة العلاقات بين طوائف الناس في هذا البلد أو ذلك المجتمع؟؟، ثم ما علاقة العلمانية بالإنسانية؟؟، أليس عتاة الطغاة قاتلوا الشعوب المجرمون السفاحون المستبدون من الحكام كانوا علمانيين؟؟ وألم تكن أنظمة حكمهم أنظمة علمانية لا علاقة لها بالأديان من قريب أو بعيد؟؟، فهل منعت العلمانية كل من: عبد الناصر وتشاو شيسكو وكمال أتاتورك وبينوشيه وصدام حسين وحافظ الأسد والقذافي وكيم جونغ إيل وبشار الأسد وعبد الفتاح السيسي وعشرات أمثالهم هل منعتهم علمانيتهم من الشمولية والاستبداد والطغيان وذبح وسجن وقتل وقهر شعوبهم؟؟، هل منعت العلمانية "ستالين" أو "هتلر" أو "موسيليني" أو "ماو تسي تونغ" من ارتكاب المجازر الوحشية الهمجية ضد عشرات الملايين من البشر؟؟....".

وفي فقرة أخرى حول علاقة العلمانية بحقوق المواطنة للجميع يواصل الكاتب هجومه الشرس على العلمانية قائلاً: "فالعلمانية تعادي المواطنين من أتباع الدين _أي دين_ الذين يريدون أن يحتكموا لشرائع دينهم، وتفرض العلمانية على جميع المواطنين وخاصة المسلمين ترك شرائع دينهم عنوة وقهراً وتفرض قوانين وشرائع وضعية صنعها بشر من عند أنفسهم، وهنا تستوي الفاشية العلمانية مع الفاشية الدينية لا فرق بينهما على الإطلاق، فكما أن هناك فاشية دينية لأتباع التيارات الإسلامية السياسية التي تريد أن تفرض التشريعات والقوانين الإسلامية على غير المسلمين أو على المنتسبين للإسلام من العلمانيين والملحدين واللادينيين عنوة وقهراً فكذلك الفاشية العلمانية تفرض تشريعاتها وقوانينها عنوة وقهراً على الجميع دون استثناء.

أرد هنا على حضرة الكاتب بأنه فوق الهوة الشاسعة التي لا تخطئها العين الأمينة ما بين "الفاشية العلمانية" و"الفاشية الدينية" من حيث الشكل، هناك أيضاً اختلاف إلى حد التضاد في الجوهر، كما يستدل على الأقل من الحروب الكلامية والقتالية غير المنقطعة بين الطرفين. من حيث الشكل، النظام العلماني (شمولي أو ليبرالي) يسوي بين جميع المواطنين (في القمع أو الحرية) بصرف النظر عن اختلافاتهم في العرق أو اللغة أو الدين أو الجنس...الخ. في قول آخر، تحت نظام الحكم العلماني كل المواطنون سواء بمعنى الكلمة، بصرف النظر عما إذا كانوا في الحقيقة سواء في تجرع كأس القمع أو في التمتع بنسيم الحرية. على النقيض، الشمولية الدينية تقوم على تفرقة فاضحة ما بين أتباع الدين السائد والأقليات الدينية أو غير الدينية الأخرى، بما يجعلها لا ترتوي بالتنكيل بالمخالفين والمنشقين في هذه الحياة فقط إنما تلاحقهم بويلات العذاب الأبدي في الحياة الآخرة أيضاً! في الوقت نفسه، هي تحجز كل كراسي الجنة كاملة العدد لأتباعها. ففي الوقت الذي تسوي فيه "الفاشية العلمانية " بين كافة المواطنين في العذاب والقمع دون تفرقة، "الفاشية الدينية" تمارس تفرقة وتمييز بين المواطنين على أسس طائفية ودينية في أفج وأشع صوره، لدرجة استمرارها حتى لما بعد مفارقتهم للحياة على هذه الأرض!

الفاشية العلمانية تمارس القمع على أرضية "المساواة" التامة بين المواطنين بينما الفاشية الدينية تمارس القمع نفسه لكن على أساس "التمييز" الطائفي والديني، فهل تستوي المساواة مع التمييز؟!

