الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


عزيز بلال وبعض أنصار التغيير

أحمد زوبدي

2015 / 7 / 28
الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية




تحل هذه السنة (2012) الذكرى الثلاثون على رحيل المفكر الأممي عزيز بلال. رحل هذا المنظر العالمثالثي عن هذا العالم يوم 23 ماي 1982، في عز عطائه. عن سن يناهز بالكاد خمسون سنة فارق الحياة عزيز بلال على إثر حريق ملغوم بفندق هيلتون بعاصمة الإمبريالية، مدينة شيكاغو، التي زارها بمناسبة توأمتها مع مدينة الدار البيضاء، التي مثلها ، رفقة وفد ،بصفة الراحل نائب رئيس الجماعة الحضرية لعين الذئاب.
مرت ثلاثة عقود على رحيل مفكر كبير طبع الفكر الاجتماعي والممارسة السياسية في المغرب برؤاه القوية ومواقفه الشجاعة وذاع صيته في المحافل الدولية ، وها نحن اليوم ما زلنا في وضع لم ندشن فيه بعد مرحلة تؤسس لما كان يناضل من أجله ومات في سبيله عزيز بلال أي التقدم الاجتماعي والحداثة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.وهو ما يؤكد راهنية فكر هذا المناضل الكبير والقائد السياسي المحنك .
جاء الربيع العربي، وكان من المنتظر أن يبلور ولو في شكل خام، بعد النكسات المتراكمة، ومنها النكسة الأخيرة أي التناوب المخزني، من خلال حركة عشرين فبراير، مشروعا مجتمعيا يدفع بالمغرب إلى الأمام . لكن للأسف تم لجم وتطويق هذه الحركة الاجتماعية التاريخية التي ما زال يعقد عليها كثير من الأمل، ووجد المغرب نفسه في وضع سياسي سيء للغاية. فبعد صعود الإسلاميين إلى السلطة بتلك الطريقة الملتبسة والغريبة أي الاحتكام إلى ديمقراطية الأرقام البئيسة، تبين أن الحركة التي أفرزها الربيع العربي بدأت تتآكل تدريجيا حتى أنها وجدت اليوم في الدرجة الصفر للاحتجاج لإسقاط الفساد والاستبداد ! ومما يدعو للضحك، مشاركة حزب شيوعي في حكومة اسلامو- مخزنية، وهي في الحقيقة مهزلة سياسية بامتياز -، في حين تنشر جريدة البيان (الطبعة الفرنسية ليوم 11-05-2012) اعلانا ان الناطق الرسمي للحكومة ووزير الاتصال السابق المنتمي لهذا الحزب سيحاضر عن كارل ماركس -، وهو مايدفعنا للقول إن كارل ماركس وعزيز بلال بريئان منه ومن معه براءة الذئب من دم يعقوب !!؟ كما أنني أتعجب من تلك الطريقة البهلوانية التي يتحرك بها الاتحاد الاشتراكي بالبرلمان وأتساءل عن من يدافع برلمانيوه ؟ إن كانوا يتوهمون أنهم يدافعون عن الشعب ، فإن المغاربة فقدوا ثقتهم في هذا الحزب والدليل أن الشرفاء والمناضلين الحقيقيين ودعوه أو على الأقل جمدوا عضويتهم او غاضبون عن الذين أوصلوه إلى الباب المسدود ...
بعد هذه التوطئة، سأحاول في هذه الورقة - التي لاتلزم إلا صاحبها - الحديث بإيجاز عن هذا المثقف العضوي في علاقته مع مفكرين آخرين من نفس العيار الذين وجدوا في نفس الخندق والحقبة، مدافعين عن مشاريع مجتمعية تؤسس للخروج من التخلف وللقضاء على الاستعمار الجديد ودحض الأنظمة المستبدة والديكتاتوريات، يطلق على هؤلاء المفكرين من طينة الفقيد عزيز بلال بأنصار التغيير.
