الحوار المتمدن - موبايل


استرجاع الصوت والصورة من الماضي

هاشم عبد الرحمن تكروري

2017 / 6 / 19
التربية والتعليم والبحث العلمي


استرجاع الصوت والصورة من الماضي
في طفولتي المبكرة كنت متخذاً لي معتكفاً في عِليَة بيت عائلتي والتي تسمى "السدة" في بلدي فلسطين، حيث يقوم الأهل بوضع الحاجيات غير المهمة أو التي إنتهى مفعولها وأصبح لا لزوم لها؛ وحتى اليوم لا أعلم الحكمة من الاحتفاظ بشيء لم يعد له حاجة؟ وكان يدور جدال بيني وبين أمي وأبي بسبب احتكاري لتلك العلية ومكوثي فيها لساعات طويلة، فقد قمت بتحويلها إلى صومعة قراءة متواضعة لي، وهي لا تتجاوز الثلاثة أمتار طولاً وبعرض مترين فحسب ولا يتجاوز ارتفاعها السبعين سم، ومع ذلك فقد كانت تشكل لي عالمي الخاص الذي لا أجد لنفسي عنه تحويلا، وهنا قد يقول القارئ ما علاقة عنوان المقال بما يخبرنا به الكاتب؟
حقيقة لو كنت أقرأ مكانكم لتراود إلى ذهني نفس السؤال، فعلى أرض الواقع لا يوجد أي رابط حقيقي؛ سوى أن المرة الأولى التي بدأت تتشكل لدي معرفة حول موضوع استرجاع الصوت والصورة من الفضاء المحيط كانت في هذا المكان بالتحديد "العِلية"، فقد كنت عاكفاً على إحدى المجلات التي كانت تزخر بهم صومعتي؛ -في ثمانينات القرن العشرين -فوجدت فيها قصة خيالية نابعة من عقل قاصٍ متوقد الذهن، تدور أحداث القصة حول مخترع عبقري غريب الأطوار يعيش في مصر، وكان له بعض الجيران الذي كان هناك بعض الصداقة فيما بينهم، وكان هؤلاء الجيران "الأصدقاء" يرون جارهم العالم الفذ دائم الشرود قليل الكلام يتخلل صمته تمتمات غير مفهومة، وبعد جهد جهيد من الجارين " الزوج والزوجة" وفي محاولة سبر غور جارهم لمعرفة سبب الحالة التي هو فيها، أخبرهم بأنه توصل لاختراع خطير ومهم جداً قد يغير صورة العالم الحالية وأنه يخشى على نفسه بحال أفصح عن اختراعه هذا، وأبلغهم أن اختراعه هو عبارة عن آلة لديها القدرة على استرجاع الصوت والصورة من أزمنة غابرة، وعندما أخبرهم بهذه المعلومة أُصيب جيرانه بما أصيب هو به من الذهول والصمت المطبق، وحتى يثبت لهم صدقه؛ اصطحبهم إلى معمله وأدار آلته الغربية أمامهم، وبعد لحظات قليلة أصبحت تتراءى أمامهم صور تعود لعصور سابقة ومعارك طاحنة دارت بالماضي، بالإضافة لبعض الأصوات الغريبة، وهنا زاد ذهولهم ذهول، ودهشتهم دهشة، وبعد استرجاع رشدهم من هول ما رأوا وسمعوا بدأوا ينهالون بكمٍ من الأسئلة على عالمهم المغوار، هل يمكن أن تسترجع لنا صوت أمي المتوفاة؟ هل يمكن أن نرى جريمة قتل قد وقعت بالماضي؟ وهل؟ وهل؟ وهل؟، فأجابهم العالم بعد تردد وشرود بالحقيقة إذا ما اكملنا الأبحاث قد نستطيع أن نجيب على كل ما سألتم، ولكنني بحاجة لمزيد من الوقت لتطوير آلتي، وخرج الجارين "الزوجين" وما زالت الصدمة تعتريهم، وبعد أيام قليلة، وإذا بخبر يصل إلى مسامعهم بأن جارهم العالم قد قتل بظروف غامضة في معمله، ولن أطيل عليكم، فقد تبين أن الجار نفسه هو الذي قتله بسبب خوفه من اكتشاف جريمة قتل قد قام بها بالسابق، وعندما علم أن جاره العالم لديه القدرة على معرفة الماضي عن طريق استرجاع الاحداث الماضية بالصورة والصوت خشيَ على نفسه من أن تكشف جريمته ويذهب إلى حبل المشنقة...
لا تستغربوا من طول الوقت الذي مكثت به القصة في خيالي وعقلي، فقد كنت أطوي سرها بنفسي؛ لعلي أصل إلى ما وصل إليه هذا المخترع الخيالي العظيم، فلا تضحكوا من سذاجتي الطفولية تلك...، وبعد هذا الزمن كله وددت مشاركة جمهور قرائي بها لعل أحدهم يكون صاحب القدرة على الوصول إلى ما وصل إليه هذا المخترع بتلك الرواية، على قاعدة رُبَّ مبلغ أوعى من سامع أو قارئ...
والآن ألم تثر بكم هذه القصة ما أثارت بي من خيال وتفكير وأسئلة؟
أنا متأكد أن لهذه الرواية هذا التأثير العظيم، ولما لا وهي تحمل بين اواصرها ما يمكن أن يكون حقيقة، ألا تخبرنا علوم الطبيعة والفيزياء أن المادة لا تفنى ولا تستحدث؟ أليس الصوت صورة من صور المادة؟ أليست الصورة كذلك نوع من أنواع المادة؟ هل هذا الأمر ممكن نظرياً؟ وإذا كان الجواب نعم، فهل من الممكن أن نصل إليه تقنياً؟ فماذا لو كان صوتنا والأحداث التي نمر بها ما زالت مبحرة في مجاهيل الكون تنتظر من يسترجعها؟ وماذا؟ وماذا؟ لو أجَلْنا التفكير أكثر، إلى ماذا قد تؤدي الأمر بحال امتلكنا القدرة على استرجاع الاحداث الماضية؟
ما هي العواقب التي يمكن يؤدي إليها هذا الاختراع؟ هل نعيد كتابة التاريخ من جديد؟ هل ستسقط الأقنعة عن كثير من المحرمات؟
هل من الممكن أن هذا الاختراع موجود بيد بعض الدول وتحيطه بستار من الكتمان؟
وبحال الإجابة بنعم، هل يعني هذا أن هناك بعض الدول لديها القدرة على احتكار الحقيقة كما تُحتكر كثير من الأمور في زمننا الحاضر؟
أدعوكم إلى مزيد من البحث، ومن ثم إلى مزيد من الأسئلة حول هذا الأمر...













التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أمل طالب تكشف الوجه الساخر للإعلامي #السوري عمار أورفه لي في


.. ماكرون يلتقي نظيره الأوكراني في باريس


.. رئاسة الجمهورية اللبنانية ترفض استقبال وفد من أهالي ضحايا مر




.. الأغنياتُ التراثيةُ السودانيةُ بشكلٍ جديد… بين مؤيدٍ ورافض |


.. ما وراء الخبر– ماذا ستفعل إسرائيل بعد التوبيخ الأميركي لها؟