من حيث الجوهر، الفاشية العلمانية تستهدف بناء المجتمع الفاضل- من وجهة نظرها- على هذه الأرض، في هذه الحياة الدنيا؛ في المقابل، الفاشية الدينية تسعى هي أيضاً لبناء مجتمعها الفاضل- كما تريده- لكن ليس على هذه الأرض أو في هذه الحياة الدنيا بقدر ما هو بالأعلى في السماء، في الحياة الآخرة! لذلك، مهما كانت نتائج الفاشية العلمانية قاسية ومفجعة ومنتهكة لأبسط مبادئ حقوق الإنسان والرحمة كما في الأمثلة التي ضربها الكاتب المحترم، إلا أنها على الدوام كانت تخلف أثراً من "عمران" عقب زوالها. هذا، للمفارقة، هو نفس ما حدث مع أنظمة حكم تولى ناصيتها زعماء مستبدون وطغاة وعديمي الرحمة بمواطنيهم من أمثال "عبد الناصر وتشاو شيسكو وكمال أتاتورك وبينوشيه وصدام حسين وحافظ الأسد والقذافي وكيم جونغ إيل وبشار الأسد وعبد الفتاح السيسي". برغم كل قسوتهم وقلوبهم الميتة إلا أنهم قد خلفوا ورائهم بقع من نظام وانضباط وعمل وعمران وتقدم وتنوير متناثرة هنا وهناك لا ينكرها إلا جاحد، وسط تركة ثقيلة بالآلام ومشاعر المرارة وخيبة الأمل. في المقابل، كان ولا يزال أداء الفاشية الدينية في هذا الجانب النظامي والانضباطي والعمراني والتقدمي والتنويري قاصراً إلى حد الإهمال، حيث كان ولا يزال تركيزها الرئيسي منصب على العمل للآخرة أكثر من الحياة الدنيا. فإذا كانت حقيقة أن الفاشية العلمانية تقبل أن تضحي بالآخرة طمعاً في كسب الدنيا، فهي حقيقة كاشفة أيضاً أن الفاشية الدينية تأبى أن تشتري الحياة الدنيا بالآخرة، أو أن تعمل لإعمار هذه الحياة الدنيا على حساب الآخرة. العلمانية، في الجوهر، هي كسب العمران على الأرض بينما الدينية، في الجوهر أيضاً، هي الفوز برضا الرب في السماء. إذا كان كذلك، أي النظرتين للحياة هي الأقرب والأكفأ لإعمارها- رغم الأخطاء؟!!

في النهاية أذكر الكاتب المحترم أن الفاشية العلمانية حين تفرض "على جميع المواطنين وخاصة المسلمين ترك شرائع دينهم عنوة وقهراً وتفرض قوانين وشرائع وضعية صنعها بشر من عند أنفسهم" لا يمكن أن تستوي أبداً مع "فاشية دينية لأتباع التيارات الإسلامية السياسية التي تريد أن تفرض التشريعات والقوانين الإسلامية على غير المسلمين أو على المنتسبين للإسلام من العلمانيين والملحدين واللادينيين عنوة وقهراً"، وذلك لحقيقة بسيطة جلية بذاتها: القوانين الوضعية العلمانية تفرض على جميع المواطنين على قدم المساواة دون أي تفرقة أو تمييز، بينما التشريعات والقوانين الإسلامية تفرق بين المواطنين على أساس طائفي وديني وتميز المسلمين على غير المسلمين. فكيف يستويان؟!!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - تعليق
عبد الله خلف ( 2015 / 1 / 17 - 23:09 )
أستاذ | عبد المجيد إسماعيل , هل تعلم أن (الحرب العالمية الأولى = 9 مليون قتيل) و (الحرب العالمية الثانية = 70 مليون قتيل) قامت في الحقبة (العلمانية)؟ .
مذابح و مجازر (العلمانية) أكثر (بمئات المرات) من مذابح الأديان مجتمعه .

اخر الافلام

.. المبعوث الأمريكي يلتقي حركة طالبان في الدوحة


.. شاهد ما قالته مستشارة اتهموها بالز_ندقة لأنها اشتكت من مكبر


.. مسيحيون في لبنان بمواجهة حزب الله حول -تدويل- الأزمة




.. مئات اليهود الحريديم يحتفلون بعيد المساخر منتهكين الإجراءات


.. اشتباكات بين الشرطة الإسرائيلية ويهود متشددين بسبب دميتين في