سأتناول فكر عزيز بلال من خلال أربعة مفكرين من العيار الثقيل وهم : سمير أمين ، إرنست مانديل ،أندري غوندر فرانك وإيمانويل فلارشتاين . سأتطرق إذن بإيجاز للنظرية والممارسة لدى عزيز بلال في ضوء المفكرين الأربعة وذلك في ثلاثة محاور هي القلب النابض لأطروحاتهم والبدائل التي قدموها من أجل الدفع بالتقدم إلى الأمام : هناك إشكالية التخلف و التنمية التي حلت محلها وصفات مبتذلة كالارتقاء والحكامة التي فرضتها السياسات النيوليبرالية، ثم الإمبرايالية والهيمنة التي استبدلت بالعولمة المأمركة والشراكة والأقلمة في ظل الرأسمالية القائمة بالفعل، تليها الديمقراطية والتحرر التي حولها إجماع واشنطن إلى سياسة الكيل بمكيالين بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية .
يرى أنصار التغيير، موضوع هذه الورقة، ومنهم الراحل عزيز بلال، أن ظاهرة التخلف هي نسيج اقتصادي –اجتماعي تاريخي لايمكن القضاء عليه بجرة قلم مثل سياسات ما يطلق عليه بالارتقاء والحكامة. إن الخيط الناظم لدى هؤلاء المفكرين حول هذه الظاهرة التي مازالت تؤرق الكثيرين هي الضرورة التاريخية لتجاوز البنية التي يتأسس عليها النظام- العالم بمفهوم فلارشتاين ، يعني بكل وضوح تجاوز الرأسمالية القائمة بالفعل أي تجاوز هذا النظام الاجتماعي غير المتجانس الذي يعيش على أنقاض بنيات التخلف والتهميش. تجاوز الرأسمالية التي تتأسس على استغلال وهيمنة المركز على حساب الهوامش هو الحل وليس حلما أو خرافة كما يسوق لذلك الكثيرون من الذين غيروا مواقفهم ومنهم جل اقتصاديي اليسار المغربي الذين تحولوا إلى اقتصاديي السوبيرماركيت والماكدونالدز! وعلى رأسهم اقتصاديي المركز المغربي للظرفية الذين يدافعون بشراسة عن مصالح الباطرونا مقابل استشارة - سمسرة .
يدعو أعلام التغيير من طينة عزيز بلال إلى ثورة ثقافية تؤسس لأشكال جديدة للثقافة تحل محل ثقافة الرأسمالية التي أدت وظيفتها التاريخية كما تفسر الاحتجاجات والثورات الشعبية بكل أشكالها معلنة اهتلاك الأنظمة الاستبدادية وشيخوخة النظام الرأسمالي بالمعنى الذي يعطيه له سمير أمين أو كما يصوغه إرنست مانديل في كتابه العمر الثالث للرأسمالية .
لقد دخل هؤلاء المنظرون من طينة الشهيد عزيز بلال الفكر والسياسة من بابهما الواسع واختاروا الطريق الصعب والشاق. اختار هؤلاء الفكر والممارسة حتى أن أعمالهم أطلق عليها بأعمال أيركول( Hercule) ! ومن هذا الباب فإن التغيير والخروج من التخلف وتجاوز ثقافة الرأسمالية لا يمكن أن يتحقق باستبدال القواميس والمصطلحات كما يسوق لذلك مثقفو اليسار الرسمي. وإنه لمن المؤسف يؤكد منظرو الإمبريالية والتخلف من وزن بلال أن نرقى إلى التقدم الاجتماعي بالتشطيب على كلمة تنمية وحل محلها لفظ ارتقاء بالإذعان إلى سياسة الكيل بمكيالين ورفض تجاوز أنماط الانتاج الاجتماعية السائدة.
