الحوار المتمدن - موبايل


ظلّ الراقصين

خيري حمدان

2015 / 6 / 4
الادب والفن


ظلّ الراقصين

سار ببطء وحذر بمحاذاة المسرح الوطني، الوقتُ متأخّر والشوارع تبدو خاوية والأضواء خافتة، بعضها سوداء محترقة ومتّسخة. الجوّ كالح وشديد البرودة، والهواء قويّ لكن يمكن تحمّل وقعه. نادرًا ما يخرج دون هدف واضح مع أنّ التنزّه بحدّ ذاته متعة وجزء من العلاج النفسي، خاصّة وأنّه يمضي ساعات طويلة في المكتب جالسًا خلف جهاز الحاسوب.

مدّت يدها وطلبت بعض المال لشراء علاج، أو رغيف خبز وربّما للاعتناء بأمّها المريضة أو ابنها أو ابنتها لم يعد يتذكّر. نفسُ الفتاة المدمنة التي تجوب الشوارع ليل نهار دون كلل وقد فقدت الكثير من تركيزها وذاكرتها رغم صغر عمرها. نفحها قبل أيام ثمن الدواء المرجو والشكّ يراوده، هل هي حقًا مريضة؟ بعد أن دقّق النظر في عينيها تيقّن من حقيقة إدمانها.

يرقصان بتناسق ودقّة تحت عمود الإنارة قرب المسرح الوطني، قدماهما يرتفعان وينخفضان في توقيت مدهش وتلتفّ الأقدام بعد لحظات بحنكة، يرفعها عاليًا لثوان معدودة بين يديه، تصيح مبتهجة، تهبط بمهارة وتدور حول رفيقها متألّقة، دون أن يعيران البرد أدنى أهمية.

وقف ليس بعيدًا عنهما، أخرج هاتفه عفويًا بحكم العادة، لاحظ أنّ الوقت مبكّرًا للعودة ومتأخّرًا للتسكّع في الشوارع. تملّكه شعورٌ خفيّ بالقلق، لا يذكر أنّه قد مارس الرقص بهذه المهارة ولا حتّى الدبكات الشعبية. يحاول أحيانًا هزّ خصره في الأعراس، لكنّه سرعان ما يشعر بالإحباط ويتوقّف عن هذه المحاولات.

في الجانب الآخر من الرصيف، حضرت سيّارة شرطة صغيرة مسرعة وقفت في عرض الشارع، قفز رجل أمن منها وتبعه آخر أكثر عصبية، متأهّبًا رافعًا المسدّس في يده تجاه شاب يحمل عبوّة ورقيّة. الشاب أيضًا يراقب الراقصين، لم يتمكّن من الهرب في أيّ تجاه ولا حتى خطوة واحدة. قفز رجل الأمن مسرعًا بين الراقصين وكاد أن يسقطهما أرضًا، توقّف الراقصان لوهلة وتمكّنا في اللحظة الأخيرة من تفادي الاصطدام بالرجل الضخم، مفسحين له المجال لعبور ظلّيهما. ألقي القبض على الشاب، صودرت العبوّة الورقيّة المليئة بالحبوب المنشّطة. مضت لحظات من الصمت وسرعان ما وضعت الفتاة يدها على خصر رفيقها، وشرعا مجدّدًا في تقمّص دور عاشقين يرقصان التانغو بتسارع لاتينيّ وظلّيهما يمتدّ مع ضوء الإنارة الخافت. شعرت المدمنة بالفزع واختبأت بسرعة في إحدى زوايا المكان الكالح.

قيّد رجلا الأمن الشاب بحنكة وعلى عجل، كان محظوظًا لأنّه لم يقاوم ولو فعل لأطاحوا به بلكمة واحدة. رجلا الشرطة ضخمان ومتهيّجان وعابسان، شعرا بالفخر حين قذفا به في الجزء الخلفيّ من العربة. ألقيا بنظرات مستهترة على الراقصين وانطلقت العربة بحملها الجديد مبتعدة عن المكان.

الشتاء حضر مبكّرًا هذا العام، وراقصو الشوارع لا يأبهون البرد. المتسكعون يبحثون عن زوايا دافئة في محيط الساحة الواسعة الكبيرة، وهو يبحث في الذاكرة عن أسباب تواجده في الأنحاء، دون توقّف ودون أن يحاول تغيير عاداته اليومية. نظر إلى ساعة الهاتف، الوقت مبكّرًا للعودة إلى البيت، ومتأخّرًا للتسكّع في شوارع المدينة الكالحة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مسرحية جورج خباز: أغنية -حَد تنين، شد منيح الإجرتين-


.. لحظة إصابة فنانة فلسطينية برصاص الجيش الإسرائيلي تثير غضب ال


.. مصر.. إجراءات مواجهة كورونا تعصف بأفلام العيد |#اقتصادكم




.. وفاة الفنانة نادية العراقية بعد إصابتها بفيروس كورونا


.. On Demand | الأفلام التي ستعرض في صالات السينما بمناسبة عيد