لن يتوقف مفهوما الديمقراطية والعدالة الاجتماعية لدى أنصار التغيير هؤلاء عند هذه المأساة التي نعيشها، لكن ربطوهما بالتقدم الاجتماعي والتحرر، وهو ما لم يستوعبه من يسوق للديمقراطية في شكلها الانتخابوي البئيس والعدالة الاجتماعية تحت يافتة التضامن المشوه. إن هاجس أنصار التغيير كما تؤكد على ذلك هذه العبارة (أنصار التغيير) هو القطع مع أنماط الانتاج السائدة والسياسة السائدة. ورغم ما حققه روح العصر من مكاسب ديمقراطية وحداثية بفضل نضالات الشعوب، فإن التقدم الاجتماعي يستدعي التحرر من هيمنة الاقتصادي الذي يتحكم في كل الجوانب الاجتماعية بسبب الاستلاب السلعي الذي افقد السياسي معناه .
يرى أنصار التغيير، موضوع هذه الورقة، رغم الاختلافات الشكلية بينهم، أن هيمنة الاقتصادي الذي يتحكم في السياسة هو الحاجز الرئيسي الذي يقف حجر عثرة أمام التطور والتقدم. بمعنى أن كل شيء أصبح يخضع لقانون القيمة بما في ذلك الضروريات. الشيء الذي أدى إلى توسيع رقعة التهميش أي التخلص من كل شيء لا يخضع لقانون السوق والبضاعة ! وهو ما أكده عزيز بلال في كتابه التنمية والعوامل غير الاقتصادية وشرحه من منظور آخر سمير أمين من خلال كتابه قانون القيمة المعولم الذي يؤكد فيه على تجاوز الرأسمالية التي أدت وظيفتها التاريخية ، كما سبق الذكر.
انتسب الفقيد عزيز بلال بقناعة فائقة إلى هذه المدرسة الفكرية الرائدة ذات الجذور التاريخية والنضالية العريقة، إنها المدرسة الماركسية بكل مشاربها. ليست ماركسية الكنائس والمعابد والثكنات لكن الماركسية المتنورة التي تقرأ النصوص من خلال الممارسة والتربة التي تزاول عليها السياسة وذلك بإضافة قيمة معرفية عبر إنتاج الفكر النقدي الذي يحتكم للعقل والحركية الاجتماعية وليس للثورة التقنية والرقمية والماركوتينغ التي يروجوا لها صحافيو السوق وغيرهم من التائهين وراء المال بأي طريقة. وإن اختلف أعلام التغيير الذين نحن بصدد معالجة سريعة لأفكارهم، وهم الذين ينتمون إلى هذه المدرسة المتعددة الاتجاهات، فإن ما يوحدهم هو المنهج والرؤية والمشروع المجتمعي أي تجاوز الرأسمالية والانتقال إلى ما بعد هذا النظام الاجتماعي؛ لنقول معهم تعيش الاشتراكية. فالنظام الرأسمالي، كما تفسر الأحداث المأسوية، أصبح لا يطاق على جميع الأصعدة: اقتصاديا كما نرى من خلال هيمنة اقتصاد احتكارات القلة الى حد العسكرة ، سياسيا كما تترجم ذلك الديمقراطية التمثيلية التي أبانت عن بؤسها، اجتماعيا عبر التهميش والفقر والبطالة وكل أشكال التفقير.
لقد عاش أنصار التغيير، من العيار الذي نتحدث عنه، في صلب الرأسمالية من خلال الكتب العديدة والدراسات والمقالات التي ألفوها والندوات والحوارات والنقاشات التي نظموها وساهموا فيها بشكل كبير . وتبين لهم أن الرأسمالية هي نظام هيمني دون منازع، يكتب له الاستمرار بطابعه الامبريالي وبالسيطرة عبر شبكاته المتعددة من حكومات وشركات متعددة الجنسية ومؤسسات مالية عالمية (كمؤسسات بروتون وودز والأبناك المركزية...) وغيرها التي فرضت على دول الجنوب برامج أدت إلى المس بسيادة هذه الدول كما يلاحظ من خلال وصفات تسوق للحكامة الجيدة والحكامة الشاملة تسعى من ورائها إلى التفكيك التدريجي للمكاسب الاجتماعية كالمرافق العمومية تحت ستار التدبير المفوض والتشطيب على مجانية التطبيب والتمدرس... وقد قام هؤلاء الأعلام بدراسة هذه الأوجه بشكل قل نظيره . هذه الأوجه التي تتناقض مع القيم التي يفترض أن تكون هي السائدة أي قيم التضامن والمصالح المشتركة.
واليوم يرى أعلام الفكر المتنورين هؤلاء أن تجاوز نظام اجتماعي ينبني على الامبريالية دون حدود وعلى عسكرة الاقتصاد واحتكار القلة وبمباركة اليسار الغربي الذي يتبنى السياسات اليمينية دون تردد و يسوق للأممية الاشتراكية في زيها السوسيال-امبريالي ، يتطلب تعبئة شاملة لكل قوى التغيير والاحتجاج والمناهضة والرافضين للوضع القائم. ولهذا الهدف يدعو أصحاب هذا الفكر الرافض لكل أشكال الظلم والاستبداد والغطرسة والاستعباد إلى تحريك ميزان القوى لصالح شعوب دول الجنوب والطبقات الشعبية في الغرب. وهو ما يستدعي من جهة أخرى يؤكد مفكرو الامبريالية والتخلف إقامة قوى منظمة عالميا تتحرك وتعمل محليا ووطنيا لبناء جبهة مشتركة تناضل وتقاوم من أجل إقامة عالم متعدد الأقطاب.وهي الصيغة المثلى للانتقال إلى الاشتراكية التي تتطلب مرحلة طويلة.
وكما يمكن أن نقرأ من خلال أطروحات والمشاريع المجتمعية لهؤلاء المفكرين المتنورين يبدو أن شروط الانتقال إلى عالم يتحرك وفق كتلتين تتحرك هي الأخرى وفق ميزان قوى لصالح الكتلة الرافضة للهيمنة والسيطرة قد بدأت تتبلور، والدليل على ذلك الأزمة الاقتصادية البنيوية والنظمية المتعددة الجوانب التي تعصف بالرأسمالية القائمة بالفعل . وهو ما أكدته الاحتجاجات المكثفة للحركات الاجتماعية المناهضة لكل أشكال الاستعمار الجديد الذي خلفته السياسات النيوليبرالية . وهو ما كشفته كذلك الهزات الاجتماعية للربيع العربي التي أسست لامحالة لخريف الرأسمالية و لأممية الشعوب .
هذه هي الأفكار النبيلة والمشروع المجتمعي المدافع عن القيم الإنسانية التي كرس لها الشهيد عزيز بلال حياته حتى سقط شهيدا في ساحة الشرف من أجل عزة وكرامة الوطن. ولاشك أن أفضل طريق لتكريم من ضحوا في سبيل الحرية والكرامة والمساواة هو الوفاء لأفكارهم .

( نشر هذا المقال بجريدة الاحداث المغربية ليوم 23-05-2012)



بقلم : د. أحمد زوبدي
مركز الدراسات و الأبحاث عزيز بلال - الرباط








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. واشنطن تفرض عقوبات على وزيرين إيرانيين بسبب العنف ضد المتظاه


.. حتى القدس | على وقع انتهاكات الاقصى، وتصاعد عمليات الفصائل ا


.. روسيا.. قمة غير رسمية لزعماء رابطة الدول المستقلة المنبثقة ع




.. انتفاضة إيران وانعكاساتها على العراق والمنطقة


.. بلينكن يشيد بالتعاون مع الرئيس اليساري الجديد خلال زيارته ال